Minbar Libya

 بقلم امجد بشكار

مرت الدولة العربية في سياق نشأتها بمحطتين رئيسيتين، أثّرتا بشكل أساسي في مختلف مكوناتها وسلوكها الإداري وطبيعتها، كما أن السياقات التي وجدت في رحم الدولة العربية كانت كفيلة ببروز الإشكالات التي ما زالت تعاني منها الدولة على مختلف أشكالها، وبغض النظر عن طبيعتها أو موقعها الجغرافي.

فالسياق الأساسي الذي نشأت في رحمه الدولة العربية هو سياق الخلافة الإسلامية، وبالذات الحقبة العثمانية بمختلف تفاصيلها، والسياق الثاني كان الاستعمار والولادة القيصرية للدولة العربية، سواء أثناء الاستعمار كما حدث مع بعض الدول العربية، أو نتيجة لمرحلة ما بعد الاستعمار.

كان لهذين العاملين أثر مباشر في توالد الإشكالات، سواء على مستوى إدارة الدولة في العالم العربي وعلاقتها بمختلف مكوناتها السياسية والاجتماعية والتنموية الاقتصادية، أو على صعيد العقد السياسي الذي تأسست على أساسه الدولة العربية، وقد لعبت كلتا الإشكاليتين: إشكالية إدارة الدولة، وإشكالية العلاقات المجتمعية، دورًا بارزًا في تكوين ما يمكن تسميته أزمة اليوم وأزمة المجتمع، وبالذات المجتمع السياسي.

لذلك لا بد من الوقوف على الإشكالات الديمقراطية ودور ذلك في تعظيم أزمة الدولة العربية المعاصرة، خاصة أن هذه الأزمة لم تنتهِ؛ بل على العكس، تفاقمت بعد أحداث الربيع العربي الذي كشف عن عمق الأزمة على المستويين، فلم تستطع مكونات الدولة العربية أن تستثمر المسيرة الديمقراطية باتجاه ترسيخها ومنحها القدرة على تجاوز المرحلة الانتقالية؛

بل العكس كان سيد الموقف إذ إنه سرعان ما برزت الدولة العميقة بصفتها كابحًا لعملية التحول الديمقراطي، كما أنه ومع غياب الدولة تحوّل المجتمع إلى صراعات طائفية وعرقية كشفت عن عمق الأزمة المجتمعية في الدول العربية.

شهدت الدولة العربية القطرية ثلاث إرهاصات رئيسية في التحول نحو الديمقراطية، وعلى الرغم من الفترة التاريخية التي اقتربت من القرن على إنشاء تلك الدول، إلا أنه ما زال هناك شوط كبير لتقطعه نحو تحقيق الديمقراطية المنشودة.

أما المرحلة الأولى فقد جاءت متأخرة بعد مرور عدة عقود على إنشاء الدول العربية، وتحديدًا مع بداية الثمانينات، إذ شهدت الدول العربية محاولات نحو السير تجاه الديمقراطية والحداثة بعيدًا عن الأسباب التي قادت إلى ذلك، مسيرة الحداثة والديمقراطية في العالم العربي على مدار الثمانينات والتسعينات وُجهت بثلاث إشكالات رئيسية.

أولًا: تمركز السلطة في يد فئة معينة من المجتمع بسيطرة تامة، وهذا ما ولد مصطلح الدولة العميقة، وفي الغالب سيطر على ذلك الاتجاه الليبرالي، وفي بعض الأحيان اليساريون الجدد.

ثانيًا: سيطرت القوى الإسلامية على المجتمع من خلال شبكات الخدمات والمؤسسات التحتية في الدولة، وهذا ما أنتج المجتمع العميق.

ثالثًا: الجهاز البيوقراطي في الدولة بالكامل غلب عليه اللون الواحد، وهذا ما أنتج الدولة العميقة.

جميع هذه الإشكالات الثلاث المتداخلة، حالت دون إجراء عملية تحول ديمقراطي بطريقة سليمة، وكلما استخدمت آلية من آليات الديمقراطية كالانتخابات مثلًا، ازداد نفوذ الدولة العميقة في بنية أجهزة الدولة، وازداد نفوذ المجتمع العميق في بنية المجتمع وهيكلته.

والمرحلة الثانية من الديمقراطية العربية بدأت مع عام 2004، والتي يعزوها البعض إلى ما سمي بالفوضى الخلّاقة بغض النظر عن الأسباب التي قادت إلى هذه الموجة، إلا أننا نجد أن هذه الموجة أحدثت سلبيات أخرى في إدارة الدولة العربية.

وأما المرحلة الثالثة فقد جاءت بعد فترة قصيرة نسبيًّا مع المرحلة الثانية التي بدأت في عام 2011، مع بدء الثورات العربية أو ما يسمى «بالربيع العربي»،

والذي وإن كان قد أطاح العديد من الأنظمة الديكتاتورية في الدول العربية، إلا أنه لم يحقق الديمقراطية المرجوّة؛ بل إنها ذهبت أكثر من ذلك في الكثير من الآثار السلبية التي أنتجتها للمجتمع والدولة على حد سواء.

***

امجد بشكار ـ كاتب فلسطيني، باحث في شؤون حركات الإسلام السياسي

_____________