Minbar Libya

بقلم د. حسين سالم مرجين

قامت القناة الامريكية CNN بعرض مشاهد قيل إنها مشاهد لبيع مهاجرين أفارقة في ليبيا، وبرزت بعدها مباشرة بعض الكتابات التي حاولت التأكيد على وجود تلك الممارسات اللإنسانية في المجتمع الليبي،

كما بدأت أيضًا معها ردات الفعل الدولية ذات الطابع السريع، وبشكل خاص من بعض الدول الإفريقية، حيث قامت بعض الدول باستدعاء سفرائها من طرابلس، في حين قامت دول أخرى باستدعاء السفراء الليبيين الموجودين في أراضيها ،وطلبت منهم توضيحات حول ما تم عرضه من مشاهد.

وجاءت الحوصلة من خلال الفعل الأممي، حيث عقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة بشأن تلك المشاهد، في الحقيقة قبل نفي أو تأكيد تلك المشاهد، أرجو من القارئ أن يمعن النظر جيداً في بعض المقدمات التي سيتم طرحها في هذه المقالة لعلها تكشف لنا حقيقة تلك المشاهد، والمقدمات هي :

بادئ ذي بدء ينبغي أن نعلم أن جزءاً من اﻟﻤﺠتمع الليبي من ذوي البشرة السوداء، بالتالي لا توجد أية نظرة دونية للأفارقة، حيث إنه في بعض الأحيان يصعب التمييز بين الليبي والإفريقي من نفس البشرة، ولعل هذا الحديث يدفعنا إلى شاهدة أمريكية اسمها ” إغنيس نيوتن كيث” مؤلفة كتاب ” أبناء الله”، حيث عاشت هذه المؤلفة في ليبيا خلال الفترة 1955- 1965م، فهل تعرفون من هم أبناء الله؟ إنهم الليبيون.

شاهدت هذه الكاتبة الممارسات الحقيقة لليبيين وأصبغت عليهم عقيدتها الدينية فكانوا من وجهة نظرها أبناء الله، وذلك لما رأت من ممارسات ترتقي إلى أن تكون غير طبيعية للبشر من حيث المحبة والحنان والألفة والتواضع، ومن القصص التي ذكرتها هذه المؤلفة، وهي عندما كانت تشاهد العرض العسكري في احتفال عيد الاستقلال في بنغازي، حيث ركزت على وجوه الجنود الليبيين ثم كتبت” لم أشاهد في حياتي هذا الطيف من ألوان البشرة المختلفة”، “هناك كل لون من الأبيض إلى القمحي إلى البني إلى الأسود، وبعضهم بعيون زرقاء “، ومعني هذا ببساطة شديدة بأن ليبيا لا تعاني من مسألة التمييز العنصري.

استخدم النظام السياسي السابق مسألة المهاجرين الأفارقة ورقة ضغط على أوروبا لتنفيذ بعض المطالب والاستحقاقات، حيث كان النظام السابق يغض الطرف أحيانا عن بعض نقاط العبور الموجودة بالشواطئ الليبية إلى أوروبا.

بعد سقوط النظام السياسي السابق حدث اختلال جوهري، حيث أصبحت مسألة نقل المهاجرين إلى أوروبا مهنة تكتسب منها بعض المليشيات في بعض المدن الساحلية، كما أن أعمالها أصبحت مكشوفة، ولم تعد خافية على أحد، فنجد مثلا : أن السطات الإيطالية تعاملت مع إحدى تلك المليشيات؛ بغية معرفة أنشطة ونقاط العبور المنتشرة على الشواطئ الليبية الغربية، حيث كان هاجسها الأمني هو الدافع في التعامل مع تلك المليشيات، إضافة إلى تأمين استمرار تدفق الغاز من مصفاة مليته ، ولعل أحداث مدينة صبراتة بينت مدى حجم ما تمارسه تلك المليشيات من أعمال وأنشطة فيما يتعلق بالهجرة إلى أوروبا.

لم تكن عمليات نقل المهاجرين سواء من الصحراء أم من البحر بالعمليات السهلة، أو أنها يمكن أن تتم دون حدوث مشاكل، إنما كانت دوما محفوفة المخاطر، إلا أن كل ذلك لم يدفع البلدان الافريقية إلى اتخاذ إجراءات حثيثة للحد من عمليات الهجرة .

بالرغم من دخول ليبيا في حرب أهلية بعد سنة 2014م ، إلا أنه لم تسجل حالات بيع أو قتل للمهاجرين، باستثناء ما يتعرض له المهاجرون في البحر أثناء توجههم إلى أوروبا.

منذ أواخر سنة 2014م تفتقد كل البنوك الليبية إلى وجود السيولة المالية، بالتالي أصبحت مسألة توفير السيولة هاجس يؤرق جل الأسر الليبية، وذلك بغية تلبية وتوفير الاحتياجات اليومية، وبالتالي لم يعد للكماليات مكان في تلك الاحتياجات الأساسية، مع ازدياد الطوابير أمام البنوك، إضافة إلى اشتراط سقف مالي محدد لكل شهر.

بالرغم من عدم وجود مؤسسات دولة قوية في ليبيا، إلا أن العمالة الإفريقية بشكل خاص لا تزال تعمل في السوق الليبي، وتتحصل على استحقاقاتها المالية دون أية مشاكل تذكر.

هناك اتفاق مجتمعي عام في ليبيا على رفض أي مشروع لاستيطان المهاجرين في الأرضي الليبية، وهذا ما جعل جل الحكومات الليبية “الضعيفة” ترفض أية مشاريع بشأن استقرار المهاجرين في ليبيا، كما أن تلك المشاريع بالرغم من رفضها إلا إن الدول الأوروبية على وجه الخصوص لا تفتأ أن تسوقها وبشكل مستمر.

لا يزال هناك تدفق كبير للمهاجرين الأفارقة إلى ليبيا، وهذا ربما يدل إلى كون ليبيا لا تزال تشكل بالنسبة لهم بيئة جاذبة للهجرة إلى أوروبا.

كما أن تسارع وثيرة الأحداث بشأن مشاهد قناة CNN، يدفعنا إلى طرح بعض الاستفسارات، أهمها :

ما تفسير الأعداد الهائلة من المهاجرين الذين يلجؤون إلى ليبيا؛ بغية العبور إلى أوروبا؛ بالرغم من حالات البيع المزعومة في ليبيا !.

بالرغم من دخول ليبيا في مرحلة الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي بعد سنة 2014م؛ إلا أن ذلك التدفق من المهاجرين وخاصة الأفارقة لم ينقطع عن ليبيا!

بالرغم من انتشار السلاح والمليشيات في كل أنحاء ليبيا، إلا أننا لم نسمع أو نشاهد عن حوادث بيع أو قتل للمهاجرين الأفارقة!

لماذا يتم عرض هذه المشاهد الآن ؟

كما أننا في حال طرح افتراضية صحة تلك المشاهد فهذا يعني وجود تجار يقومون باستجلاب الأفارقة من بلدانهم إلى ليبيا، بالتالي أليس من العدل المطالبة بمحاسبة تلك البلدان وأولئك التجار ؟

لماذا يعقد مجلس الأمن جلسة خاصة بشأن مشاهد لم يتم التحقق منها، وفي النفس الوقت لا يعقد بشأن مشاهد حقيقة تحدث في فلسطين واليمن وسوريا وأفغانستان ؟

كما أن كل ذلك يدفعنا إلى طرح سؤال وهو : ماذا يُخطط لليبيا من جديد؟

إن توقيت عرض تلك المشاهد لم يكن إذن مصادفة عابرة، كما أنه من الوهم أن نعتقد بأن سرعة التفاعل والتعاطي الدولي مع تلك المشاهد متأتٍ من حماية حقوق الإنسان.

كما أن عرض تلك المشاهد في هذا التوقيت، إضافة إلى سرعة التعاطي الدولي والأوروبي على وجه الخصوص، يجعلنا نسارع إلى القول بأنه بداية لسيناريو قديم يحاك بمشاهد جديدة ضد ليبيا، كنتيجة حتمية لافتقاد وجود مؤسسات دولة قوية، ولعل الأيام والحوادث القادمة سوف تضع تلك المشاهد أمام امتحان الحقيقي، وساعتها ستكون المواقف الدولية بمنأى عن المشاهد والظنون.

__________