Minbar Libya

بقلم خالد حنفي

يتواصل تعثر المحاولات الأممية والمساعي الإقليمية والدولية لحل الأزمة في ليبيا والانتقال من حالة الحرب والفوضى المستمرة منذ سبع سنوات إلى مرحلة بناء مؤسسات الدولة المدنية، وذلك بسبب الخلاف بين الفرقاء السياسيين وحكومة الوفاق والحكومة المؤقتة،

لكن السبب لا ينحصر في هذا فقط بل تعود الأزمة الداخلية إلى تعقيدات المجتمع الليبي وتكوينات المشهد بعد الثورة والذي عادت القبيلة لتلعب فيه دورا هاما، خصوصا تلك القبائل التي تم تهميشها في عهد القذافي.

مستقبل ليبيا بين مطرقة السلاح وسندان تحالفات القبائل

تتصاعد رهانات الأطراف الداخلية والخارجية على استدعاء قوة القبيلة في محاولة جديدة لإنهاء الأزمة في ليبيا، لا سيما أن اتفاق الصخيرات المتعثر بما رافقه من تعديلات عبر الخطة الأممية لم يزل موضعا للخلاف، في وقت يكتسب فيه الخيار الانتخابي دفعا أكبر، رغم الجدل حول ما إذا كانت شروطه متوافرة أم غير متوافرة.

أخذت تلك الرهانات أنماطا متعددة في الآونة الأخيرة، تراوحت بين اللجوء إلى توسيع التحالفات القبلية، استعدادا للانتخابات المزمع عقدها خلال العام الجاري، وتغيير موازين القوى السياسية والعسكرية الداخلية، والدفع بمسار المصالحات القبلية من قبل أطراف داخلية أو خارجية، كي تشكل قوة ضغط على الفرقاء الليبيين.

استقطاب قبلي

أول أنماط الاستدعاء لقوة القبيلة في توسيع التحالفات الداخلية تبرز مع لقاء قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر مطلع يناير الجاري في بنغازي مع أعيان قبائل الزنتان التي تشكل قوة أساسية في غرب ليبيا.

وبدا اللقاء مستهدفا أمرين:

الأول: سعي حفتر إلى استعادة لحمة الظهير القبلي المساند للجيش الوطني، وذلك لأغراض تثبيت موازين القوى العسكرية، أو حتى تحريكها في مواجهة تحالفات الغرب.

والثاني: توسيع الجبهات القبلية الداعمة لحفتر من الشرق إلى الغرب، كنوع من التمهيد لأي خطوة محتملة، حال قرر ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة التي يفترض أن تعقد بحسب الخطة الأممية قبل سبتمبر القادم.

يمكن تفهم الهدفين على خلفية تغييرات في ديناميكيات الصراع الليبي، إذ يواجه حفتر تراجعا أساسيا لعلاقاته مع قبائل الزنتان وميليشياتها القوية.

فبعدما تحالف الجانبان في صيف 2014 ضمن عملية الكرامة لمواجهة تحالف فجر ليبيا، استطاعت حكومة الوفاق الليبي خلال العام الماضي اجتذاب قيادات الزنتان لصفوفها، خاصة أن فايز السراج كان عيّن أسامة الجويلي (وزير الدفاع الأسبق من الزنتان) آمرا للمنطقة العسكرية الغربية في يونيو الماضي.

وقاد الجويلي المجلس العسكري للزنتان مع ميليشيات أخرى مثل كتيبة ثوار طرابلس لاقتحام منطقة ورشفانة (جنوب غربي طرابلس) الداعمة بالأساس للجيش الوطني الليبي في معارك تصاعدت حدتها في شهر نوفمبر الماضي. وخلفت انقساما داخل صفوف الزنتان بين مؤيد ومعارض وإضعافا لمؤيّدي حفتر في الغرب الليبي.

بيد أن نظرة أكثر اتساعا لدوافع تحرك حفتر الأخير باتجاه الزنتان قد لا تقف عند التأثير في تحالفات الغرب الليبي ومواجهة مساعي حكومة الوفاق لتعزيز موقفها في تحالفات الغرب، وإنما تمتد إلى المخاوف من نذر التوتر المتصاعد بين حفتر وحلفائه القبليين في الشرق.

ولهذا الأمر شواهد متعددة، منها إصدار شباب العواقير مطلع يناير الحالي بيانا يعبر عن غضبهم من اعتقال فرج قعيم وكيل وزارة الداخلية لحكومة الوفاق في بنغازي مؤخرا، وطالبوا الجيش الوطني الليبي بالإفراج عنه، ونشوب توترات بين حفتر والبراعصة، على خلفية أزمته مع العقيد فرج البرعصي في مدينة البيضا (شرق ليبيا)، والذي كان آمرا سابقا لمنطقة الجبل الأخضر في الجيش الليبي.

وثمة إشارات غير مباشرة لحفتر في الشرق تعكس مساعي بعض القبائل الشرقية للخروج من مأزق الاستقطاب السياسي، وهو ما تجلى في إعلان قبيلة العبيدات، وأحد الداعمين لحفتر خلال ديسمبر الماضي الابتعاد عن العمل السياسي وتفضيل المصالحة والعمل الاجتماعي لدعم الدولة.

في نمط آخر لا يخلو من الرهان على القبيلة، يأتي الحديث المتصاعد عن ترشيح سيف القذافي لانتخابات الرئاسة القادمة، أو استيعاب أنصار القذافي سياسيا، بما لهم من ثقل في عدة قبائل، مثل القذاذفة والورفلة والمقارحة، لا سيما أن الخطة الأممية طرحت في مرحلتها الثانية استيعابا لمن همشوا في الحوار الليبي خلال السنوات الماضية، ضمن مؤتمر المصالحة الوطنية الذي يفترض عقده خلال العام الجاري.

ويشير طرح سيف القذافي كمرشح للرئاسة في هذا التوقيت إلى عدة دلالات أساسية:

أولاها أن سيف الذي أفرج عنه في يونيو الماضي من سجن بالزنتان لا يزال يحظي بقدر من التأييد النسبي في أوساط قبلية،

وثانيتها أن ثمة استشعارا قبليا عاما بأن سقوط نظام القذافي لم ينقل ليبيا إلى حالة أفضل، أو يجسر هوة مظالمها في التهميش السياسي والتنموي، بل على العكس ساد الانقسام والفوضى.

وتتعلق الدلالة الثالثة بالمصالحات القبلية الليبية التي أخذت خلال العام الماضي مسارا متقدما، كما هو الحال بين تاورغاء ومصراتة، بما يهيئ الأجواء نسبيا لقبول عودة أنصار القذافي.

بل لوحظ أن مجلس النواب قد جرّم في شهر يناير الجاري قرارا كان قد أصدره المؤتمر الوطني الليبي في 2012 بهجوم ميليشيات درع ليبيا على بلدة بني وليد معقل أنصار القذافي، وهو ما يعني إعادة الاعتبار لقبيلة الورفلة.

تشاطر القوى الإقليمية والدولية أطراف الداخل الليبي مسعاها لاستدعاء قوة القبيلة، وإن تباينت الدوافع والمصالح.

رهان الخارج على القبيلة

سعت من قبل كل من مصر وتونس إلى احتضان مؤتمرات قبلية ليبية في عام 2015 لتوفير مناخ توافقي اجتماعي لدفع المسار السياسي ومكافحة الإرهاب.

في المقابل، لعبت كل من قطر وإيطاليا دورا أساسيا في اختراق المشهد القبلي في جنوب ليبيا، سواء عبر رعاية الدوحة لاتفاق بين التبو والطوارق في نوفمبر 2015 أو من خلال احتضان روما لاتفاق مصالحة بين التبو وأولاد سليمان في مارس 2017، بغرض السيطرة على الحدود، ومنع اقتصاديات التهريب والهجرة.

لكن لم يصمد أي اتفاق من هذه الاتفاقات، وذلك راجع إلى عدة عوامل من بينها عدم التزام روما والدوحة بدفع التعويضات للقبائل المتنازعة (بحسب دراسة ميدانية لكرايسز جروب)، فضلا عن توزع ولاءات قبائل الجنوب بين أطراف الصراع الليبي في الشرق والغرب وكذلك دول الجوار الإقليمي، خاصة تشاد والنيجر والسودان، إضافة إلى غياب سلطة مركزية يمكن لها ضمان إنفاذ المصالحات القبلية على الأرض.

وبرغم ذلك، تراهن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على تنشيط المصالحات القبلية في الجنوب لدفع المسار السلمي، فضلا عن أن غسان سلامة كان قد التقى ممثلي القبائل والقوى السياسية في الجنوب خلال شهر أكتوبر الماضي لتأمين الدعم السياسي للخطة الأممية لإنفاذ اتفاق الصخيرات وإنهاء المرحلة الانتقالية.

ورعت الأمم المتحدة اتفاقا للمصالحة بين قبائل الجنوب الليبي في ديسمبر الماضي لإحلال السلام في منطقة فزان، في إطار منتدى المصالحة الذي عقد في تونس خلال الشهر الماضي.

لكن هل يفلح ذلك الاستدعاء المتعدد من قبل أطراف الداخل والخارج للقبيلة سواء في ترجيح موازين القوى السياسية أو في تغليب الجانب العسكري أو حتى في تجاوز المأزق الليبي؟

بشكل عام، قد يبدو ذلك ممكنا من زاوية تأثير المكون القبلي في ميزان التفاعلات المجتمعية والسياسية. لكن من زاوية مقابلة، ثمة تغيرات في بنية المكون القبلي تقلل من قيمة الرهان عليه كأحد العوامل الحاسمة في محاولة الخروج من المأزق الليبي، وذلك لاعتبارات متعددة ومتداخلة نالت بالأساس من البنية المتماسكة للقبيلة الليبية، منها أن الثقافة الحضرية تهيمن على غالبية الليبيين ولم يعد العامل القبلي عنصرا وحيدا في تشكيل توجهاتهم السياسية.

كذلك أدى انتشار التعليم إلى نشوء فجوات بين الوجهاء والشباب، وهو ما يظهر أحيانا في رفض الشباب لبعض اتفاقات المصالحة القبلية التي يعقدها زعماؤهم، وهو نمط يفسر عدم صمود اتفاقات المصالحة أو الانشقاقات الداخلية، كما في قبائل جنوب ليبيا أو الزنتان.

أيضا، شكّل صعود الجماعات التكفيرية مدخلا لتقليص الانسجام الثقافي والمجتمعي بين القبلية الليبية والصوفية السنوسية، واللتين مثلتا محورين أساسيين في استقرار ليبيا.

وزادت ثورة فبراير من وتيرة عدم الانسجام، عندما برزت جماعات تكفيرية تنال من تراث الليبيين الثقافي والديني.

يضاف إلى ذلك غياب نمط القبيلة المهيمنة والنافذة في مؤسسات المجتمع والدولة، إذ تتوزع القبائل الليبية بحسب بعض الدراسات إلى 140 من بينها 29 قبيلة مؤثرة، ولكن على نطاق جغرافي واسع. وكرست ثورة فبراير هذا النمط من تفتت وانتشار القوة القبلية، لا سيما مع حلول القبلية وميليشياتها مكان الدولة في الوظائف الأمنية في بعض المناطق.

وأدى ذلك لاحقا إلى توزع الولاءات السياسية القبلية بين التحالفات المنقسمة في الشرق والغرب بل وانقسام الولاءات تلك داخل القبيلة ذاتها.

فعلى سبيل المثال، الاتجاه العام الذي يرى أن قبائل التبو أكثر تأييدا للجيش الوطني الليبي وأن الطوارق يساندون حكومة الوفاق وحلفاءها في مصراتة قد تتخلله بالمقابل انشقاقات داخل القبيلتين نفسيهما، فبعض قادة التبو ومنهم حسن موسى انصرفوا مؤخرا عن تأييد حفتر ودعموا بالمقابل حكومة الوفاق ومصراتة.

الأكثر أهمية من كل ذلك، تصاعد انتشار الكراهية القبلية في مرحلة ما بعد ثورة 17 فبراير.

صحيح أن التنازع القبلي كان مسارا مطروحا في السياسة الليبية، لكن ظل كامنا ومسيطَرا عليه من قبل القذافي إلى أن وجد بيئة محفزة للصعود في الفوضى وضعف السلطة، حيث برزت أعمال عنف وطرد للسكان على خلفية الهويات القبلية، كما أدى ذلك إلى تنامي العسكرة وتغير التحالفات القبلية؛ فمثلا، بعدما كانت قبائل التبو وأولاد سليمان صفا واحدا أمام نظام القذافي انقلبوا على بعضهم البعض في مرحلة لاحقة.

وبذلك يمكن القول إنه بقدر ما تشكل القبيلة جزءا من حل الأزمة الليبية الراهنة، فإنها تمثل أيضا إحدى معضلاته الرئيسية؛ فما لم تعالج أزمات مثل المواطنة والهوية والعدالة والتهميش التنموي والأراضي والتعويض لمن تضرروا من الصراعات القبلية، من الصعب المراهنة على العامل القبلي في أي تسوية سياسية قابلة للتطبيق على أرض الواقع، حيث سيصبح عندها ذلك العامل مجرد أداة توظيف للتحالفات السياسية والعسكرية.

***

د. خالد حنفي علي ـ باحث في الشؤون الأفريقية

___________