Minbar Libya

وجهة نظر: حق التصويت يهدد الجيش بالانقسام ويهدد الوطن بعدم الاستقرار

بقلم مالك عبيد ابوشهيوة

 دعا الناطق بأسم القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، العميد أحمد المسماري، جميع العسكريين في ليبيا الى التسجيل في سجلات الناخبين استعدادا للإنتخابات التشريعية و الرئاسية .

وقال العميد أحمد المسماري خلال مؤتمره الصحفي في2018/1/3، ( على جميع العسكريين ان يسجلوا في الانتخابات خاصة الانتخابات الرئاسية)، وأضاف (يحق لكل القوات النظامية و القوات المسلحة ممارسة حقها الانتخابي).

واستطرد العميد احمد المسماري ان القيادة العامة وقيادات القوات المسلحة الليبية ترحب بإجراء الانتخابات وانها تسمح للعسكريين بالتسجيل في الانتخابات وعندما يصدر قانون الانتخابات سنتعامل معه“.

دعوة لمبدأ رائع في ظروف غير مناسبة:

حق التصويت لا اعتراض عليه من حيث المبدأ ولكن في هذه المرحلة الانتقالية ليس من العقلانية السماح لأفراد القوات المسلحة التي تكرس عقيدتها الحياد وعدم الانحياز لأي قوى سياسية أو اجتماعية في المجتمع مما يتطلب العمل على بقاء القوات المسلحة محايدة ولا يجب ان تنخرط في العملية السياسية وعدم الزج بها في آنون السياسة وصراعاتها.

ممارسة حق التصويت في الانتخابات قد يبدو أمرا طبيعيا في المجتمعات والأنظمة المستقرة والمتقدمة حيث توجد ثوابت وقيم محددة تنظم العملية السياسية وإدارة الدولة.

وحيث الاختلافات بين القوى السياسية غير جوهرية على سبيل المثال، الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا والسويد وبريطانيا وغيرها أو في بعض الدول حيث المؤسسة العسكرية متماسكة ومترسخة في المجتمع وذات تقاليد عسكرية عريقة مثل مصر والمغرب في الوطن العربي.

لكن في ليبيا في هذه المرحلة الانتقالية حيث لم يتفق الليبيون بعد على شكل الدولة ولا على شكل النظام السياسي ولم يتوصلوا الى اتفاق على دستور ينظم الحياة السياسية واستمرار الصراعات بين العديد من القوى السياسية الداخلية وتهديد الارهاب الداخلي والخارجي، والاسوأ من ذلك كله لا توجد مؤسسة عسكرية موحدة بل توجد جيوش متعددة وميليشيات متعددة تزعم بأنها جيش منظم وتستمد شرعيتها من السلطات التي تدير الدولة بالإضافة إلى المليشيات التابعة لبعض الكيانات الحزبية أو الجهوية أو القبلية .

ان الحفاظ على الجيش الوليد في شرق ليبيا والعمل على تماسكه في هذه المرحلة الانتقالية والعمل الجاد لتوحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أمر في غاية الأهمية وذلك للمساهمة في الاسراع في بناء الدولة الليبية ومحاربة الارهاب في داخل الوطن وفي مواجهة التهديدات الخارجية مثل التدخل الخارجي في الجنوب الحبيب وتحديات الهجرة غير الشرعية وتداعياتها .

تداعيات السماح لأفراد الجيش بالتصويت :

إن السماح لأفراد الجيش بالانخراط في العملية السياسية بالتصويت، سيؤدي الى العديد من المشاكل الخطيرة وأهمها :

(1) تسيّس المؤسسة العسكرية، حيث ان قيام المرشح (أو الحزب السياسي) بالتواصل مع أفراد الجيش لإقناعهم بمشروعه وأفكاره حتى يتم التصويت له هذا يتطلب زيارة المعسكرات الجيش أو قيام افراد الجيش بزيارة مركز المرشح (أو الحزب) لمعرفة مشروعه الانتخابي أو أفكاره سيؤدي ذلك الى انحياز أفراد الجيش إلى أشخاص أو تيار سياسي محدد أو حزب.

(2) تأجيج الصراع بين افراد القوات المسلحة: تعاطف أفراد القوات المسلحة مع أشخاص محددين أو حزب محدد أو أشخاص من منطقة معينة أو قبيلة محددة ، سيعكس الصراعات الدائرة في الفضاء المدني بين المواطنين إلى صراعات داخل معسكرات الجيش مما يفتت الجيش المفتت ويؤدي الى الحرب الأهلية .

(3) استغلال افراد الجيش وتعبئتهم للإقبال على صناديق الإقتراع للتصويت لشخص محدد، على سبيل المثال في انتخابات الرئاسة السودانية أصدرت السلطات قرار يلزم أفراد القوات المسلحة للتصويت للرئيس حسن البشير أو تتخذ ضدهم اجراءات صارمة، هذا الإستغلال قد يتكرر في ليبيا اذا أخذنا خصوصية المؤسسة العسكرية المتعلقة بالطاعة وتنفيذ الأوامر.

هذا الإدراج ليس للسعي لحرمان أفراد القوات المسلحة من ضباط وجنود من حق يجب ان يتمتعوا به أسوة بغيرهم من أبناء الوطن، ولكن حرصاً على حياد الجيش الوطني في هذه المرحلة الانتقالية، وعلى بقائه بعيدا عن الانغماس في صراعات قد تؤدي الى مزيد من التفتت ومما قد يؤدي ذلك الى تداعيات سلبية شهدتها العديد من الدول كانت ظروفها تتشابه مع ليبيا الآن في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأدت في النهاية إلى حروب أهلية.

مرة أخرة، في هذه المرحلة علينا أن نحرص على بقاء الجيش الوطني (الوليد )خارج الصراعات السياسية والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية في كل الوطن تحت قيادة عسكرية واحدة، ولكن للأسف السماح لأفراد القوات المسلحة بالتصويت يتناقض مع كل ذلك.

ولذلك على كل من يهمه بناء الدولة والاستقرار فيها ان يعمل على المساهمة في بناء جيش وطني متماسك واحد موحد يأخذ في اعتباره العلوم العسكرية الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة وخصوصية الدولة الليبية وأراضيها وجغرافيتها الواسعة، ويؤسس هذا الجيش على عقيدة عسكرية جديدة أساسها حماية المواطن والوطن والدفاع عنه والحفاظ على الوحدة الوطنية.

هذه الخطوة في هذه المرحلة (أهم من حق التصويت) ستدعم وتعزز عملية بناء الدولة ومؤسساتها وستساهم في عملية التحول الى الدولة.

إلى ذلك الحين سيأتي اليوم الذي سيشارك فيه أفراد القوات المسلحة بالتصويت في الانتخابات أسوة بباقي المواطنين وأسوة بأفراد القوات المسلحة بدول العالم المتقدمة والمستقرة .

______________
صفحة الكاتب على الفيسبوك