Minbar Libya

بقلم المهدي ثابت

ليس من السهل تفكيك المشهد الليبي بمختلف تجلياته ذلك ان الازمة طالت وتشابكت عقُدها، وهو ما اصبح يهدد كيان الدولة في وجودها.

وتبقى الارادة الليبية المخلصة هي صاحبة الاولوية في اخراج البلاد من المازق الهيكلي الذي تردت فيه اجتماعا واقتصادا وأمنا وسياسة .

***

الأزمة في المستوى الإجتماعي

إن الأزمات السياسية والإقتصادية ألقت بظلالها على الواقع الإجتماعي في البلاد .

فالنعرة القبلية والمناطقية استيقظت بقوة وأصبحت القبيلة والمدينة الملاذ للمواطن أمام المخاطر التي تهدد كيانه. والانتصار للمدينة أصبح أقوى من الانتصار للبلاد. وهذه حالة تنفرد بها ليبيا . وسبب ذلك يعود دائما إلى ضعف الدولة وإلى إحساس مبطن بالخوف .

كما أن حالة الفساد المالي المستفحلة في البلاد وحالة الحيف الشاملة في التصرف في الثروات من منطقة إلى أخرى عززت ظاهرة الانتصار للمدينة وهو ما يهدد بتمزيق كيان الدولة. إن كل مدينة تسعى اليوم للظفر بأقصى قدر من المكاسب وإلى افتكاك ما يمكن من الغنائم وإن كان ذلك على حساب بقية المدن.إنه الغياب الحقيقي لمفهوم الدولة والوحدة الوطنية.

والمستوى الثاني من الأزمة الاجتماعية يتمثل في ما أصاب النسيج الإجتماعي من تمزق نتيجة الإقتتال سواء بين المدن أو بين الأطراف السياسية. وهذا انعكس جميعا على النسيج الإجتماعي خاصة في مدن الشرق الليبي وبعض مدن الغرب والجنوب.

إن المواطن لم يعد يشعر بأن هناك دولة تحميه وتوفر له الخدمات الضرورية .وهذا أمر على غاية من الخطورة ويمثل تهديدا مباشرا لحالة المواطنة والإنتماء.

الأزمة في المستوى الثقافي

المعروف عن الشعب الليبي أنه شعب محافظ ومتدين بالفطرة ولم يعرف غزوا ثقافيا على غرار الشعب التونسي والشعب الجزائري. ولذلك بقي متشبثا بقيمه العربية الإسلامية ومقلدا للمذهب المالكي منذ أكثر من إثني عشر قرنا.إلا أنه في سنوات ما بعد الثورة برز تيار ديني يخالف المذهب المالكي ولا يدين بالولاء لدار الإفتاء مرجع أغلب الشعب الليبي في الفتوى وفي القضايا المتعلقة بالمسائل الشرعية.

هو تيار سلفي يؤمن بولاية ولي الأمر المتغلب واصطلح على تسميته بالتيار المدخلي نسبة للشيخ السعودي ”ربيع المدخلي” وهو مرجعهم في الفتوى والقرار.

يحاول هذا التنظيم اليوم السيطرة على المساجد وتوجيه الخطاب الديني بما يخدم مصالحه وقناعاته. هذا التيار يهدد اليوم الحالة الدينية في البلاد عبر التشكيك في شيوخ العلم الشرعي في البلاد ويعتبر دار الإفتاء مؤسسة منحرفة عن المنهج الإسلامي الصحيح ويحارب التيارات الإسلامية المعتدلة.

وهو متحالف مع خليفة حفتر في الشرق ويعتبره ولي الأمر الشرعي.

وفي الغرب تخترق عناصره بعض القوى العسكرية والميليشياوية التي لها نفوذ في مناطقها في محاولة منه للسيطرة والتمدد داخل النسيج الفكري والإجتماعي .

هذا التيار اليوم يهدد حالة الإنسجام الديني التي تميز المجتمع الليبي عبر التشكيك في القناعات والقيم التي تواضع عليها الشعب لقرون وقد يسبب في فتن دينية هي آخر ما يمكن أن يتوقعه المواطن في ليبيا.

التدخلات الخارجية وتعميق الأزمة

صار معلوم لدى الجميع حجم التدخل الخارجي الفج في الملف الليبي وهو ما زاد في تعميق الأزمة وقلل من حظوظ الحوار الداخلي في بلوغ الحل.

إن التدخل الخارجي اليوم يمثل خطرا كبيرا على المشروع الوطني الذي يسعى لإخراج البلاد من أزمتها. وقد أخذ هذا التدخل أشكالا مختلفة منها التدخل المباشر كما تفعل مصر والإمارات العربية المتحدة بدعمها المعلن للجنرال خليفة حفتر المتعطش للسلطة على الطريقة المصرية وهو ما يهدد بعسكرة البلاد من جديد بعد أن تخلصت من حكم عقيد حكمها 42 سنة وترك خلفه دمارا كبيرا.

وهناك اليوم صراع قوي في ليبيا بين فرنسا وايطاليا.

فكلا الدولتين ترغبان في وجود فاعل لها في البلاد. وهذا الصراع انعكس بين الفرقاء الليبيين وعمّق هوة الخلاف.

كما أن الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعرفها البلاد هي في جزء منها نتاج مخطط مدروس من قوى خارجية تريد فرض أمر واقع يجبر الليبيين على الرضوخ للإرادة الدولية حتى تبقى هذه القوى ماسكة بخيوط اللعبة إلى النهاية.

إن المشروع الأممي الذي يريد فرض حل سياسي في ليبيا قبل نهاية 2018 لن يراعي مصلحة الليبيين بدرجة أولى رغم إيجابياته ولكن سيكون نتاج لتفاهمات دولية تراعي مصالح القوى الكبرى في هذا البلد.

التحديات المطروحة أمام القوى الوطنية في البلاد

إن تيار الثورة المؤتمن على دماء الشهداء مطالب اليوم بأن يوحد صفوفه وينزع عنه الفرقة ويغلّب المصلحة الوطنية العليا ويتجاوز الخلافات الداخلية ويجعل هدفه الأسمى التصدي لمجمل هذه التحديات التي تهدد كيان البلاد في وحدتها وتنذر بتحويلها إلى دولة فاشلة تنهشها المطامع الأجنبية.

إن المشروع الأجنبي المضاد الذي يقوده الجنرال حفتر يمثل الخطر الأكبر على المشروع الوطني الذي يسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات أي الدولة المدنية التي تقطع مع كل أشكال الاستبداد السياسي.

وما كان لهذا المشروع أن يتمدد في البلاد لولا حالة الفرقة والتشرذم الذي يعرفها تيار الثورة المؤمن بمبادئ فبراير.

لقد صار لزاما اليوم على القوى الوطنية في ليبيا أن تنظر إلى المستقبل وتتناسى خلافات الماضي وتشتغل على بناء طبقة سياسية شابة مؤمنة بقيم الثورة وقادرة على مواجهة الإستحقاقات السياسية القادمة في إطار خارطة الطريق المقترحة من الأمم المتحدة والتي ستتوج بانتخابات عامة تؤسس للوضع النهائي.

خاتمة

مازال أمام القوى الوطنية في ليبيا حيز من الوقت يسمح لها بتبني استراتيجية عمل واقعية تواجه بها القوى المضادة للثورة وتبني تكتلا سياسيا يكون مخاطبا كفؤا للأمم المتحدة ولكل من يريد مساعدة ليبيا في الخروج من محنتها.

كما على هذا التكتل أن ينفتح بقوة على الداخل الليبي وعلى كل القوى الدولية التي لها علاقة بالملف الليبي سواء بالسلب أو الإيجاب.
***

المهدي ثابت ـ باحث في الشأن الليبي

_____________