Minbar Libya

إعداد المفكرة القانونية

من الأدوار الرئيسية التي يجب أن تضطلع بها الدولة المدنية هو توفير مناخ إيجابي للفكر والإبداع يُسمح فيه للمبدعين بإطلاق العنان لإبداعهم وتوفر لهم مساحة كافية لإصدارتهم، وذلك عبر توفير الحماية لهم ولأعمالهم وتخصيص جزء من ميزانيتها لدعم الطباعة والإصدار والنشر وأيضا لدعم المبدعين.

وسنسعى في هذا المقال إلى رصد أعمال القمع لهذه الحرية في فترة حكم القذافي لنتناول من ثم مآل هذه الحرية في فترة ما بعد سقوط هذا الحكم.

***

حرية التعبير بعد ثورة فبراير؟

بعد الثورة في 17 فبراير 2011، وارتفاع سقف المطالب الحقوقية، تفاءل الجميع بحدوث تغييرات حقيقية في دعم حرية التعبير والفكر والإبداع وتطوير أداوتها. وكان لهذا التفاؤل مبرراته نظرا للحالة العامة في تلك الفترة، ومناخ التغيير ورغبة الناس في مقاطعة الماضي ورفع التسلط والاستبداد الذي فرضه النظام السابق.

وكانت التباشير الأولى مطمئنة، أولها قيام وزارة الثقافة في ذلك الوقت، بالسماح بإصدار الصحف والمجلات دون قيود، وأيضا إلغاء إدارة رقابة المطبوعات ليفتح المجال واسعا لطباعة الكتب وإصدارها برقم إيداع فقط من المكتبة الوطنية.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فكان صدور الإعلان الدستوري المؤقت، الذي أعطى هذه الحرية ضمانة دستورية وحصانة قانونية. وهذا ما نقرؤه في نص المادة 14 حيث جاء: “تضمن الدولة حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي، وحرية البحث العلمي، وحرية الاتصال وحرية الصحافة ووسائل الإعلام والطباعة والنشر“.

وبالفعل، ففي عامي 2011 و2012، طُبع العديد من الكتب والروايات دون تقييد. واستوردت المكتبات العناوين التي كانت ممنوعة في الماضي وانتشرت الصحف والجرائد بشكل كبير.

إلا أن هذا الزخم لم يستمر وبدأ في الانحسار وظهرت على السطح عوائق عدة لحرية التعبير والإبداع تسببت بها مؤسسة عامة حينا وأحيانا مجموعة عسكرية أو دينية من خارج تنظيمات الدولة، وخصوصا في ظل ضعف الدولة وعدم قدرتها على حماية مواطنيها.

وبإمكاننا القول عند الإمعان في أحداث ما بعد 2012 أن لكل عهد مقص رقابة خاص به تختلف توجهاته وأيدولوجيته وخلفياته الثقافية والسياسية، لكنه يظل قيدا ثقيلا على حرية النشر والطباعة.

ومن أكثر الحالات دلالة على هذه الفترة، العقبات التي تعرض لها كتاب (شمس على نوافذ مغلقة) وما صحبه من أحداث وردود أفعال جعلته يتصدر المشهد الثقافي في ليبيا بل يتعدى ذلك ليصبح قضية رأي عام تناقش في البرامج التلفزيونية وصفحات التواصل الاجتماعي.

شمس على نوافذ مغلقة

بدأت القصة عندما قام الشاعر خالد مطاوع والقاصة ليلى المغربي بتجميع إبداعات 25 شاب وشابة الأدبية والفكرية والشعرية في كتاب واحد يبلغ عدد صفحاته 555 صفحة وهو ثمرة تعاون بين المجلس الثقافي البريطاني ودار دارف للنشر ومؤسسة آريتي للثقافة والفنون.

وفي أغسطس الماضي، أقيمت ثلاث حفلات للتوقيع على الكتاب وإشهاره في مدن الزاوية وطرابلس وبنغازي بحضور المحررين وبعض الكتاب وسط حفاوة وترحيب من الوسط الثقافي والأدبي الليبي. وقد حمل هذا الزخم الثقافي إشارات إيجابية بمحاولات العودة للحراك الثقافي والأدبي في بلد أنهكته الحرب والصراعات.

إلا أن الروح المتفائلة والفرحة بهذا الحراك لم تستمر طويلا. ففي يوم 28-8-2017، وفيما نشرت إحدى صفحات الفيس بوك مقتطفات منتقاة من قصة الشاب أحمد البخاري بعنوان (كاشان)، سارع البعض إلى اعتبارها منافية للفضيلة وقيم المجتمع.

وفي اليوم التالي مباشرة، هاجمت مجموعة مسلحة دار الحسن الفقيه باحثة عن محررة الكتاب ليلى المغربي وهاجمت أخرى البيت الثقافي بالزاوية لتبدأ حملة شرسة على الكتاب تتضمن اتهامات للكتاب ودعوات بسحبه ومعاقبة أصحابه.

وفيما كان المتوقع أن تتصدى الهيئة العامة للثقافة التابعة لحكومة الوفاق الوطني لهذه الحملة وتدافع عن الثقافة والمثقفين، إلا أنها أدارت ظهرها وتنصلت من واجبها وتخلت عن دورها عبر بيانها الصادر بتاريخ 29-8-2017 والذي اعتبرت فيه رواية (كاشان) نموذجًا سيئًا عن الثقافة والأدب في ليبيا يعمل على إفساد الحياة العامة والتعدي على القيم وينتهك الذوق العام.

والمثير للاستغراب أن هذا النص هو نفسه النص الذي كانت وزارة الثقافة منحته جائزة الترتيب الثاني للإبداع الشبابي في العام 2010 وسمحت للنص بالطباعة والنشر العام 2012 عن دار الرواد، وحضر وزير الثقافة في ذلك الوقت الحبيب ألأمين حفل توقيع الكتاب.

ولم تكتفِ هيئة الثقافة بذلك بل قامت بمصادرة الكتاب ومخاطبة دور النشر والمكتبات وتحملها مسؤوليتها القانونية في حال مخالفتها لقرار المصادرة .

تستمر الاحداث بالتطور ليتفاجأ الجميع بإغلاق دار حسن الفقيه من مجموعة مسلحة وهي إشارة حملت الكثير من الرسائل كون هذه الدار من أشهر الأماكن الثقافية في البلاد وتحمل رمزية لا تخفى على أحد.

وقد استمرت مؤسسات الدولة في التخلي عن دورها في حماية ودعم المبدعين. وتوالت بيانات الجهات الرسمية وكلها تحمل مضمونا واحدا وهو التنصل من الكتاب وإنكار أي علاقة به، مما يجعلنا نتساءل عن الدافع من وراء ذلك. هل هو الخوف أم القناعة؟ فهيئة إدارة المدن التاريخية أعلنت عن عدم مسؤوليتها مما حدث في الدار التابعة لها.

وقامت إدارة المطبوعات التابعة لوزارة الثقافة بإصدار بيان أكدت فيه انتفاء علاقاتها بالكتاب وطباعته. وبدأت تتسرب للانترنت مقاطع دينية لخطب ودروس دينية لبعض الدعاة السلفيين، تنتقد الكتاب وتحرض عليه وعلى من كتبه وتصفهم بالفجور والعلمانية.

ويشار إلى أن كتاب ومحرري الكتاب لم يُتركوا وحدهم في هذه الحملة. فقد تضامن معهم مجموعة من الأدباء والمثقفين والكتاب من مصر والمغرب وسوريا والأردن ولبنان وليبيا ودافعوا عن حرية التعبير والفكر والإبداع عبر بيان رسمي حمل توقيع حوالي 200 منهم اعتبروا فيه الهجوم غير مسبوق على الكتّاب والأدباء يعد شكلاً عنيفاً من أشكال الوصاية على الفكر والإبداع.

كما أصدرت منظمة القلم الدولي pen international” بيانا عبرت فيه عن قلقها إزاء سلامة الكتّاب والمحررين مشيرة لتلقيهم تهديدات بالقتل وإهانات واستُهدفاهم بخطاب كراهية، مما اضطر بعضهم للتخفي مع عائلاتهم خوفا على حياتهم وسلامتهم“.

وتوجه كاتب الرواية الجدلية، أحمد البخاري، باعتذار لكل الأصدقاء عبر صفحته في الفيس بوك الذين تعرضّوا لأي خوف أو ضغط بسببيوأبرز ما أورده قوله لم أكتب روايتي لكي أعطي دروسًا أخلاقية بل كتبتها لكي أنقل صورة المجتمع المشوّه، وأضع إصبعي على الدمّل“.

كما أضافالقصة درامية متصاعدة الأحداث تحكي عن الطبقة المتنفذة آنذاك بالسلطة والثروة وكيفية تعاملها مع الطبقات المسحوقة. ولهذا يكون من اللازم أن تقرأ كل العمل لأنه وحدة واحدة لكي تفهم الفكرة وليس كلمات متناثرة بلا معنى».

اعتداءات أخرى على حرية التعبير

ومن الأمثلة الأخرى ذات الدلالة، مصادرة شاحنة كُتب من قبل مديرية الأمن في مدينة المرج في بداية هذا العام في المنطقة الشرقية. وقد ادعت هذه الأخيرة أن الكتب المصادرة تدعو إلى التشيع والتنصر والتصوف واليهودية والإخوان المسلمين والعلمانية والإباحية والإلحاد.

ويظهر في الفيديو المنشور على صفحة مديرية الأمن رجل ملتحٍ يرتدي ملابس مدنية من مكتب الهيئة العامة للأوقاف ومعه طلبة العلم و المشايخ، يؤكد أن هؤلاء اتخذوا قرارًا بمصادرة الكتب لأنها تمثل غزوًا فكريًا.

أما في مارس الماضي، فوقعت حادثة مختلفة. فقد أقام بعض الطلبة والشباب احتفالية ساعة الأرض في جامعة العرب الطبية ببنغازي. وقد نتج عنها القبض على مصور الحفل واثنين من منظميه بحجة عدم الحصول على إذن مسبق من الجهات الأمنية والعسكرية، رغم السماح لهم بإقامتها من إدارة الجامعة.

ويبدو أن السبب الحقيقي للقبض عليهم هو اعتراض بعض المشايخ ورجال الدين على الحفل بدعوى الاختلاط وعزف الموسيقى والترويج للماسونية.

وقد حمّل الكاتب خليل الحاسي المسؤولية للحكومة المؤقتة نتيجة إصدار بيان من هيئة الأوقاف التابعة لها يدعو للتحريض على المحتفلين وهو مثقل بعبارات الكراهية والعنف والإرهاب والتكفير. وأكد الحاسي أن كتيبة التوحيد السلفية هي من قامت بالقبض على المنظمين.

وفي ذات السياق، أعلن (تجمع تاناروت للإبداع ) في بدابة شهر سبتمبر تعليق نشاطه حفاظًا على سلامة أعضائه بسبب تكرار حالات الاعتداء على مقر التجمع وأعضائه في مدينة بنغازي.

وقد ورد في بيان التجمع: “بات واضحًا بالنسبة لنا بعد إغلاق دار الفقيه حسن في طرابلس وهذه الهجمات التي يتعرض لها تجمع تاناروت، أن الثقافة في بلادنا تسير في اتجاه واحد، وأنها ليست قائمة على التواصل مع المجتمع، لأن المجتمع لا يقابلها في الاتجاه المقابل إلا برد فعل عنيف، وليس من قبيل الصدفة أن نجد هذه الحرب على الثقافة في كل مكان وفي وقت واحد“. إلا أن التجمع عاد لاستئناف نشاطه بعد تغيير مقره.

وسبق ذلك أحداث أخرى أبرزها منع جريدة الوسط من التداول في مدن بنغازي وطرابلس ومصراتة وأيضا اختراق موقع بوابة الوسط الالكتروني أكثر من مرة.

وبالرغم من النص في مشروع الدستور المعد من الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في المادتين 37 و38 على حرية التعبير والنشر وحرية الصحافة وإلزام الدولة على توفير الضمانات الكافية، إلا أن هذه الأحداث المتتالية تزيد الشكوك وتضع علامات الاستفهام بل وتثير القلق والمخاوف حول مستقبل حرية التعبير والفكر والإبداع في ليبيا.

ونتيجة لذلك، لم يعد يكفي لدعم وحماية المبدعين أن نمتلك ضمانات دستورية مهما بلغت جودتها ولا أن نصدر تشريعات وقوانين توفر الحماية بنصوص قانونية دقيقة وصارمة وتتلائم مع المعايير الدولية.

فكل القوانين والتشريعات تحتاج لسلطة تنفيذية تنفذها وتسهر على تطبيقها والتي لو تقاعست أو غابت عنها الإرادة السياسية أو على أقل تقدير خافت أو جبنت في مواجهة سلطة دينية متشددة، فعندها نكون قد رمينا بالمثقفين والمبدعين في ساحة المواجهة بمفردهم أمامها.

وحتى المجتمع الذي ينتمون له يقف صامتا ولا يتعاطف معهم خاصة إن كان الهجوم من جهة دينية فيفترض أن مبرراتها صحيحة وينساق وراءها من دون أن يكلف نفسه عناء البحث والاطّلاع أو حتى التساؤل.

___________