Minbar Libya

بقلم عبد الفتاح الشلوي

هى التصعيد الشعبي المباشر والاقتراع السري عبر صناديق الانتخابات، فهل يلتقيان أم بينهما برزخ وجدران؟

لا شك أننا نعوز ثقافة الثانية، ويتفنن البعض بحبك الأولى، يختلفان تمامًا ولا يلتقيان، فالسري يظل سريًا، والمُعلن يبقى مُعلنًا، وإن كان لكل منهما أنصاره ومؤيديه.

التصعيد المباشر ابتكره القذافي بنظريته الثالثة، ومع استمراريته وتطوره برع بآليته حذاق الخيام و”الصالات” والمرابيع، وتفننوا في تشكيل صورته، وتطويع مخرجاته، لتحقيق غاياتهم من خلال العزف على أوتار القبلية والجهوية والشرائح وغيرها، وكان لهم ما أرادوا، ليس هذا فحسب بل إن مهندسي ومجذري الفكرة تمكنوا من تسريبها الى أعلى هرم السلطة التشريعية في ليبيا في ذلك الوقت (مؤتمر الشعب العام وأجهزته التابعة له) ولم يكن من حرجٍ ظاهر ولا باطن في ذلك، حتى أصبحت “الكولسة” منهجًا وخيارًا لتحقيق غايات مرتجاة، بدءًا من تصعيد المحلة، ومرورًا بالشعبيات، وصولًا لقمة هرمها البنيوي، وتُغلف في بعض الأحيان بمسميات التوجيه الثوري والشرعية الثورية والتفاعل الشعبي وغيرها من التأويلات.

وبرز هنا حزبهم المفترض غير المرئي والذي اصطلح على تسميته مزاجًا “بالكولاسة” وهم ينوبون عمّن يقومون باختيار مصعديهم، فيوجهونهم تحت شعار قبيلتنا وكياننا، ثم يهيمنون بعصا الإسقاط والإدانة على المصعّد وبها يحوزون أمنيات وخدمات المحتاجين لأنفسهم، وهنا عشعشت الفكرة برؤوسهم وأصبحت فنًا من فنون التعاطي مع السياسية.

فَعلُق ذلك السلوك بمفاهيم البعض ولم يتخلصوا منه حتى اليوم، وكأن التغيير الذي حدث في ليبيا لم يكن يستهدف النموذج السياسي السبتمبري والذي لأجله قامت ثورة فبراير، فتمسكت تلك الفئة بسلوكها، وأثبتته بذاكرتها إلى أن واتتها الظروف وحانت لها الفرصة لإعادة ممارسته بشكل احترافي مع إرهاصات انتخابات 2018 المحتملة، وهاهم اليوم يتأهبون للانقضاض على صناديق الإنتخابات، و”الكولسة” بجوفها ومحاولة اختراق سريتها والعبث بآليتها.

لكن هل بإمكانهم تحقيق ذلك ؟

في حقيقة الأمر يمكن لنا أن نقول لا، وقد نقول نعم، لعدة اعتبارات مهمة لا يمكن لمتابع الشأن الليبي تجاهلها، ففيم لو كانت الرقابة المدنية على سير العملية الانتخابية جادة وفاعلة قطعًا لن ينجح هولاء، وكذلك وجود حالة الاستقرار الأمني، والرقابة الدولية، وصدق وجدية القائمين على إجراء الانتخابات، بمعنى أن ذلك سيحول دون مخاوفنا من ارتكاب عمليات تزوير تفسد نتائج العملية السياسية .

ولا يعني هذا أن تُسد الطريق أمام هذه الفئة المتحذلقة، وألا ينجح البعض منهم في كسر نزاهة وشفافية العملية الانتخابية وتحقيق بعض الغايات السلبية.

أما عن حزب “الكولاسة” فإن نتائجهم لن تكون كما كانت إبان عملية التصعيد الشعبي، هذا مستحيل وإن حدث فستكون بنسبة قليلة غير ذات جدوى، ومرد ذلك لسرية الاقتراع، وملكية الناخب لحرية قراره، بعيدًا عن أنظار المتابعين والمتفحصين كما كانوا يفعلون أثناء عملية التصعيد الشعبي المباشر والإفلات من الحرج واللوم وقد يصل التخلي عن أبناء العمومة لتوقيع عقوبات اجتماعية.

والسؤال هنا أي من المتلازمتين سينهج عتاة الحزب، وهل سيقتنعون بالعمل السياسي المدني والحضاري أم أن الحنين للأيام الخوالي سيشوه صورة .الانتخابات وسيعمل على صبغها بالجهوية والقبلية ؟

***

عبد الفتاح الشلوي ـ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

____________