Minbar Libya

بقلم عبد المنعم الجهيمي

عندنا مرا ميته وقاعدة في الثلاجة توا.. ونبوك تقلعلها سنها”، كلمات صدمت طبيب الأسنان أحمد قودابب، الذي يعمل في عيادة أسنان بمدينة سبها جنوب ليبيا.

هذه الصدمة انتقلت إلينا ونحن نستمع لتفاصيل تلك القصة الغريبة من أحمد، وهي قصة واحدة في بحر ما يمكن أن تسمعه وأنت في هذا المكان، فمكوثك لفترة بسيطة داخل ثلاجة الموتى بمركز سبها الطبي؛ وتبادلك لشيء من الحديث مع بعض موظفيها أو الواردين منها وإليها من الأحياء يفتح أمامك بابا كبيرا على عالم ما بين الحياة والموت، عالم تتشابك فيه الرغبات بين الأحياء والأموات.

تلك الرغبة التي أوصلت طبيب الأسنان أحمد ليقوم بأغرب عملية خلع سن في حياته، خلع سن من جثة هامدة، ويقول أحمد إنه كان يجري عملية فحص داخل عيادته أواخر ديسمبر الماضي، قبل أن يسمع دقات تتوالى على باب حجرة الفحص، تجاهلها أولا ولكنه أذعن بعد أن صار الدق مزعجا، فتح الباب ليجد وراءه عدة رجال يبدو أنهم أعيان في قومهم، وبادروه حين سألهم عن مطلبهم بأنهم يريدونه أن يخلع سن ذهب لعجوز لهم كانت قد ماتت صباح اليوم.

كان الطلب صادما ومفاجأ لأحمد، إذ أنه لم يتعرض لهكذا موقف من قبل، عمت لحظات من الصمت والترقب، فالطبيب إحتار دليله وصار يبحث عن أسئلة ويتوقع ردود الفعل، فهو يعد ليُعلن عن رفضه، ولكن غموض الطلب ورغبته في كشف أسبابه يلجم كلماته.

هنا بادر أحد الأعيان وقطع ذلك الصمت وأخبره أن المتوفية لديها سن ذهب، وقد أوصت بخلعها عنها بعد موتها، وقد توفيت بالمركز الطبي ونُقلت للثلاجة، وتأخروا في غسلها ودفنها بسبب بحثهم عن طبيب ينفذ الوصية، هنا زال الغموض لدى أحمد، ولكن تظل أمامه تقبل الفكرة، ويقول: “أنا طبيب وتعاملت مع الجثث منذ دراستي، ولكن لم تتقبل نفسي أن أقوم بهذا العمل، فسألتهم عن شرعية هذه الوصية، لم أكمل سؤال حتى أكدوا لي أنهم اتصلوا بعدة مشايخ، وأوضحوا أنه لا حرج في ذلك”.

ويضيف طبيب الأسنان أحمد: “الآن تظل أمامي معضلة الرفض، لأني لم استسغ العملية، فنظرت للوجوه المتعلقة بي، ولمحت في أعينهم نداءات ترجوني الموافقة وإنهاء هذا الضيق الذي يمرون به، فوافقت على الذهاب معهم لثلاجة الموتى”.

دائما ما تتخش لجثث وخاصة بعد وضعها في الثلاجة يقول أحمد، الذي أحضر له العم “عبدالله” غفير الثلاجة جثة العجوز ووضعها أمامه في المطهرة، كان واقفا رفقة ابنها وحفيدها، ويقول: “كان علينا أن نفتح فك العجوز لأتمكن من إدخال الآت وخلع السن.

بدأنا في محاول فتح الفك، كانت الجثة شديدة البرودة ومتصلبة، وطالت محاولتنا فتح فكها، حتى إنهار ابنها وأسرع خارج الغرفة وهو يبكي بصوت مرتفع، لم يكن أمامي الكثير من الوقت، فنظرت بسرعة لحفيدها الذي كان يشاهدنا، فبادر فورا وأمسك معي الفك وتمكنا من فتحه.

أدخلت آلتي وخلعت السن، وأرجعت الفك لحالته وخرجت للجمع الذي ينتظرني في الخارج، وأعطيتهم السن، وعدت لعيادتي، وأنا غير مصدق لما حدث معي، كانت هذه أغرب عملية خلع سن أنجزتها في حياتي المهنية التي يبلغ عمرها خمس سنوات”.

ومضى الطبيب أحمد قودابب مسرعا وتركني مشدوها بهذه الأحداث الغريبة والطريفة التي مرت به في ذلك اليوم بثلاجة الموتى، هنا حيث تختلط أحلام الموتى ورغباتهم بمحدودية قدرات الأحياء ورغباتهم أيضا، رحلاتنا للثلاجة لا تنتهي طالما لا تزال آلة الموت تعمل بكامل قوتها بالمدينة.

***

كصحفي تتلخص رغبتك في عدّ الجثث الموجودة داخل الثلاجة ومعرفة المصاعب والمشاكل التي تواجهها، ومتى يجري دفن المجهولة وإنهاء مشكلة التكدس؟.. وحتى تحصل على كل هذه المعلومات، ستضطر للبقاء فترة من الزمن داخل هذا المكان، الذي تسوده تلك الرائحة غير المستساغة، ومثل هذه الحوادث الطريفة التي نادرا أن تمر بك.

***

عبد المنعم الجهيمي ـ صحفي من سبها

____________