Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

تتسابق القوى القبلية والتيارات المناطقية والجماعات الحزبية في ليبيا مُوجهة أنظارها إلى الانتخابات المُقررة العام المقبل، والتي تبدو مُهددة بأصناف مختلفة من المفاجآت.

وأتى اغتيال عميد بلدية مصراتة محمد الشتيوي، العاصمة الاقتصادية ذات التأثير الكبير في المشهد السياسي، ليُذكر الجميع بأن عقبات كبيرة داخلية وخارجية يمكن أن تُعطل مسار الانتخابات، ولاسيما من جانب المُتحكمين في جماعات مسلحة، الذين يخشون من أن تُقوض الانتخابات نفوذهم وتُضعف قبضتهم على المناطق التي يسيطرون عليها بفعل انهيار مؤسسات الدولة.

ومع دنُو استحقاق الانتخابات التي تعتزم الأمم المتحدة إجراءها في ليبيا العام المقبل، تفاقم التنازع على الشرعية بين الفرقاء الليبيين، ففيما طلب رئيس حكومة الوفاق فائز السراج «فسح المجال أمام الشعب (الليبي) ليقول كلمته عبر صناديق الاقتراع»، حمل غريمُه قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر على «الأجسام المنبثقة من اتفاق الصخيرات»، مُعتبرا إياها منتهية الصلاحية.

واستطرادا فهو يرفض مُسبقا الاعتراف بنتائج أي انتخابات تشارك حكومة الوفاق في تنظيمها.

غير أن الرد الدولي على حفتر أتى من خلال المواقف المُتمسكة بحكومة الوفاق، والتي كان أعلاها صوتا موقف باريس، الذي عبر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، في أعقاب لقائه حفتر في بنغازي الثلاثاء الماضي، مؤكدا أنه حصل على وعد صريح من الماريشال بـ«الدعم الكامل للمسار الانتخابي بشرط أن يكون شفافا ولا غُبار عليه».

أكثر من ذلك، تجاهلت العواصم الكبرى موقف حفتر الذي أعلن انتهاء صلاحية اتفاق الصخيرات الموقع برعاية الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية في17 كانون الأول (ديسمبر) 2015.

ووعدت السراج بـ«تقديم المساعدة في التجهيز والاشراف والمراقبة» أثناء الانتخابات على ما قال.

كذلك أكد مجلس الأمن أن اتفاق الصخيرات يظل الإطار الوحيد الكفيل بالأزمة السياسية في ليبيا.

وحملت دول الجوار (تونس والجزائر ومصر) في الاجتماع الأخير (الرابع) لوزراء خارجيتها مزيدا من الماء إلى طاحونة السراج، بالإضافة إلى «دول كبرى وأخرى شقيقة ومنظمات دولية» تحدث عنها السراج من دون أن يُسميها.

غير أن رياحا شديدة بدأت تهبُ لإحباط المسار السياسي، وشكل اغتيال عميد بلدية مصراتة محمد الشتيوي رسالة قوية في هذا المعنى، لأنها استهدفت شخصية مُعتدلة ومؤيدة لمسار الصخيرات، في مدينة تُعتبر معقل الحركات الأصولية بمختلف تياراتها.

ولا يمكن أن يكون الهدف من عملية من هذا النوع، في السياقات الراهنة، سوى إيقاظ غول الحرب الأهلية من قمقمه، وإشعال فتيل معارك قبلية تقطع الطريق أمام إجراء انتخابات أو استفتاء على الدستور.

وما لم يتم الكشف بسرعة عن هوية مرتكبي الجريمة ومعاقبتهم تبقى جميع الانزلاقات ممكنة، فتوقيت الاغتيال يُشير إلى أن المستهدف هو المصالحة وتحديدا المسار الانتخابي.

مصرف مركزي برأسين

تنازعٌ آخر على الشرعية جسده الصراع بين صديق الكبير وعلي الحبري المُتنازعين على قيادة مصرف ليبيا المركزي، والذي يكاد ينشطر إلى مصرف للشرق وآخر للغرب، وسط أزمة سيولة حادة وانخفاض سعر الصرف. وتجري حاليا محاولات لرأب الصدع والمحافظة على وحدة المؤسسة المصرفية.

والأرجح أن هذه الجهود ستُعطي أكلها من خلال اجتماع وشيك لمجلس إدارة المصرف المركزي لبحث مسائل عاجلة في مقدمتها الخروج بسياسة نقدية موحدة تضع البلاد على سكة علاج المشاكل الاقتصادية العويصة التي تواجهها.

وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي اعترض بشدة على تنحية صديق الكبير وثبَتهُ في منصبه، بالرغم من أن البرلمان (مقرُهُ في طبرق) انتخب محمد عبد السلام الشكري حاكما جديدا للمصرف المركزي.

وبذلك يكون تثبيت المسؤولين عن المؤسسات السيادية الثلاث، وهي المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي والصندوق السيادي، في مواقعهم منسجما مع البند الخامس عشر من اتفاق الصخيرات.

واللافتُ أن مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط أكد أخيرا أن مستوى إنتاج النفط في السنة المقبلة يمكن أن يصل إلى 1.7 مليون برميل في اليوم، وهو مستوى أعلى مما كان عليه الانتاج في 2010 إذ لم يتجاوز 1.6 مليون برميل في اليوم.
واشترط صنع الله ألا تتدخل المليشيات في مواقع الانتاج والتصدير لتعطيل العمل.

وفي رد فعل خرج عن جميع الأعراف الدبلوماسية، لم يتمالك الموفد الأمريكي إلى ليبيا جونثان وينر عن حشر أنفه في خلاف ليبي ليبي، في شأن قيادة المصرف المركزي، فأفتى بأنه لا يحق لمجلس النواب تسمية حاكم جديد للمصرف، تبعا لما ورد في الاتفاق السياسي (اتفاق الصخيرات) من ضرورة الابقاء على المسؤولين عن المؤسسات السيادية في مواقعهم خلال المرحلة الانتقالية.

أما بعثة الأمم المتحدة للدعم فلاحظت أن تسمية الشكري لم تقُم على تشاور مسبق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، قبل اختياره لهذا المنصب، ويعكس هذا الموقف من قبل البعثة تحفظا دوليا على استبدال الشكري بصنع الله، أقلُهُ في هذه المرحلة.

حرب مواقع وحرب أسعار

بعيدا عن حرب المواقع بين النخب، يزيد الوضع المعيشي في ليبيا تعقيدا وعُسرا بسبب شح السيولة وغلاء الأسعار وتدهور قيمة الدينار، ما يرفع آليا من أسعار المنتوجات المستوردة. وعلى سبيل المثال يتم تبديل اليورو الواحد في السوق الرسمية بـ1.6 دينار، لكن سعره في السوق الموازية يصل إلى 10 دنانير.

وتلعب في هذا الهامش شبكات من المضاربين والمهربين، الذين يُخربون الاقتصاد المحلي الهش أصلا، منذ سبع سنوات، بفعل تهريب السلع عبر الحدود، على الرغم من تراجع المعروض من المنتوجات القابلة للتهريب.

ومع غياب وسائل السحب الآلي في المصارف الليبية، بات مألوفا مشهد الزبائن، الذين يُضطرون إلى التجمع أمام الفروع المصرفية لساعات طويلة في انتظار الحصول على بضع مئات من الدنانير، التي لا تتعدى قيمتها السوقية 40 يورو. وفاقم الفساد من هذا الوضع، بالرغم من أنه تراجع في السنوات التي أعقبت انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011.

وعزا الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الفتاح أبو بكر المالطي أسباب انتشار الفساد في السنوات الأخيرة إلى «هدر أموال طائلة خلال الأعوام الخمسة التي أعقبت تلك الانتفاضة تُقدر بعشرات المليارات، مُمثلة بملف الجرحى ومكافآت الثوار، التي أظهرت آلياتها غياب طرق مناسبة لصرفها، بالإضافة للمحاصصة المناطقية والحزبية، التي انتشرت بعد الثورة في جميع مفاصل الدولة، ما شجع كثيرا من الموظفين على سلوك الفساد المالي والاداري، لقدرتهم على التستر خلف مناطقهم وكياناتهم القبلية وأحزابهم، زيادة على استثمار المُفسدين الحالة الانتقالية، التي مرَ وما زال يمرُ فيها البلد، بعد الإطاحة بالنظام السابق، وانهيار مؤسسات الدولة لنهب ثروات الدولة.

الدول العشر الأكثر فسادا في العالم

وقال الدكتور المالطي لـ»القدس العربي» إن ليبيا «لم تتمتع طيلة سنوات بترتيب إيجابي على مؤشر مُدركات الفساد الذي تعتمده منظمة الشفافية الدولية، وزاد الأمر ترديا في السنوات الأخيرة، إذ حلت ليبيا ضمن الدول العشر الأكثر فسادا في العالم».

وأضاف استنادا على تقارير منظمة الشفافية الدولية «بعدما تقدمت ليبيا عشر خطوات من الرتبة 118 من أصل 133 بلدا عام 2003 وبدرجة فساد 2.1، إلى الرتبة 108 من أصل 145 بلدا في 2004 وبدرجة فساد 2.5، تراجعت في العام التالي تسع خطوات وبدرجة فساد 2.5 إلى الرتبة 117 من أصل 158 بلدا.

واستمرَ تراجع رتبة ليبيا بشكل ملحوظ، إذ نزلت من الرتبة 126 من أصل 180 بلدا عام 2008 وبدرجة فساد 2.5، إلى الرتبة 161 من أصل 168 بلدا عام 2015 وبدرجة فساد 1.6، كما تراجع ترتيبها بين البلدان العربية من الرتبة 14 عام 2003 إلى الرتبة 19 عام 2015، ما جعلها تقبع في آخر سُلم الترتيب قبل الصومال والسودان.

وعزا المالطي هذا التقهقر إلى انعدام الاستقرار السياسي والانفلات الأمني وشلل مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية.

مهاجرون ولاجئون

تسبب تدهور الوضع المعيشي في ليبيا برغبة شاملة لدى المهاجرين، الذين قصدوها بغاية العمل، لمغادرتها والعود إلى بلدانهم، أو التوجه إلى بلدان جنوب أوروبا.

يُضاف إليهم الوافدون الذين يتحينون الفرص للهجرة بصورة غير شرعية إلى سواحل أوروبا، والذين تُقدر مصادر أوروبية أعدادهم بما لا يقل عن 800 ألف مهاجر يتخذون من ليبيا معبرا وليس مقصدا نهائيا.

أما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فتُقدرُ عدد اللاجئين المسجلين لديها بـ44300 لاجئ في ليبيا، يُشكل السوريون والعراقيون والفلسطينيون 85 في المئة منهم.

لكن الثابت أن العدد الحقيقي أعلى من ذلك بكثير. وهذا ما أكدته التصريحات الأخيرة للمفوض الأوروبي لشؤون الهجرة واللجوء دميتريس أفراموبولوس (يوناني)، الذي اعتبر أن «أوضاع المهاجرين في ليبيا مُغرقة في الفوضى وهي خارج السيطرة».

وساهمت الأنباء المتداولة في تقارير منظمات حقوقية دولية عن إساءة معاملة هؤلاء المهاجرين واللاجئين، ولا سيما في مراكز التجميع على الأراضي الليبية، في إثارة حملة واسعة على السلطات لم يهدأ غُبارها حتى اليوم.

وصبَت قناة «سي أن أن» الزيت على النار في تحقيق أظهر ما اعتبرته سوقا للرقيق في ليبيا. وتسعى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى ترحيل ما بين 5000 و10000 لاجئ من ليبيا قالت إنهم «يعيشون في أوضاع حرجة» لتوطينهم في بلدان أوروبية.
ويسعى الاتحاد الافريقي من جهته لإعادة 20000 مهاجر افريقي إلى بلدانهم الأصلية في غضون الأسابيع الستة المقبلة، وهي عملية غير مؤكدة لأنها مُعقدة ومكلفة.

أما معاودة توطين اللاجئين في بلدان أوروبية، فهي عملية أكثر صعوبة وسط الصعود المتسارع للجماعات العنصرية، وتنامي التيارات اليمينية عموما في جميع أنحاء أوروبا، ما يُشكل عائقا كبيرا أمام محاولات إعادة توطين اللاجئين.

وأبلغ دليل على ذلك أن حوالي مئة طالب لجوء تم ترحيلهم من ليبيا إلى النيجر المحاذي للحدود الليبية منذ نوفمبر الماضي في انتظار البت في ملفاتهم في عواصم أوروبية، لكنهم ما زالوا ينتظرون غودو، الذي قد يأتي ولا يأتي على رأي صامويل بكيت.

وفي جميع الحالات سيظل هذا الملف الشائك يشغل بال السلطات الليبية، الحالية والمقبلة، فهو في مثابة الشوكة في ساقها لأنه عبءٌ إضافيٌ في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة تطحن المواطن الليبي، الذي يعاني أكثر من سواه من ارتفاع الأسعار وشح السيولة.

ويدلُ حجم هذه التحديات السياسية والاقتصادية على صعوبة حُكم بلد مثل ليبيا اليوم، ومع ذلك هناك شخصيات عامة تكاد لا تُخفي نيتها الترشيح للانتخابات الرئاسية المقبلة، أملا بمعاودة توحيد البلد ووضعه على سكة الإعمار للخروج من الدمار الذي لحقه على مدى سبعة أعوام.

ومن تلك الشخصيات محمود جبريل وخليفة حفتر وفائز السراج وعارف النايض وعبد الرحمن السويحلي وعبد الباسط قطيط، الذين يتسابقون كُلٌ من موقعه وانطلاقا من تحالفاته الإقليمية والدولية، لتنفيذ أجندات مختلفة، قد لا تكون مصلحة المواطن الليبي أبرزها.

______________