Minbar Libya

بقلم عبد الفتاح الشلوي

أطاحت ناقلة النفط “مورنيق غلوري” برئيس الحكومة “علي زيدان” الرجل القوي الذي تحصن خلف مناصريه بقاعة المؤتمر، وظل يواجه عواصف المحيط السياسي بكل عناد واستماتة.

أزعم أن ناقلة النفط المُهرب جاءت في وقت أزمة كبيرة، فكانت قسطرة سياسية ناجعة، وكأنها هبطت من السماء لترفع الحرج عن “المؤتمر الوطني”، الذي عجز عن استدعاء رئيس حكومته في جلسة استماع وليس بجلسة استجواب، فقد بلغ به أن تحدى رئاسة المؤتمر الوطني وأعضائه في عقر دارهم بأن يتحصلوا على 120 صوتًا ليقيلوه، ورفض الإجابة عن سؤال أحد الأعضاء حول علاقته بِـ”برلند ليفني”

كانت جلسة عاصفة وحاسمة في ذلك اليوم، فالنفط عصب الاقتصاد الريعي الوحيد للبلاد يتم تسويقه خارج سلطة الدولة، بعد أن أقفلت موانئه بحجة تصديره بدون عدادات، ضعُف أنصار زيدان في ذلك اليوم أمام ضغط الشارع وعلو الأصوات المطالبة بإقالته داخل قاعة الجلسة، وكان زيدان قد أكد لرئيس المؤتمر الوطني أن الناقلة” مورنيق غلوري” تحت السيطرة، وأنها لن تغادر الميناء مطلقًا.

جاءت مكالمة لرئيس المؤتمر ونحن بالجلسة، عرفنا من خلالها أن الناقلة قد غادرت بالفعل وان زوارق غير مجهزة لبعض الثوار المتحمسين تلاحقها بعرض البحر، وأراد أحد الطيارين القيام بمحاولة تلقائية لإجبار الناقلة علي العودة وفيم لو رفضت فسيقصفها، غير أن حسابات أخرى أثنته عن تلك المحاولة.

نزل خبر المغادرة على قاعة المجتمعين كالصاعقة، وقدح لاءاتٍ ولاءات حتى من بعض أنصار زيدان، وللحقيقة فإن بعضهم قد حركته مشاعر كانت خاملة، وآخرين زلزلتهم هتافات المتظاهرين أمام مقر اجتماعنا بفندق المهاري حول الموضوع.

كنا نسمعهم يهتفون بسقوط بعض الأعضاء ويذكرونهم بالاسم، ويصفونهم بالخيانة، نراهم عبر الألواح الزجاجية للفندق، وكنت أخشى تطور الأمر لما هو أبعد من ذلك.

رغم تلك الأجواء المشحونة والمخاوف التي تنتظرنا إلا أن بعض الأعضاء حاولوا الابتزاز بتلك الجلسة، وأرادوا أن يستثمروا حاجتها لعدد 120 عضوًا لإقالة رئيس الحكومة، فهناك من اشترط تعديلات لصالح المكونات الثقافية، وهناك من طالب بمنح الثقة لرئيس الحكومة القادم بأغلبية 120 صوتًا بدل النصف زائد واحد، وبعض المطالب الأخرى، وقد أفلحوا، قبيل شروعنا بالتصويت وإذا بأحد الأعضاء — من مناصري زيدان — أدلف داخل القاعة واستحوذ على الكلمة تمامًا كما يشبه وضع التسلل بكرة القدم، وطلب منا تأجل التصويت لنصف ساعة حتى يقدم الرئيس استقالته لتفادي موضوع الإقالة، لكن “التسونامي السياسي ” حينها كاد أن يطيح بذلك العضو، وتلقى ردودًا قاسية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وتمت إقالة الرئيس، الذي غادر الوطن يومها بعد أن حلف له عضوٌ بسرعة المغادرة كما قال .

لكن ماذا بعد؟ علينا أن نبحث عن رئيس لحكومة تصريف الأعمال، لِمَ لا يكون وزير الدفاع “عبد الله الثني”؟ الرجل الذي جاء للوزارة من خلال تزكيته من بعض الأعضاء، ووصفه بالقوي الأمين، فكان ذلك في نفس اليوم وفيه أدى اليمين القانوني.

جاءت حادثة اختطاف ابن الثني مربكة للمشهد السياسي، وازداد الوضع سوءًا، خلال أيامٍ معدودات اتصل “عبد الله الثني” بالنائب الثاني لرئيس المؤتمر الوطني صالح المخزوم، وترجاه أن يبادروا بقبول استقالته التي تقدم بها لرئاسة المؤتمر، كنت أتابع مجريات المكالمة بينهما، وكان الثني مِلحاحًا على قبولها، في الوقت الذي كان فيه المؤتمر يسعى لإيجاد مرشح يتفق عليه طيف أعضاء المؤتمر الوطني وهو أمر ليس بالسهل.

وبعد عناء ومخاض تم انتخاب “أحمد معيتيق” رئيسًا للوزراء في جلسة شابها شيء من اللغط والشكوك بصحة إجراءاتها، وبتاريخ (يوم الأحد. 25 مايو. 2014م) نال “معيتيق” الثقة بجلسة عقدت بقصر ولي العهد، أعلن يومها أن المجتمعين هدف لكتائب ترفض نتيجة الإنتخاب، وسبقتها رسائل تهديد على هواتف البعض منهم، غير أنه تمت حماية المكان بشكل جيد، وقد خِلْتُ يومها شارع الشط بالعاصمة طرابلس أشبه ببرميل بارود.

رشحت أنباء عن عزم “عبد الله الثني” على عدم تسليم السلطة لِـ”أحمد معيتيق”، فأوفد إليه المؤتمر خمسة أعضاء لترتيب بعض الإجراءات وهم “موسى فرج.. طاهر مكني.. محمد المنفي.. محمد معزب.. وإبراهيم صهد..” تفاجأ المبعوثون برفضه تسليم السلطة، وطرح عليهم مبادرة حكومته للخروج من الأزمة، وظل متمسكًا بمنصبه بحجة حماية الحياة الساسية، واستند على انتظار حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا للنظر بالطعن المقدم، والتي قضت ببطلان انتخاب “أحمد معيتيق”.

أشير إلى أنه تقدم لخلافة “علي زيدان” تسعة مرشحين هم:

حسين المنصوري.. باسط قطيط..” وهذان لم يواصلا مشوارهما ووقفا عند عرض خطتهما لإدارة الدولة، وخاض غمار المنافسة: “عمر الحاسي.. جمعة فحيمة.. أحمد معيتيق.. محمد بوكر.. علي التريكي.. السنوسي السيفاط.. وبشير الورفلي.”

غادر “زيدان” المشهد وعينه عليه، وما زال “عبد الله الثني” يترأس حكومة وصفت بالمؤقته مستفيدًا من تناقضات وشتات مجلس النواب، ولعله استفاد من هذا الوضع بالفعل وأصبح صاحب قرار دون مال إلا ما استدان.

وبين سلطة العسكر الموازية، أو سلطة الظل كما يسمّيها البعض، أصبح في صراع مع مجلس رئاسي يحظى بتأييد العالم من خلال الإتفاق السياسي، رآه يقضم مملكته ويتوسع فيها، فلجأ لتجريم كل من يتصل بحكومة “فائز السراج”، أو يتعامل معها من تابعيه، وهي تقدم بعض الخدمات التي عجز عنها عبد الله الثني، فأمر بوقف عميد بلدية طبرق عن العمل وإحالته للتحقيق، ما جعل وزير خارجية السراج يستهجن هذا القرار ويصدح بصفة عميد البلدية أمام حدوة فرس مجلس الأمن.

***

عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

_________