Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

أهم إنجاز حققته حكومة الوفاق الوطني الليبية في 2017 هو إخراج تنظيم «الدولة» من مدينة سرت، بعد معارك ضارية سقط فيها ما يقارب 700 قتيل من قوات «البنيان المرصوص» الحكومية و2500 من عناصر التنظيم.

كانت الطلقة الأخيرة في معركة تحرير سرت يوم 6 كانون الأول/ديسمبر. ومع أن خسارة التنظيم معقله الرئيسي في ليبيا اندرج في سياق تقهقر استراتيجي في كل من سوريا والعراق، اتسم الوضع الليبي بخصوصيات جغرافية جعلت منه الملجأ الوحيد، نظريا، للمنسحبين من «عاصمتي» التنظيم في الرقة والموصل.

لكن لوحظ أن عناصر التنظيم تخلت (مؤقتا) عن فكرة الاستيلاء على إحدى المدن الليبية وإخضاعها لقاعدة التمكين، فانتشرت في مجموعات صغيرة على مدن عدة من درنة شرقا إلى صبراتة غربا، وهو ما أكدته الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت عناصر التنظيم في تلك المدن.

غير أن مكاسب معركة سرت ظلت محدودة في الواقع، لأن حكومة الوفاق اعتمدت على توليفة من المجموعات المسلحة لخوض المعركة وسط تفكك الجيش الليبي.

ولم تستطع الاستفادة من معركة سرت لبناء قوة عسكرية تضبط الأمن في العاصمة طرابلس على الأقل، وتحمي أعضاء الحكومة ومؤسساتها، على الرغم من تشكيل الحرس الرئاسي، الذي قيل إنه نواة لجيش جديد، إلا أن الحكومة ظلت مُعتمدة في حمايتها على عناصر الميليشيات التي تتقاضى منها رواتبها.

وفي النتيجة ظل عناصر التنظيم يتحركون في المناطق المُنفلتة أمنيا، أو تلك التي يسودها التوتر بسبب الصراع بين القبائل، وتم رصد مجموعات في محيط بعض المدن في الوسط والجنوب.

واستطاع التنظيم أن يضرب في مصراتة ومدن أخرى لإثبات أنه لم ينهر، وهو يستثمر الصراع المُستعر بين حكومة الوفاق والمشير حفتر ليُوسع اختراقه للمجتمع ويكسب عناصر جديدة، مع السعي للسيطرة على خطوط التهريب على الحدود الجنوبية والغربية، بما في ذلك تهريب النفط، أسوة بما كان يتعاطاه في سوريا من صفقات بيع النفط المُهرب.

في المقابل عزز اللواء العسكري المُعين من البرلمان المشير خليفة حفتر مواقعه في الشرق، مع رفض الخضوع لأي سلطة مدنية، واستطاع تأخير تنفيذ الاستحقاقات التي تضمنها اتفاق الصخيرات، الذي توصل له الفرقاء الليبيون في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 في المغرب، ثم سارع مؤخرا إلى إعلان نهاية الاتفاق بعد انقضاء فسحة السنتين.

غير أن المزاج الدولي كان وما زال رافضا لعودة الاقتتال بين الليبيين، لكون الصراع الأهلي بؤرة لاستقطاب عناصر التنظيمات الأصولية المسلحة من بلدان أخرى.

وتُعتبر مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بجمع رئيس حكومة الوفاق وقائد الجيش المعين من البرلمان في باريس محاولة يتيمة وعقيمة، لأنها كانت مصالحة تلفزيونية، ولم تكن لها أي استتباعات لحلحلة الخلاف بين الرجلين، وبات اللاعبون الخارجيون، من فرنسيين وأمريكيين وطليان وروس وأتراك، يلعبون بأوراق مكشوفة، بالاعتماد على «شركاء» ليبيين، وهو خليط ساهم في تأخير الحل.

على هذه الخلفية القلقة وفي هذا السياق المُلبَد بالأجندات المتضاربة حلَ الموفد الجديد للأمم المتحدة اللبناني غسان سلامة حاملا يافطة زرقاء اللون كتب عليها «بحثا عن قواسم مشتركة بين الليبيين».

واستطاع في غضون أسابيع جمع الإخوة الأعداء على مائدة حوار بعدما أقسموا ألا يُقابل بعضهم وجوه البعض الآخر.

ودارت بين الأيدي مشاريع ومُسودات وأوراق أنعشت الآمال بوضع خريطة طريق متفق عليها من الغالبية، إن لم يكن من الجميع، تبدأ باستفتاء على الدستور يُمهد بدوره لانتخابات رئاسية وبرلمانية، من أجل معاودة بناء مؤسسات الدولة.

لكن لم يستطع الجالسون على موائد الحوار في تونس البت في هذه القضايا، لأنهم غير مخولين باتخاذ قرارات، حسب ما قيل. غير أن القوى الخفية التي تعمل على تأبيد الأزمة هي التي تُعرقل الوصول إلى حل، وفي هذا الإطار ركزت الرؤية الأوروبية في 2017 على ما يهمها في الدرجة الأولى، وهو ملف الهجرة غير الشرعية، التي بلغت موجاتها العالية ذُرى لم تصل إليها في السنوات الماضية.

ومن أجل احتواء الظاهرة لم يتورع الطليان عن التعاطي مع شبكات التهريب، معتمدين على رؤساء تلك الشبكات لإحباط العمليات التي كان هؤلاء المهربون يُنظمونها بأنفسهم انطلاقا من السواحل الليبية، على مرأى ومسمع من الجميع.

واللافت أن دور إيطاليا في ليبيا اتخذ في 2017 حجما أكبر مما يبدو على السطح، فبالإضافة لكون روما هي الداعم الأوروبي الرئيسي للجماعات الأصولية في مصراتة، ذات التأثير الحاسم على الأوضاع في طرابلس، بما في ذلك خلال معركة سرت، سارعت إلى إرسال سفنها الحربية إلى حافة المياه الإقليمية الليبية، بعنوان احتواء قوارب المهاجرين غير النظاميين المُتجهين إلى سواحلها الجنوبية.

وفي سياق المنافسة مع فرنسا، على خلفية السباق بين مجموعتي «توتال» و«إيني» النفطيتين، حصلت روما على نوع من الوكالة من الإدارة الأمريكية، التي تسعى لتعديل مُجمل سياستها في المنطقة، على أنقاض سياسة أوباماكلينتون.

وتجلى التغيير الذي طرأ على السياسة الأمريكية تجاه ليبيا في الكلمات التي توجه بها الرئيس دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء الإيطالي باولو جانتيلوني لدى استقباله في البيت الأبيض في أبريل/نيسان الماضي، عندما أكد أنه لا يرى دورا للولايات المتحدة في ليبيا عدا هزيمة تنظيم «داعش»، مُعتبرا أن لدى بلده «ما يكفيه من الأدوار». وعلى هذا الأساس أشاد ترامب بدور إيطاليا في الحرب على الارهاب وبـ»جهودها لتحقيق الاستقرار في ليبيا».

هذا عن إيطاليا وأمريكا، أما الاتحاد الأوروبي الذي نطقت باسمه مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد فيديريكا موغيريني (وهي وزيرة خارجية إيطاليا سابقا) فبنى سياسته في ليبيا على محورين هما الدفع في اتجاه حل سياسي دائم للأزمة واحتواء موجات المهاجرين غير النظاميين.

___________