Minbar Libya

بقلم أحمد الخميسي

اختار المواطن محمد صالح التباوي العمل في تهريب الأفارقة إلى أوروبا عبر الحدود المتاخمة مع دولتين أفريقيتين، عبر مدينة مرزق التي تبعد نحو 1100 كيلومتر جنوب طرابلس.

ترك التباوي وظيفته الحكومية في أحد المشاريع الزراعية، منذ ثلاث سنوات، بعد توقفها، واتجه إلى مجال تهريب البشر، لمواجهة غلاء المعيشة، وفقاً لحديثه مع العربي الجديد“.

وقال تباوي إنه يعمل في تهريب الأفارقة بشكل منتظم، ويحصل يومياً من عمله الجديد على متوسط أجر يصل إلى 350 دينارا (250 دولارا) يومياً، مشيراً إلى أن العملية ليست سهلة، بسبب وجود مليشيات تأخذ إتاوات مالية للعبور، وفي حالة عدم وجود أموال كافية مع الأفريقي الراغب في الهجرة يتم بيعه أحيانا أو العمل بدون أجر في المراعي أو أي مهنة أخرى.

وأوضح تباوي أن هناك مجموعات تعمل معه، وكلهم يقدمون رشى لمرور العمالة غير الشرعية، مؤكداً أن وظيفته هي التوصيل فقط.

وحسب دراسة حديثة لمركز أوياللبحوث الاستراتيجية (مستقل)، فإن أكثر من 1.5 مليون أفريقي دخلوا ليبيا، خلال الثلاث سنوات الأخيرة، عبر الحدود المفتوحة، ولا سيما أن الأحكام الصادرة عن المحاكم في مثل هذه القضايا غير رادعة ولا تتعدى الحبس لمدة ثلاثة أشهر، مع إيقاف العقوبة في أغلب الأحيان.

ووفق تقديرات غير رسمية، تبلغ أرباح التجارة من تهريب الأفارقة، خلال 3 سنوات، نحو 2.25 مليار دولار.
والتقت العربي الجديدمع أحد قادة المليشيات الموجودة، الذي قال إنه يجني أموالا كثيرة من الهجرة غير الشرعية، ولا يقوم بإيداعها في المصارف التجارية.

وأكد المسلح، الذي رفض ذكر اسمه، أن عدم الاستقرار الأمني ساهم في إنعاش هذه التجارة، ولاسيما بعد انخفاض قيمة الدينار أمام الدولار في السوق السوداء، مشيراً إلى أنه يعمل في تهريب الأفارقة فقط وليس بيعهم.

مهند جمعة، من جنوب السودان، سلك طريق المهاجرين من بلاده إلى تشاد ثم إلى ليبيا، عبر التنسيق مع مجموعة تشتغل في التهريب بمبلغ يتعدى 1500 دولار، قال لـ العربي الجديدوصلت إلى الحدود التشادية مع ليبيا، ومن ثمة دفعت مبلغا ماليا لإحدى المجموعات من أجل الوصول إلى مدينة مرزق، مشيراً إلى بقائه في سبها لمدة شهر استعدادا لتهريبه.

وعلق رئيس لجنة الأعيان والشورى في منطقة أوباري، أحمد ماتاكوا، على هذه التجارة غير المشروعة، قائلاً لـ العربي الجديد، إن هناك عمليات تهريب للأفارقة في الجنوب الليبي، لأن جل السكان في المنطقة من ذوي البشرة السمراء، مؤكدا عدم وجود سوق للرقيق هناك.

وأشار إلى أن العاملين في هذا المجال يحصلون على أرباح طائلة، في ظل غياب الرقابة وضعف القبضة الأمنية في هذه المناطق.

وعلق أستاذ الاقتصاد في الجامعات الليبية، أحمد أبولسين، على هذه الظاهرة قائلاً، لـ العربي الجديد، إن نشأة ما يسمى باقتصادات الحدود السائلة هو نمط من أنماط اقتصادات الحرب التي تتمحور حول تجارة البشر (الهجرة غير شرعية) والسلاح والمخدرات والنفايات.

وحسب أبولسين، فإن هذا النمط من التجارة يرتبط بمافيا عالمية، وهو من أصعب أنواع الاقتصاد الخفي التي لا يمكن القضاء عليها. وأشار إلى أن حجم تلك التجارة غير معروف بسبب الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد، بالإضافة إلى تنامي الاقتصاد الموازي والذي يشكل حالياً 80%.

ويعقّب مسؤول أمني في المنطقة الجنوبية، علي الحسناوي، لـ العربي الجديد، أن عدم وجود رادع قانوني ساهم في انتشار تجارة التهريب، مع تردي الأوضاع المعيشية في البلاد، أنعش هذه التجارة، مشيراً إلى أن عملية استغلال الأفارقة للعمل في المراعي أو الزراعة من دون منحهم حقوقهم المادية سببه غياب الدولة ومؤسساتها.
ومن جانبه، يرى المستشار الإعلامي في جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، ميلاد الساعدي، أن المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا هم في نظر القانون ارتكبوا مخالفة، بوجودهم على الأراضي الليبية بشكل غير قانوني، مضيفاً أن المهاجرين يدفعون أموالاً طائلة لسماسرة الحروب للعبور من الجنوب الليبي إلى الشمال ثم تهريبهم نحو أوروبا.

وأفادت وزارة الداخلية الإيطالية، أخيرا، بتراجع أعداد المهاجرين القادمين إلى أراضيها انطلاقًا من سواحل ليبيا، خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بمعدل 65.31%، موضحة أن أعداد هؤلاء المهاجرين تقلصت من 13581 إلى 4711 شخصًا.

وتشير البيانات الرسمية إلى أنَّ الفترة من مطلع يوليو/تموز الماضي إلى 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي شهدت وصول 28338 مهاجرًا من ليبيا.

وعكفت إيطاليا على التعاون مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، في هذا الملف، عبر تمويل وتدريب مستمر لعمليات التصدي للمهاجرين.

ومن أبرز العمليات التي أطلقت في عرض البحر الأبيض المتوسط على السواحل الليبية، كانت عملية صوفيا، في يونيو/حزيران 2015، تحت مسؤولية الاتحاد الأوروبي، لتتبع المراكب والآليات الأخرى التي يستخدمها المهربون، وتعطيل الأشكال التجارية لشبكات المهربين في المنطقة الجنوبية.

وتعيش ليبيا وضعاً اقتصادياً صعباً، بعد ارتفاع سعر العملة الأميركية في السوق الموازية إلى ما يقرب من 9.55 دنانير للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.4 دينار رسميا، مع شح السيولة في المصارف التجارية، وغلاء السلع والخدمات، إذ وصلت معدلات التضخم إلى 30%، حسب إحصائيات رسمية.

وساهم تراجع الاحتياطيات من النقد الأجنبي وانتشار الفساد وتهريب العملة في تفاقم الأزمات المعيشية للمواطنين، في ظل استمرار الانقسامات وانعكاسها سلباً على مؤسسات الدولة.

___________