Minbar Libya

بقلم محمد تنتوش

إعلاء المادة والمال ، حمّى الاستهلاك، غياب الغايات و الأهداف، أمراض أصابت مجتمعاتنا ويشكو منها الكثيرون على المنابر و الشاشات و الصفحات بطرق تعبير وأساليب مختلفة ..أين المشكلة؟

يتساءل المهتمون بهذه الموضوعات، والتفسيرات تختلف بطبيعة الحال و لأنني مهتم بهذه الجوانب أيضا فقد خطرت ببالي بعض الأفكار و الإجابات حول بعض هذه التساؤلات.

كنت قد بدأت الاهتمام والقراءة عن موضوعات متعلقة بالدين و العلمانية والليبرالية و الشيوعية وعن الحركات الإسلامية والديمقراطية منذ فترة الثورات العربية التي كانت بلادي أحد الدول التي اندلعت فيها أحداث هذه الثورات، ونظرا لطبيعة الصراع الذي تصدّر المشهد في مختلف هذه الدول وبشكل مبكّر أكثر مما ينبغي في بعض الدول التي لم تكن مهيأة لمثل هذا الصراع_ وعلى رأسها ليبيا بطبيعة الحال_ فما أثار فضولي تلك الفترة لا زلت لم أفقد الحماس للقراءة فيه حتى هذه اللحظة لأنه لا يزال يشغل المشهد بطريقة ما.

منذ عامين تعرّفت على كتابات علي عزت بيجوفيتش و من ثم عبدالوهاب المسيري الذي أضافت لي كتاباته الكثير ، فبعد قرائتي لسيرته الذاتية غير الموضوعية انطلقت في قراءة كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة التي كان عنوانها أوّل ما جذبني إليها ، والواقع أن هذه التدوينة ليست لغرض الحديث عن الكتاب في ذاته إذ يحتاج الى أكثر من مقال و تدوينة وحلقة نقاشية للحديث عنه بجزئيه (النظرية ،التطبيق)

لكن خلاصة القول التي تمثل أحد أركان ما أريد الحديث عنه هنا هو التوسع في فكرة الحديث عن العلمانية الجزئية التي تتمثل في الجانب المحدود من فكر العلمانية والذي يعني فصل الدين عن السياسة في معناه المباشر الذي كان يعني أن التشريعات والقوانين والأسس والنظم لن تصمم على أسس مراعات نظرة الدين أو أحكامه بشأنها، أما فكرة العلمانية الشاملة فهي فكرة أعمق وأكثر توسعا بطبيعة الحال إذ أن العلمانية حسب هذا المصطلح نظام وفكر شامل لا يؤمن بالمرجعية النهائية في تقييم الأمور و له ظواهر تعبّر انتشاره كما أن له مقاومة غير مباشرة تظهر من خلال التذمر و نقد بعض هذه الظواهر أيضا.

والواقع أنني وبطريقة ما أصدق وأؤمن بالطرح الذي طرحه المسيري بطريقة مباشرة في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة” و أشار إليه علي عزت بيجوفيتش بطرق مختلفة في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب، ففي الوقت الذي كنا فيه مهتمّين بما يدور من صراع بين من نسميهم الإسلاميين ومن نسميهم العلمانيين أو الليبراليين دون النظر الى خلفية التسميات ومدى دقتها ، الصراع وموضوع الموقف من العلمانية “الجزئية” المتعلقة بالشأن السياسي ونظام الحكم والقوانين العامة للدولة كان مصدر اهتمام لأنه كان مصدر الصراع السياسي و الانتخابي وبالتالي الاعلامي، في وقت أرى فيه حسب وجهة نظري أن الكثير من ظواهر العلمانية أصبحت واقعا معاشا في مجتمعات المنطقة بطريقة ما سواء بشكل علني أو سري.

سأكتفي هنا بسرد أهم ظاهرة من ظواهر العلمانية التي أرى أن مجتمعاتنا قد تبنتها بطريقة غير واعية و يمكن قياس باقي الظواهر على هذه الظاهرة أو حتى يمكن اعتبارها أسبابا لها ، الظاهرة التي تحدثت عنها هي غياب المرجعية النهائية في تقييم وقياس الأمور ، وقد كنت كتبت سابقا تدوينة نشرت على مدونات الجزيرة تحت اسم “عندما تحطّمت مقاييس التفاضل ..حلت الفوضى” أشرت فيها بطريقة غير منتظمة عن ما أحس به حول انتشار هذه الظاهرة ولو دون تأطير فكري على قدر ما هو إحساس وشعور بأزمة اجتماعية .

تحديد الأهداف والرسالة والغاية هي أول ما يتعلمه مخطط وصاحب أي مشروع كان ولأن الإنسان مسؤول عن نفسه في هذه الحياة التي سيستمر فيها الى ما شاء الله فيجب أن يحدد غاية أو هدفا مبنيا على مرجعية أو غائية ما وعندما تغيب هذه المرجعية فستكون النتيجة فوضوية ومأساوية وبطبيعة الحال عندما تكون المرجعية لا نهائية أو نسبية فستكون النتيجة على المستوى الفردي وحتى الاجتماعي بطريقة ما فوضوية أيضا وغير مستقرة .

عند غياب المرجعية _خاصة المرجعيات النهائية الثابتة مثل الدين _ لا يصبح هناك أي مقياس يمكن العودة إليه في تقييم الحسن من القبيح وبالتالي فإن المواقف والآراء والتصرفات لن تكون مبنية على أسس صحيحة وفي حالة الغرب أصبحت كل الأمور تقاس ماديا _لا أعني القيمة المالية فقط_ وهو ما أرى من خلال الظواهر التي تكرّست في مجتمعاتنا أنها قد أصبحت منتشرة بشكل كبير، ولعلي أشرح المزيد في تدوينتي القادمة إن شاء الله تعالى.

***

محمد تنتوش ـ كاتب ليبي

_________