Minbar Libya

بقلم نزار بولحية

لنضع الأحداث في سياقها. ألسنا ندرك جيدا حجم اختراق إسرائيل لدولنا العربية والإفريقية بلا استثناء، ونعرف بالحجة والدليل صحة المثل الفرنسي الذي يقول «من أمكنه الأكثر أمكنه الأقل»؟

كيف نفسر إذن تجاهلنا وتنصلنا من معادلة تقضي بأنه متى كان بمقدور إسرائيلي واحد وهو بن تسيون تشدنوفسكي، أن يدخل السعودية ويتجول في المدينة المنورة ثم يأخذ صورا في المسجد النبوي الشريف،

وينشرها بعد ذلك على حسابه على «انستغرام»، فإنه لن يكون بعدها مستبعدا أو مستغربا أن يكون باستطاعة إسرائيليين غيره أن يصلوا وقتما يشاؤون إلى إماكن اخرى في بلدان عربية تعيش ظروفا سياسية وأمنية اكثر سوءا واضطرابا من السعودية، ليقوموا بأعمال تتخطى مجرد أخذ صور للذكرى؟

أليس من الطبيعي والعادي جدا أن نقر بأنه وبالخصوص في بلد شاسع ومضطرب وفاقد لسلطة موحدة مثل ليبيا، فإنه من السهل على آلاف من بن تسيون أن يتجولوا ويتنقلوا بحرية، ويصنعوا فضلا عن تأجيج الحروب والصراعات، قصصا ومشاهد تمثيلية قد لا تخطر ببال أكبر وأمهر السينمائيين العالميين في هوليوود؟

لماذا سارعنا إذن لرفع اصواتنا عاليا بالإدانات الرعناء وتغافلنا عن خطط الصهاينة وأدوارهم، ووضعنا بنزق كل الليبيين في سلة واحدة، وجعلناهم وحوشا منزوعة الحس والضمير، وتجار رقيق لا هم لهم إلا البيع والشراء في رقاب الآدميين،

ولم نفترض بالمقابل أن هناك احتمالا ولو بسيطا ومحدودا لأن تكون قصة سوق العبيد خرافة مثل باقي الخرافات التي سمعناها في السابق، كأسلحة الدمار الشامل في العراق وغيرها، وأن هناك نوايا وغايات دنيئة من وراء الاصرار على نشرها وترويجها بذلك الشكل السخيف والمكثف؟

ألم يكن الأولى والأجدى أن ندقق ونشكك، ولو قليلا، في تلك القوة الجبارة التي جعلت ذلك التقرير الاستقصائي لقناة «سي أن أن» الامريكية حول ما قيل إنها سوق للعبيد في ضواحي العاصمة طرابلس، يهز الدنيا ويقلبها رأسا على عقب؟

هل أفاقت الآن فقط أكثر من دولة غربية وحتى عربية من سباتها العميق، لتلوح بأنها قد تتدخل في ليبيا وتتخذ خطوات عملية وفورية للتحرك لغلق تلك السوق المزعومة، لمجرد أنها اغتاظت وشعرت بالخزي والعار مما عرضه التقرير؟

وهل ترك الأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس الاثنين قبل الماضي وراء ظهره كل كوارث ومآسي وأزمات الليبيين و الفلسطينيين والروهينجا والسوريين والعراقيين واليمنيين وغيرهم ليقول للصحافيين، إنه «مصدوم» من تلك المشاهد التي بثتها القناة الامريكية، فقط لمجرد أن التفكير في مصير الاف الافارقة البؤساء والمشردين صار هو كل شغله في الدنيا؟

ربما قلنا إن التعاطف الإنساني والحرص على الكرامة الآدمية كانا السبب الظاهر وراء تلك الردود. لكن ألم يكن الاعلان عن صدمة الامين العام، ثم عن مواقف معظم الدول الغربية، وحتى العربية، سوى الجزء الرديء من ذلك الفيلم الذي اختار مخرجه أن يشحنه بتلك المباركة العمياء لغرض تشويه الضحية الحقيقية وترذيلها ونزع ادنى صفات الحضارة والإنسانية عنها؟

أليست العبودية التي انتفض هؤلاء أو تظاهروا بالانتفاض في وجهها في ليبيا موجودة وراسخة بشكل قد يكون أكثر عمقا وحدة ومأساوية داخل بلدانهم ذاتها سوءا أكانت في المشرق أو في المغرب؟

ليس باستطاعتنا للاسف الشديد أن نقبل أو نصدق بسهولة أن تكون الدوافع الانسانية هي وحدها التي حددت مواقف قسم واسع من المنتفضين ضد سوق الرقيق المزعومة. وليس بإمكاننا بالمقابل أيضا أن ننفي عن الليبيين ورغم كل الظروف التي يمرون بها أي مسؤولية عما قد يحصل من انتهاكات داخل أرضهم.

ولن يكون بالمثل منطقيا وطبيعيا ألا نتعاطف أو نتضامن بلا حسابات ولا شروط مع آلاف من الأفارقة الأبرياء، الذين حلموا بالوصول للضفة الشمالية للمتوسط فتقطعت بهم السبل، بعد رحلة طويلة وشاقة، إما في عرض البحر، أو في صحراء ليبيا ومدنها وبلداتها.

ولكن هل يمكن أن يكون تقرير «سي أن أن» وحده الحجة والدليل الثابت والكافي على إدانة ليبيا، وتصنيفها على أنها ارض لاستعباد البشر والاتجار بهم؟

قد نتوقع أن النزاهة والحرفية المهنية هي وحدها التي حركت الصحافيين الأمريكيين ودفعتهم لإنجاز تحقيقهم.

وعلى افتراض ذلك ألم يكن مناخ الفوضى والاقتتال والتنازع الداخلي بين شرق ليبيا وغربها، يوفر فرصا أوسع للأطراف الإقليمية والدولية التي تتواجد بالفعل داخل التراب الليبي، حتى تكون على علم تام بكافة تفاصيل مجريات الأحداث الصغيرة والكبيرة فيها، لا أن تبدو بمظهر المتفاجئ والمصدوم من المعلومات التي عرضتها القناة الامريكية، مثلما حاولت الإيهام بذلك؟

أليس من الغباء أن نتصور أن الصحافيين الامريكيين قد حققوا سبقا واكتشافا عظيما عجزت عنه كل أجهزة المخابرات في بلدهم، وفي باقي البلدان الغربية الاخرى؟

ربما جاءت تصريحات مدير الإدارة الأوروبية في وزارة خارجية حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، مساء السبت الماضي، لقناة «ليبيا الأحرار» التلفزيونية المحلية متأخرة بعض الشيء.

ولكن جلال العاشي كان قاطعا وواضحا حين قال بصريح العبارة إن «التحقيقات المستمرة بخصوص ما أثير مؤخرا بشأن بيع المهاجرين الأفارقة في ليبيا كعبيد، لم تثبت حتى الآن وجود سوق لهذا الامر بالبلاد».

لقد انتهت التحقيقات بسرعة هذه المرة، لأن المحققين لم يعثروا على شيء، على ما يبدو.

فما الذي سيفعله بعد ذلك من روج للقصة أو للخرافة بقوة ونفخ فيها حتى اهتز لها العالم قاطبة؟ لعلنا لم ننتبه جيدا في خضم المواقف الحماسية والعاطفية، التي ظهرت بعد ساعات من ولادة قصة السوق لموقف صدر من دولة رواندا وبدا خارجا بعض الشيء عن أسلوب التنديد المعتاد.

لقد قالت وزيرة خارجية هذا البلد الافريقي، الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن ليبيا الخميس الماضي لوكالة الانباء الالمانية «نظرا لما تمليه الفلسفة السياسية في رواندا وتاريخنا الخاص، لا يمكننا أن نلتزم الصمت عندما يتعرض الإنسان لسوء المعاملة والبيع في مزاد مثل الماشية» قبل أن تعرض استضافة ما يقدر بثلاثين الف مهاجر افريقي تقول وكالات الانبا ء الغربية إنهم محتجزون كعبيد في ليبيا.

ومن الواضح انه لو قدر للوكالة أن تنسب مثل ذلك التصريح لأي مسؤول في أي دولة من الدول الغربية لما كان احد سيشك بالامر، أما وقد جاءت البادرة من رواندا التي لا تعد قوة عالمية، والتي لا نعرف من فلسفة نظامها السياسية شيئا اخر سوى علاقاتها الوثيقة باسرائيل، فذلك هو ما يبعث على القلق.

فهل أن العنوان المقبل للتدخل في ليبيا سيكون إنسانيا تحت غطاء فك اسر العبيد؟

وهل أن ما حصل في الثمانينيات مع الفلاشا سيتكرر هذه المرة عن طريق رواندا ومع المهاجرين الافارقة في ليبيا؟

قد يكون ربط قصة سوق العبيد بردة فعل رواندا ومن ورائها اسرائيل مفيدا على الاقل لاستخلاص العبرة من التاريخ، ولاستحضار الدرس الذي يتكرر باستمرار وهو أن «من أمكنه الاكثر امكنه الاقل».

***
نزار بولحية ـ كاتب وصحافي من تونس

_________