Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

أطلعت على منشور على صفحة في الفيس بوك تحمل اسم وصورة الأستاذ محمود شمام يناقش مدى حجية كتب السنة النبوية، وعلق على كلام شمام كثيرون معروفون لدينا، فاعتمدنا أن الكلام المنسوب له، ومما زادنا ثقة أنه لم يصدر نفي عن الكاتب

واستميح أهل الاختصاص عذرا، فأنا لست من أهل الصنعة، ولكن الموضوع يتعلق بجانب علمي منهجي أحسب أني مهتم بدرجة كبيرة به، كم أنه يتعلق بدين المسلم، فكان أن أبديت وجهة نظري في الموضوع، وأدعوهم إلى إثراء النقاش بما يساعد القارئ على وضع تساؤلات واستنتاجات الأستاذ شمام في دائرتها الصحيحة.

وبناء على التعليق المطول المنسوب لشمام والذي يتمحور حول صدقية مصادر الأحاديث النبوية، فإن أبرز ملاحظاته واستنتاجاته تنحصر فيما يلي:

ـ تباعد الفترة الزمنية بين عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة وبين مصنفي كتب الأحاديث المشهورة حيث تزيد المدة عن 180 عام الأمر الذي يطعن في صحة ما تضمنته الكتب.

ـ أن الأحاديث ظنية والرواة مجهولون وأغلب ما تم نقله وجهات نظر شخصية

ـ غياب المصادر الأصلية لكتب الأحاديث (المخطوطات)، والأمر لا يخلو من التزوير ويصبح باب عدم صحة الأحاديث وعدم نسبة الكتب إلى مؤلفيها مفتوح على مصرعيه

بداية ينبغي الإقرار أن باب البحث والنقاش في الإرث الإسلامي أو النصوص الدينية لا حرج فيه، فهناك العديد من الأحاديث النبوية التي تجعل القارئ يتوقف عندها لأن ظاهر معناها شيء لا يقبله العقل، مع التنبيه أن ظاهر النص ليس مراد في كثير من الحالات، كما أن تفسير النصوص قاد إلى وضع مربك يقتضي المعالجة بل والمراجعة.

لذا فإني لا أجد حرجا في أن تُطرح مثل هذه التساؤلات، والمهم أن لا يكون الغرض التشكيك المتعمد في أصول الدين، أو ترويج مقصود لشبهات تم بالفعل الرد عليها، وذلك في مواجهة تيار متعاظم في ليبيا ينسب نفسه للسلف وأنه الأجدر بالسنة النبوية.

تساؤلات واستنتاجات شمام ليست جديدة وسبقه بمثلها وأعظم منها كثيرون قديما وحديثا، وكانت تساؤلاته وأحكامه محل رد ومعالجة من قبل أعلام في القديم والحديث، ولو لجأ محمود شمام إلى الدكتور محمد عمارة، والاثنين يقيمان في القاهرة، لحاوره بشكل غاية في العمق وقمة في الموضوعية بما يهدئ من روع شمام ويخفف كثيرا من قلقه ويقدم إجابات منطقية جدا حول الأحد عشر سؤالا التي طرحها

هناك أيضا الكثير من الدراسات العلمية إجازات دقيقةحول تدوين السنة النبوية فيها ما يشفي العليل حول تساؤلات شمام، وأحيله إلى كتاب (تاريخ تدوين السنة) لمؤلفه الدكتور حاكم المطيري، فقد ناقش مسائل تدور في مجملها حول كلام شمام.

فيما يتعلق بتباعد الفترة الزمنية بين الرسول وأصحاب كتب الحديث، فمن الثابت تاريخيا أن تدوين السنة بدأ منذ السنوات الأولى للرسالة، وحديث الصحابي عبدالله بن العاص قطعي في هذا المعنى بقوله أنه كان يكتب كل شيء يسمعه من الرسول.

هناك أيضا صحائف مشهورة لعدد من الصحابة دونوا فيها أحاديث الرسول، وهناك أيضا مصنفات قريبة العهد بزمن الرسالة منها موطأ الإمام مالك، وبالتالي يصبح ما قام به أصحاب الصحاح والسنن هو تجميع وتصنيف وتدقيق.

يعرف شمام أن علوما تطورت حديثا كالأنثروبولوجيا والتاريخ والآثار اعتمدت وقائع وأحداث مضى عليها قرون وأصبح نتاج جهودها مثبتا وذلك لأنها انتهجت نهجا علميا جعل مخرجات جهدها لا يقبل الشك.

وربطا بالنقطة السالفة، وبشهادة متخصصين، فإن طرق تقصي صحة الأحاديث النبوية التي انتهجها علماء الحديث كانت غاية في الدقة بحيث يصبح الشك في نسبة الحديث للرسول صلى الله وعليه وسلم منعدم أو محدود، ولفظة الظني لا تفيد الضعف ولا تحمل معنى الشك، وأدعوه لمراجعة مدلولها.

علم الحديث المتعلق بالتأكد من صحة نسبة الأحاديث للرسول السند، وصحة المضمون المتن، علما لا تكاد تجد له قرين في الأمم والحضارات الأخرى، ولاحظ أن التقصي تراكم من طبقة من علماء الحديث إلى أخرى حتى أصبح الناتج شيء يقدر، ولو اطلع شمام على شروط صحة الحديث عند العلماء لتردد في قوله أنها وجهات نظر شخصية.

ردا على قوله بأن الرواة مجهولون، أقول أن من ضمن فروع علوم الحديث هناك فرع تعارف على تسميته علم الجرح والتعديل، وهو يُعنى بتقييم رواة الحديث من الرسول وحتى مؤلف كتاب الحديث (البخاري أو مسلم الخ)، وأجزم أنه لا يوجد أثراً بشريا ثم التدقيق في صدقية نقله عن صاحبه عبر تفحص أمانة ونباهة ودراية الرواة بالحديث ومعاصرتهم لمن قبلهم وبعدهم من الرواة كما وقع مع السنة النبوية.

أما فيما يتعلق بعدم وجود المصادر الأصلية لكتب الحديث، فهناك مخطوطات للكتب المشهورة، محفوظة في العديد من العواصم الإسلامية، منها ما هو معروف، والعديد منها لم تخضع للبحث العلمي ليتحدد بشكل قطعي نسبتها إلى مؤلفيها.

أما محدودية عددها فهو راجع إلى التدمير المتعمد للإرث الإسلامي، ومثبت تاريخيا أن التدوين والتوثيق توسع كثيرا في فترات انتقال الخلافة من المدينة إلى العراق ثم سوريا، ومعلوم أن هذه المنارات تعرضت لغزو استهدف التراث والمخزون العلمي الإسلامي وغيره.

أدعو الأستاذ محمود شمام إلى الاطلاع على الجهد الذي قام به الدكتور صالح الشامي (مؤلف كتاب معالم السنة النبوية) والمتعلق بمطابقة مصادر الأحاديث (11 مصدر على رأسها صحيح البخاري ومسلم) وإسقاط المتكرر من الأحاديث، سواء تكرار راوي الحديث أو تكرار رواية المضمون عبر راوي آخر، واستبعاد مواضيع متعلقة بالصحابة وليس الرسول،  فوجد أن الأحاديث المنسوبة إليه نحو 3900 حديث.

وبالنظر إلى الرقم أعلى، وفي أمة اشتهرت بقوة الحفظ،  واحتفاءها الكبير جدا بسنة الرسول، فإن ست أجيال (وهي الفترة الفاصلة بين الرسول ومؤلفي كتب الأحاديث كما حددها شمام) لا تؤثر في صحة الحديث سندا ومتناً، ومعظم هذه الأحاديث ثبت صحة نسبتها للرسول بتعدد طرق الرواية.

النقطة الأخيرة هي تواتر العمل بمضمون سنة النبي وفحوى أحاديثه، خاصة المتعلقة بالأحكام الأساسية، وذلك من خلال الفعل والممارسة عبر شريحة واسعة من الصحابة إلى التابعين إلى تابعيهم إلى الذين يلونهم حتى فترة التجميع والتصنيف والتدقيق، وقس على ذلك العبادات بأنواعها، والمعاملات، التي أجملها القرآن وفصلت فيها السنة والتي يتفق عليها المسلمون في كل أنحاء العالم.

_______________