Minbar Libya

قلم مواطن على صفيح ساخن

بدلاً من أن يكون ديوان المحاسبة عوناً وسنداً لمؤسسات الدولة في عملها، وأن يلتزم بالمهام التي خوله بها القانون الأساسي لإنشائه قَبِل أن يُقدم المؤتمر الوطني المنتهية صلاحيته على توسيع رقعة صلاحياته بشكل غير مسبوق، ولأهداف وأغراض دفعت إليها ظروف لا مجال إلى ذكرها هنا.

وتلك التغييرات والصلاحيات وإطلاق اليد التي تمت هي من المفترض في حكم العدم كون الذي أصدرها في ذلك الحين لا شرعية له. بدلا ً من ذلك، وجهاراً عياناً يمارس ديوان المحاسبة تدخلاته الفجة المعرقلة لكل تقدم دون أي رادع.. مستغلاً حالة الانقسام التي تضرب البلاد حتى يتغول ويفتئت على مؤسسات وجهات لم يخوله القانون الأساسي في إنشائه أن يمارسها.

فصار معول هدم يجر إلى الخلف بدلاً من أن يدفع إلى الأمام. وأصبح صخرة كـأداء تحطمت عليها كل محاولات التقدم وتحريك عجلة الاقتصاد وتخفيف معاناة المواطنين التي بلغت حداً غير مسبوق في جميع مناحي الحياة..

ويعد ديوان المحاسبة هوالمسؤول الأول على إفشال كل المبادرات الاقتصادية المطروحة حيث تجاوز الشأن والمهام الأساسية التي أنشيء من أجلها كجهة رقابية لاحقة وليست سابقة لمراقبة ومتابعة أوجه صرف الميزانية العامة بعد اعتمادها. ومراجعة الحسابات الختامية للدولة، وفحص ومتابعة المشاريع بعد إنجازها، والتدقيق في مدى التزامها بالقوانين والتشريعات المعمول بها.

ولكن الحاصل الآن وفي استغلال كما ذكرنا لحالة التشظي والانقسام لم يتغول ديوان المحاسبة فقط على مؤسسات الدولة المختلفة بما فيها المصرف المركزي بل نجده قد تمرد أيضاً على الجهة التشريعية التي يتبعها مباشرة وهي البرلمان، ولم يذعن رئيس ديوان المحاسبة لقرار إعفائه من مهامه الصادر عن البرلمان الليبي في سنة 2014م وضرب به عرض الحائط، بل استقوى وتغول وتجاوز مهامه ليصبح جهة تنفيذ وتشريعية وقضائية.

وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه وتسويغه، لا سيما وقد شل حركة البلاد وكبل مؤسساتها تحت حجج الحفاظ على المال، وهي كلمة حق أريد بها باطلا، وشعار براق زائف أطاح بكل المحاولات الطامحة لإنقاذ البلاد من حالة التردي التي آلت إليها، بسبب هذه التدخلات الفجة من قبل ديوان المحاسبة. وبسبب تجاوزاته لمهامه وتسلطه غير القانوني على المصارف التجارية، وإلزامها بإقفال حسابات بعض التجار دون حكم نيابي وفي تغول صارخ على الجهات القضائية الأمر الذي أسهم بشكل كبير في تأزم مشكلة السيولة وزيادة تعقيدها بسبب عزوف التجار عن إيداع أموالهم في المصارف التجارية، خشية أن يضع ديوان المحاسبة يده عليها دون وجه حق.

وفي وجه آخر من أوجه تغول ديوان المحاسبة وافتئاته على المؤسسة القضائية وعلى أعمال النيابة نجده يصدر تعليماته بإيقاف موظفين عامين في المصرف المركزي عن العمل بحجة عدم التعاون معه وتحريض الجهات والمؤسسات على عدم التعامل مع ديوان المحاسبة وهذا استلاب فج لمهام أعمال النيابة والقضاء.

وفي تناقض صارخ مع ادعاء ديوان المحاسبة الحفاظ على المال العام نجده في الفترة الأخيرة، وبموجب رسالة موجهة إلى محافظ ليبيا المركزي، يطالب فيها بفتح اعتمادات لما كان يعرف بصندوق موازنة الأسعار. هذا الصندوق الذي سبق وأن جمد بسبب الديون الهائلة المتراكمة عليه والفساد المستشري في جنباته. ورغم ذلك نجد رئيس ديوان المحاسبة يطالب بفتح اعتمادات له وبقيم تفوح منها رائحة الفساد.

فعلى سبيل المثال يستورد القطاع الخاص مادة السكر بقيمة 450 دولار للطن الواحد. بينما أعطى رئيس ديوان المحاسبة الموافقة لصندوق موازنة الأسعار كي يستورد السكر بما قيمته 690 يورو للطن الواحد. فأين الحفاظ على المال العام في مثل هذه الموافقات المشبوهة؟!

لقد تحول للأسف ديوان المحاسبة إلى مافياتتستر بالقانون، وتتحجج بالتشريعات، وتتحصن بالشعارات، بينما الواقع عكس ذلك تماماً. فقد طالت اليد الطولى غير المحجمة للديوان في جميع مؤسسات الدولة السيادية والحيوية. فقام بغل يد المؤسسة الوطنية للنفط في توقيع العقود واشترط موافقته عليها قبل تنفيذها، كي تدخل في دوامة دهاليزه وتقبع لأشهر ولا يعلم أحد إن كانت ستخرج إلى النور فيما بعد أم لا.

فتكون مدة المشروع سنة واحدة أو ستة أشهر ليقبع عاماً أو أكثر في دهاليز ومتاهات ديوان المحاسبة. الأمر الذي أثر تأثيراً سلبياً بالغاً على عمل المؤسسة الوطنية للنفط.

لعله من الجائز الآن أن نطرح على ديوان المحاسبة السؤال التالي: من أنت؟ ومن خولك بهذا التغول على مؤسسات الدولة؟ وكيف لموظف عام يجرؤ على رفض تنفيذ فرار إعفاء صادر عن الجهة التي تملك حق تعيينه وإعفائه وهي البرلمان الليبي؟

كيف لجهة رقابية تتجاوز مهامها لتسلب الجهة القضائية اختصاصها وتحقق وتصدر الأحكام، وتتحول بقدرة قادر الى قاضٍ وحكم ومحلف في آن واحد؟

إنه من المعيب أن يظل البرلمان الليبي مكبلاً ومتفرجاً ولا حراك له تجاه إحدى مؤسساته الرئيسية التي تتبعه بشكل مباشر، وفي الواقع لا تخضع له ولا تنصاع لقراراته، بل ورئيسها معفى من عمله ولا يعترف بذلك ولا ينفذه بل على العكس يضرب هنا وهناك على غير هدى وبدون رادع له.

لقد حان الوقت لأن يسارع البرلمان الليبي ويضع حداً لهذه الوضعية الخطيرة التي تضخمت فيها مؤسسة من مؤسسات الدولة الكبرى وصارت أشبه بميلشيا رقابية إن، صح التعبير، لا تستمع لأحد ولا تصغي لكائن من كان. فهل سيتم تصحيح هذا الواقع الخطير؟

________