Minbar Libya

بقلم خليفة على الحداد

دأبت وسائل الإعلام على تغطية مآسي المهاجرين السريين الأفارقة انطلاقا من السواحل الشمالية الغربية في ليبيا، دون البحث في خلفيات الرحلة الطويلة التي تنطلق من حدود دول الجوار مع الجنوب الليبي، حيث يوفر غياب الدولة وانفلات الأمن وسطوة القبلية ومعطيات الجغرافيا بيئة خصبة لصراع مرير تتداخل فيه العوامل المحلية والخارجية.

ورغم خطورة تداعيات ما يجري في الجنوب على مستقبل البلاد، وحتى على وحدتها وتوازنها الاثني والاجتماعي، فإن الأحداث، هناك، تمر دون أن تلقى اهتماما يذكر من أصحاب الشأن.

***

في فصل جديد من فصول المشهد الليبي المتخم بالتطورات، كان المتابعون، منذ أيام، على موعد مع شريط فيديو بثته قناة “سي إن إن” الأمريكية يظهر ما قيل أنه مزاد لبيع المهاجرين الأفارقة عبيدا، في إحدى المناطق القريبة من العاصمة طرابلس، لتنطلق، إثره، النداءات المنذرة بأن حال الفلتان المتفاقمة التي تعيشها البلاد، منذ ست سنوات، وصلت حدا ينذر بعواقب وخيمة يصعب اجتنابها دون جهد إقليمي ودولي جاد.

وبغض النظر عن صحة الواقعة من عدمها، فإن ما تطرحه مشكلة الهجرة السرية في ليبيا من تحديات وتداعيات تبدو، في عمقها، أخطر، كثيرا، مما تورده وسائل الإعلام من تقارير إخبارية وصور عن أدفاق المهاجرين وحوادث الغرق والترتيبات الأمنية التي توصي بها الاجتماعات المتكررة لدول حوض المتوسط.

الصورة هنا، والمشكل هناك

دأبت وسائل الإعلام، في تغطيتها أخبار المهاجرين السريين العابرين من ليبيا، على تركيز اهتمامها على الشريط الساحلي، وخاصة الجهة الغربية منه.

فأغلب المهاجرين السريين يتخذون من موانئ زوارة وصبراتة والزاوية وطرابلس منطلقا لامتطاء الزوارق للابحار نحو الضفة الشمالية للمتوسط.

وفي هذه المدن، تنشط العصابات التي تتولى مهمة تجميع المهاجرين ونقلهم إلى الضفة الشمالية للمتوسط في ظروف تفتقد لأدنى شروط الكرامة الإنسانية.

وفي هذه المدن، وخاصة في العاصمة طرابلس، تتركز معظم مراكز إيواء المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل أو نجوا من حوادث الغرق

قلما تقتفي وسائل الإعلام آثار المهاجرين السريين منذ انطلاقهم من دول المنبع الافريقية إلى حين وصولهم إلى السواحل الغربية الليبية، كما يندر تسليط الضوء على الجزء الخلفي من الصورة، للبحث عن الثغرات المفتوحة في مواقع أخرى من الجغرافيا الليبية، ما سمح للظاهرة بالتفاقم وصولا إلى نتائج جيوسياسية معقدة، ومآلات إنسانية صادمة، آخرها مزادات بيع العبيد.

فوصول المهاجر إلى السواحل الشمالية الغربية يعد المرحلة الأخيرة من رحلة الهجرة على الأرض الليبية، فيما يكون قد قطع، قبلها، مسافات طويلة منذ اجتياز الحدود.

إذا استثنينا المهاجرين القادمين من تونس، وبنسبة أقل من الجزائر، وهم في كل الأحوال يمثلون نسبة ضئيلة من مجموع المهاجرين المنطلقين من السواحل الليبية، فإن الأدفاق الكبرى تدخل، أساسا، من النيجر وتشاد والسودان، وتضم، زيادة على حاملي جنسيات الدول الثلاثة، مهاجرين آخرين من جوارها كنيجريا ومالي والكاميرون وبوركينا فاسو.

وأيّا تكن دولة المنبع، فإن المنطقة الجنوبية من ليبيا تظل المجال الذي على المهاجر أن يعبره للوصول إلى موانئ الهجرة بالسواحل الشمالية الغربية. وحال وُلوجه المنطقة الجنوبية الليبية، يجد المهاجر نفسه، في مواجهة معادلة جغرافية وأمنية واجتماعية معقدة، تمثل عاملا مساعدا على تفاقم الظاهرة والاستثمار فيها وبيئة حاضنة لكل ألوان التجاوزات والانتهاكات.

مجال جغرافي غني بالثروات، وكثافة سكانية ضعيفة

تحتل الصحراء الجزء الأكبر من مساحة ليبيا، وتعد المنطقة الجنوبية منها مجالا جغرافيا صحراويا خالصا، لا تقطع سمته التضاريسية الغالبة سوى الجبال والأودية، وبعض الواحات محدودة المساحة قياسا إلى المساحة المترامية للمنطقة.

ورغم صعوبة الوقوف على حدود إدارية واضحة للمنطقة الجنوبية، فإن اعتماد المعطى التضاريسي والمشترك التاريخي والاجتماعي – القبلي مقياسا، يمكن أن يضم في نطاقها مناطق غات، والشاطي، وسبها، وما بعد الجفرة جنوبا، والكفرة (التي تعد، تاريخيا، جزءا من إقليم برقة)، وما بين هذه المناطق والحدود النيجرية والتشادية والسودانية.

وعموما، تحتل المنطقة الجنوبية، بجزئيها الشرقي والغربي، أكثر من ثلث مساحة ليبيا. تتناثر بالمنطقة الجنوبية بلدات ومدن صغيرة، قياسا إلى مدن المنطقتين الشرقية والغربية، أكبرها مدينة سبها التي تعد العاصمة التاريخية لإقليم فزان، وتفصل بينها مسافات طويلة وخالية من مظاهر الحياة والتمدن، مع استثناءات قليلة.

وتغلب على مدن وبلدات المنطقة الجنوبية التركيبة السكانية القبلية والعشائرية (التبو، الطوارق، أولاد سليمان، القذاذفة، أولاد سهل، ورفلة، أولاد بوسيف، المقارحة، الزوية، الأواجلة، …). وتعد الكثافة السكانية بالمنطقة الأضعف في ليبيا، حيث لا تزيد نسبة سكانها، كثيرا، عن عشر المجموع العام لسكان البلاد، حسب الإحصاءات الرسمية.

وتزخر المنطقة بالثروات، وتتركز فيها معظم آبار النفط ومنابع المياه التي تتزود منها المناطق الأخرى، بما فيها العاصمة طرابلس، كما يحتوي باطنها على ثروات معدنية لم يشرع في استثمارها بعد.

مشهد أمني منفلت ومعقّد

مثل اتساع المجال الجغرافي و غلبة التضاريس الصحراوية وضعف الكثافة السكانية وتعقد التركيبة القبلية عوامل متداخلة ومتضامنة لخلق وضع أمني وسياسي منفلت، في السنوات الأخيرة، ساهمت في تفاقم الظواهر المهددة للاستقرار، بينها الهجرة السرية من بلدان الجوار والاتجار بالبشر والحرابة والخطف.

تمتد حدود المنطقة الجنوبية من ليبيا مع دول الجوار الافريقية على مسافات طويلة جدا. وتفتقر الحدود، حاليا، إلى أي منافذ رسمية ومراقبة. ورغم أن بعض الكتائب المحلية تسيّر دوريات، بين الحين والآخر، لمراقبة الحدود، كما هو الحال في الكفرة، إلا أن ذلك لا يتعدى العمل المناسباتي وردود الأفعال، ولا يرقى إلى مرتبة العمل الأمني المنظم والهادف، إضافة إلى أن هذه الكتائب، نفسها، ذات الولاء القبلي، في أغلبها، تعد طرفا منخرطا من الصراع الدائر في أكثر من مدينة.

إلى جانب ذلك، تعدّ التركيبة القبلية الممتدة على طرفي الحدود عاملا آخر يفاقم الحركة غير المراقبة، ويؤشر إلى مخاطر أكبر يمكن أن تصل إلى المس من توازن التركيبة الاثنية، التي بدأت تهتز، فعلا، في أكثر من مدينة، وهو معطى بالغ الحساسية في وسط محافظ، اجتماعيا، تتقدم فيه أواصر القربى على ما عداها.

فقبائل، مثل التبو والطوارق، تتوزع امتداداتها الاجتماعية على أكثر من بلد افريقي، بينها ليبيا، ما يجعل حركتها على الحدود، في وضع غير مراقب، حركة بين جزئي القبيلة وليست انتقالا بين دولتين.

وقد شهدت المنطقة أولى عمليات المس من تركيبتها السكانية التاريخية عندما عمد نظام القذافي إلى منح الجنسية لمواطنين من القبائل المتاخمة للحدود، واعتبرت البادرة، حينها، مسعى لتوسيع الحاضنة التي تدين إليه بالولاء.

أما داخل المدن، فتحتدم، بين حين وآخر، النزاعات ذات الخلفية القبلية، مخلفة أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وأعمال تهجير على الهوية. وتشهد مدينة سبها، عاصمة المنطقة الجنوبية، جولات متكررة من المعارك الدامية بين قبيلتي القذاذفة وأولاد سليمان، تنتهي بتوقيع تفاهمات، برعاية قبائل أخرى، غير أنها تتجدد، في كل مرة، بوتيرة أعنف.

كما شهدت المدينة، نفسها، معارك ضارية بين التبو وأولاد سليمان، قبل أن تتوقف إثر توقيع اتفاق مصالحة بينهما، في روما، برعاية إيطالية، شهر مارس الماضي.

أما في مدينة أوباري، الواقعة في وادي الحياة بالجزء الغربي من المنطقة الجنوبية، فقد أدى النزاع بين قبيلتي التبو والطوارق إلى تهجير مئات العائلات. وعموما، لا تكاد تخلو أي مدينة متعددة القبائل من التقاتل والتنازع، ما فاقم حالة الفلتان الأمني وعمّق الشرخ الاجتماعي.

ورغم أن الاقتتال الذي يدور، في كل مرة، بمدن المنطقة الجنوبية، يبدو، ظاهريا، لأسباب محلية ويشارك فيه مقاتلون وكتائب قبلية، إلا أن التشظي السياسي وانقسام مراكز السلطة الذي تشهده ليبيا لم يكن بمنأى عما يجري، حيث تتوزع ولاءات القبائل والمناطق والكتائب حسب المصالح وأواصر القربى وموازين القوى.

وكانت قاعدة براك الشاطي، التي تسيطر عليها كتائب يقودها القيادي في كتائب القذافي محمد بن نايل والموالي لحفتر، قد تعرضت، شهر ماي الماضي، لهجوم دام شنته “القوة الثالثة لتأمين الجنوب”، المتمركزة في قاعدة تمنهنت والمكونة من ثوار مصراتة والتابعة، نظريا، لوزارة دفاع حكومة الوفاق، أدى إلى سقوط أكثر من 140 قتيلا.

واضطرت القوة الثالثة، إثر الحادثة، للانسحاب من الجنوب تحت ضغط شيوخ القبائل المتعاطفين مع حفتر، غير أن انسحابها سبب فراغا أمنيا مضاعفا لم تتمكن الكتائب الموالية لحفتر من معالجته، ما اضطر بعض الأطراف القبلية للتراجع والطلب من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج إنشاء منطقة عسكرية جنوبية تابعة لحكومة الوفاق، فيما لم تنتظر الكتائب المحسوبة على ثوار سبها وقتا أطول، وخيرت الحسم العسكري مع قوات حفتر، منذ أيام، وسيطرت على كل تمركزاتها، واسترجعت جميع المؤسسات، بما فيها المطار .

من جهتها، ساعدت الجغرافيا الممتدة، مقابل الكثافة السكانية الضعيفة، في انتشار عصابات قطاع الطرق التي تمارس السلب والقتل والخطف على المسافرين بالطرقات الصحراوية الطويلة الرابطة بين مدن المنطقة الجنوبية، وبينها وبين المنطقتين الشرقية والغربية، حتى أضحى التنقل بين مدينة وأخرى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

ولم يستثن قطاع الطرق قوافل الشاحنات التي تنقل المحروقات من مصراتة إلى المنطقة الجنوبية، ما أدى إلى شح كبير في الإمدادات، غير أن الأعقد من ذلك يتمثل في لجوء مجموعات من تنظيم الدولة إلى الجبال والأودية الواقعة جنوب الجفرة، إثر سيطرة قوات “البنيان المرصوص” على معقلها السابق في سرت، حيث اتخذتها تحصينات لإقامة معسكرات ومنطلقا لشن هجمات على الطرق القريبة وممارسة السطو والحرابة.

وضع معيشي وخدمي صعب

انعكس الانفلات الأمني والإهمال السياسي، بحدة، على الأوضاع المعيشية والخدمية في المنطقة الجنوبية من ليبيا. وأدت المعارك المتكررة بين الفرقاء إلى إلحاق خراب كبير بالبنى التحتية والمؤسسات، كمحطات الكهرباء والمستشفيات والمدارس.

كما دفعت المخاطر الأمنية الأطقم الطبية والتقنية الأجنبية إلى مغادرة المنطقة خوفا من تعرضها للقتل والاختطاف، كان آخرها المهندسون الأتراك المشرفون على بناء محطة كهرباء أوباري التي كان أهالي المنطقة الجنوبية يعوّلون عليها لحل مشكلة انقطاع الكهرباء الذي يتواصل أغلب ساعات اليوم.

كما أدّت مخاطر الطريق وتوقف أغلب المطارات عن العمل إلى شح كبير في المواد التموينية والأدوية والمحروقات. وارتفعت الأسعار أضعاف مثيلاتها في مدن المنطقة الغربية. فيما توقفت أغلب الفروع المصرفية عن العمل، واقتصر فتح ما بقي منها على يوم أو يومين في الأسبوع، بسبب شح السيولة الواردة من المصرف المركزي والهجمات المتكررة التي تعرضت لها مقراتها من عصابات السطو.

وفي نفس السياق، يعاني أغلب المزارعين صعوبات متفاقمة أدت إلى هبوط مؤشرات الانتاج جراء انعدام الأمن وارتفاع أسعار البذور والأدوية والنقص الحاد في اليد العاملة الأجنبية.

 خاتمة

وسط حالة الفوضى متعددة الأوجه التي تجتاح المنطقة الجنوبية من ليبيا، منذ سنوات، وفي ظل الغياب الكامل لمؤسسات الدولة الأمنية والخدمية، وبفضل عوامل الجغرافيا والجوار، تنتعش كل الممارسات غير الشرعية، وعلى رأسها الهجرة السرية والاتجار بالبشر والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، بعيدا عن الرقابة وعن كاميرات الصحفيين الذين خيروا التعاطي مع الرحلة القاسية في نهاياتها بموانئ التهريب ومراكز التجميع على السواحل الشمالية الشرقية.

وفي خضم هذا التناسي والإهمال، يبدو الجنوب الليبي مقبلا على أحداث أكثر جسامة وتعقيدا، قد ترقى إلى إحداث تغييرات ديمغرافية واثنية عميقة تؤدي، لاحقا، إلى تغييرات في خريطة ليبيا، نفسها.

وفي الوقت، ذاته، قد يمهد ما يجري لتدخل إقليمي ودولي معلن وصريح، بعد أن ظل، حتى الآن، مقتصرا على تحريك الخيوط المحلية، ودعم هذا الطرف أو ذاك، وتنفيذ عمليات عسكرية خاصة.

 ___________