Minbar Libya

بقلم: د. سليمان سالم الشحومي

يدور النقاش حول برنامج الإصلاح المطروح من حكومة الوفاق من جهة والبنك المركزي من جهة اخري والواقع ان الجميع يدور في حلقة مفرغة.

في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وخصوصا البنك المركزي. ولعلي اطرح هنا بعض التساؤلات التي تدور حول هذا الموضوع الهام ومحاولا الخوض فيها قدر المستطاع.

1- ماذا نقصد بالإصلاح للبنك المركزي وللقطاع المصرفي؟

إذا كنّا نقصد بالإصلاح هو تعديل سعر الصرف فهذا ليس إصلاح كونه حدث سابقا في ليبيا ولم يصلح النظام المصرفي، وتقوم به دول كثيرة وفِي الغالب بسبب عجز ميزان المدفوعات بالدرجة الاولي وتعديل مقدار العجز الحكومي فهو مجرد تعديل في اختلال هيكلي في الاقتصاد.

اما إذا كنّا نقصد بالإصلاح النظام النقدي والمصرفي ونركزه في سلسلة إجراءات يقوم بها البنك المركزي ترتكز على تعديل سعر الصرف والقيام بتوحيد البنك المركزي المنقسم ليؤسفني ان اقول قطعا هذا ليس إصلاح ولا يعدو كونه عمليات اضطرارية تتطلبها الظروف التي يمر بها الاقتصاد والقطاع المصرفي كالأزمة التي يعيشها البنك المركزي والبنوك الليبية.

الإصلاح الاقتصادي برنامج اقتصادي قد يكون لمدة محددة لتحقيق هدف محدد او قد يكون غير محدد بمدة معينة، فالوصول وتحقيق الأهداف المرسومة يقتضي التحول الي أهداف جديدة في ضوء برنامج اقتصادي جديد وفقا لمتطلبات إصلاح أنظمة وهياكل مرتبطة بالمنظومة الاقتصادية.

2- وهل هناك ضرورة للإصلاح وما هي متطلبات؟

طبعا لا شك ان هناك حاجة ماسة للإصلاح وخصوصا في وضع كارثي كالذي تعيشه المؤسسة النقدية في ليبيا، فآليات النقدية معطلة بالكامل وتفسخ وتحلل المنظومة الإدارية والقيم والقواعد والتقاليد المصرفية.

وتحول القطاع البنكي والبنك المركزي الي مجرد البنوك التجارية لم تعد تُمارس التجارة او العمليات المصرفية التجارية وتحولت الي تبني ثقافة جديدة وتقاليد جديدة وتصب في اتجاه خزينة صرافة لا تقبل أبدا الإيداعات.

وبالتالي تعطل تأسس واصول دور المصارف، والبنك المركزي بالمقابل تعطلت كل الأدوار الفنية التي يجب ان يقوم بها كالعمل على مكافحة التضخم والبطالة وتحريك الاستثمار عبر الائتمان.

3-وكيف يتحقق الإصلاح بالنظام النقدي والمصرفي؟

باختصار للقيام باي إصلاح حقيقي ليس لنظام الصرف العملة الوطنية فقط والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية يمكن القيام بجملة من الخطوات ولكن لابد وحتما ان تسبق بتناغم وتناسق بين السلطات الحاكمة في البلاد التنفيذية والتشريعية والنقدية.

وتتمثل بعض من هذه الخطوات في الآتي:

اعادة هندسة النظام النقدي الليبي بالكامل عبر تبني خطة استراتيجية شاملة تنفذ على عدة سنوات عبر تبني رؤية جديدة لطريقة العمل داخل البنك المركزي واعادة البناء التنظيمي والهيكلي للإدارات والاليات التي تحقق الضبط الداخلي وترتكز على استقلالية الدور الرقابي على القطاع المالي بالكامل وتركيز البنك المركزي علي ادارة النظام النقدي وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي.

واقترح ان انشاء هيئة الرقابة المالية ويمكن ضم هيئة الرقابة لسوق المال وهيئة الرقابة على قطاع التأمين لهذه الهيئة لتكون واحدة وتشرف وتراقب القطاع المالي بالكامل سواء البنكي والمالي والتأمينية وتخضع لأشرف مجلس ادارة البنك المركزي.

بناء منظومة جديدة للتواصل المؤسسي المنظم للعمل مع البنوك والمؤسسات المالية تعتمد على التقنية وسرعة التواصل والانجاز.

التطوير التقني والفني للبنوك التجارية لابدان يتم من قبل البنوك نفسها وليس بان يفرض عليها من قبل البنك المركزي بنوع وشكل التقنية كما حدث مع نظام المدفوعات الوطني سابقا.

البنك المركزي يضع المواصفات والمتطلبات ويترك البنوك تعمل وفقا لتلك المتطلبات.

4- وهل يمكن تحقيق الإصلاح في ظل استمرار الصراع سواء المسلح الساخن او الصراع السياسي البارد؟

ماذا يمكن عمله في ظل استمرار الصراع؟ الصراع الحالي أكبر تحدي لأي برنامج إصلاح مكتوب او غير مكتوب ممكن ان يقوم به مسؤول او فريق متخصص.

كل مشروعات الإصلاح الحالية ترتكز على الحزمة الاقتصادية والواقع ان الجسم الذي هو مقتنع بالإصلاح المنظومة الاقتصادية غير قادر فعليا على تنفيذ والإشراف على برنامج إصلاح حقيقي، هناك معوقات داخلية أهمها الانقسام ومعوقات خارجية تتعلق بالبنوك وانهيار قدرتها على العمل المنظم والمؤسسي والحالة الأمنية وضعف المنظومة العدلية القانونية في مواكبة الأحداث التي تعترض العمل المصرفي والمالي.

الانقسام بالبنك المركزي أصبح يتعمق أكثر كل يوم مع فقدان لطرف الشرعية الدستورية والقانونية ولكنه يمتلك السلطة الفعلية ويسيطر على المقر الرئيسي للبنك المركزي والطرف الاخر لديه شرعية منقوصة وغير قادر علي القيام بكامل الدور المطلوب من البنك المركزي.

العديد من المحاولات لجمع مجلس ادارة البنك المركزي ولكن لم ولن يكتب لها النجاح بسبب بسيط هو ان الخلاف عميق وله رواسب سياسية.

الإصلاح الحقيقي يأتي في مرحلة ما بعد الصراع . اذا نصل الي نتيجة ان الإصلاح غير ممكن ان التحقق ونحن لازلنا نعيش حالة الخلاف ولم نصل بشكل رسمي الي مرحلة برغم الإرهاصات لولادة مرحلة جديدة، والسؤال ماذا يمكن ان يفعل البنك المركزي لتطوير النظام النقدي حاليا؟

ستكون كافة الخطوات والاجراءات المتخذة من طرف البنك المركزي الان هي تشبه عمليات جراحة موضعية ومسكنات مؤقتة حتى لو وصل الامر الي تعديل سعر الصرف مع فقدان السيطرة على المنظومة النقدية وعمليات التسوية الفورية والمنظمة للصكوك واقتصار دور البنوك علي دور بدائي وتقليدي جدا، يصبح المناداة بالإصلاح الشامل امر مدعاة للتعجب ويثير السخرية في واقع مفكك وغير ملائم للإصلاح بمعناه الواسع.

فالمؤسسات مفقودة والقانون معطل وتبعا لذلك نجد ان مجلس ادارة البنك المركزي بشرقه وغربه هو فاقد للأهلية القانونية من حيث المدة وفاقد للشرعية بالتالي لا أتوقع ان يقوم بترتيبات قانونية مثل تعديل سعر الصرف وليس له القدرة على بناء جسور الثقة مع المؤسسات القائمة.

الإصلاح الاقتصادي ليس برنامج يصاغ ويطلب من السلطات المنقسمة اعتماده بهدف ذَر الرماد في عيون الشعب وتقديم دليل علي نوايا الإصلاح.

الإصلاح الاقتصادي لا يمكن ان يتقدم خطوي واحدة في سلم برنامجه دون الخروج من مرحلة الصراع الي مرحلة ترميم المؤسسات والسلطات الرئيسيّة بالبلاد.

ومع ذلك يبقي توحيد البنك المركزي أولي واهم من اي شيء اخر في الوقت الراهن، حتي ولو لم ينفذ شيء من خطط الإصلاح واكتفينا بعودة الثقة للمنظومة المصرفية واسترجعنا العمل بأدوات البنوك التقليدية من مقاصة وتسوية وإقراض وتحويلات وغيرها.

***

د. سليمان سالم الشحومي ‏ـ مؤسس ورئيس مجلس إدارة سوق المال الليبي السابق
___________