Minbar Libya

بقلم خيري عمر

أثارت خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسّان سلامة، الجدل بشأن مدى تغيرها عن الأطر السياسية والقانونية السابقة، وهو ما يرجع إلى القلق من الوصول إلى النتائج نفسها بسبب قصور المؤسسات المنقسمة وضعيفة الفاعلية عن القيام بمهامها السياسية.

ومن ثم، تبدو أهمية تناول السياق السياسي للخطة والأفكار التي طرحت في هذه الفترة، من حيث استشراف الفرصة الممكنة للتدفق نحو إنضاج الحل السياسي.

إعادة هيكلة العملية السياسية

تفيد الخبرة السابقة بأن خطط المبعوثين الأوروبيين (بيرناردينو ليون، ومارتن كوبلر) قامت على تصحيح الخلل الدستوري في المؤسسات السياسية، والاعتماد على هامش محدود للحوارالاجتماعي.

ولذلك غلب الطابع القانوني على خطط الأمم المتحدة، وظلت أسيرة الوضع القائم، حين أقرّت باحتكار مجلس النواب تمثيل الليبيين، على الرغم من اهتزاز الأساس الدستوري لكل المؤسسات الليبية، وتزايد الانقسامات الاجتماعية، حيث تكون الأولوية للتشاور الواسع بشأن إطار دستوري آخر.

وهنا الإشارة إلى أن لجنة الحوار التي شكلها ليون، وسار عليها كوبلر، لم تكتسب الحجية السياسية، ليس فقط بسبب الخلاف بشأن تمثيل مجلسي النواب والمؤتمر الوطني.

ولكن بسبب ضيق تمثيلها الديناميات الاجتماعية، وهو ما يفسر تزايد الخلاف بشأن الاتفاق السياسي وعدم تطبيقه، بحيث يمكن القول إن سياسة البعثة الدولية، في تلك الفترة، كانت أقرب إلى مباراة في استنساخ الأزمة السياسية، وتمديد عوامل استمرارها.

بعد شهرين من إطلاق خطة الأمم المتحدة في ليبيا، قدّم غسّان سلامة إحاطة عن سياساته في حل الأزمة السياسية (16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017)، وهي تقوم على ثلاثة محاور؛ تعديل الاتفاق السياسي الليبي، وتنظيم الملتقى (المؤتمر) الوطني، والتحضير للانتخابات، وتقديم المساعدات الإنسانية.

وحاول سلامة التركيز على بناء منظور مختلف للخروج من الأزمة السياسية، لا يرتكز فقط على إصلاح المؤسسات القائمة، لكنه يتجه إلى معالجة المصادر الاجتماعية والثقافية للنزاع، وانهيار فكرة الوطن وتفاقم الانقسامات المختلفة؛ العرقية أو الطائفية.

وفي سياق عرضه لوهم التجانس الليبي، يصنف غسّان سلامة الأزمة في ليبيا حالة نزاعٍ بدأت في العام 2011. وبالنظر إلى الطبيعة القانونية لمفهوم النزاع، تعكس خطة الأمم المتحدة

توجهاً نحو توسيع نطاق الحوار السياسي، وإدماج كل الأطراف الليبية في العملية السياسية، فيمكن القول إن ما يطرحه سلامة لا يقف عند مستوى الجدل الثنائي، بقدر ما يسعى إلى إعادة تعريف الشركاء السياسيين، حيث يتطلع إلى بناء مفهوم التكامل الوطني بديلاً عن تصورات تقاسم الدولة، وقد أفاد سلامة بأن الخطة حققت تقدماً باتجاه حصول الاتفاق السياسي على الاعتراف المتبادل بين المجلسين؛ النواب والأعلى للدولة، واعتباره الإطار الوحيد لمعالجة الأزمة السياسية، حيث توصلت لجنة الصياغة إلى تنفيذ المادة 12 من الملحق الإضافي، وهو ما يعتبر، من وجهة أولى، بمثابة تكوين نقطة ارتكاز للحل السياسي.

ومن وجهة ثانية، حيث تجديد مشروعية السلطات الانتقالية والمؤقتة على قاعدة تقليل تفاوت السلطة والانفراد بها.

ويعد الشكل الجديد للجنة الحوار (الصياغة) أكثر تماسكاً من الإطار السابق، حيث استند على تمثيل المؤسسات المنتخبة، وهو معيارٌ أقل خلافيةً من تمثيل الأحزاب، أو منظمات المجتمع المدني.

لم يقتصر التناول على ارتباط لجنة الحوار بالسلطة التشريعية، لكن إشارة إيضاح سلامة في مجلس الأمن للشفافية والنزاهة في اختيار المجلس الرئاسي والحكومة، يعكس جانباً من التغير في سياسات البعثة الدولية، ففي السابق، وعلى الرغم من حساسية المناصب الانتقالية، لم تكن المشاورات بشأن اختيار المجلس الرئاسي واضحة.

وإلى جانب غموضها، ارتكزت بوضوح على تقاسم السلطة فيما بين الكيانات السياسية والعسكرية، وبطريقة رسّخت الانقسامات المؤسسية بين أقاليم الدولة.

من المحتمل أن يكون الملتقى الوطني في فبراير/ شباط 2018 صيغة متطورةً للجنة الحوار، بحيث تكون بديلةً أو مكملةً للأدوار التي تقوم بها الكيانات؛ الاجتماعية والسياسية والعسكرية، لمواجهة تهديد السلطات الموازية للوحدة الوطنية.

ووفق سلامة، يقوم الملتقى على إنجاز مهمتين؛ لتبنّي ميثاق وطني وصياغة مبادئ توجيهية للتشريع. وبهذا المعنى، تربط خطة الأمم المتحدة السلطة التشريعية بمظلة سياسية ـ اجتماعية، أقرب إلى الوظيفة الرقابية.

يطرح غسّان سلامة تصوراً متقدماً للانتخابات التشريعية، حيث لم يقتصر على مناقشة الآليات ومدى كفاءة المؤسسات على إنجازها، لكنه اهتم بالآثار المترتبة على نتائج الانتخابات.

ولذلك اعتبر أن الظرف المناسب لإجراء الانتخابات يرتبط بأن تكون حلاً للأزمة السياسية، ولا تضيف أزمة أخرى، سواء عبر إضافة برلمان آخر أو حكومة رابعة، وهو ما يعكس إدراكاً لتنافر التركيبة السياسية في ليبيا.

ولذلك، لا يقتصر منظور البعثة الدولية على ترقية الحوار السياسي، لكنه يأخذ في اعتباره تحسين شروط البيئة الحاضنة؛ السياسات العامة والسياسات الاجتماعية، ومن ثم، رصدت خطة غسّان سلامة مهام وتحدياتٍ تشكل أساس الحماية للعملية السياسية، وأيضاً الثقة في سياسات الأمم المتحدة، حيث تعمل المؤسسات المحلية بالتضافر مع المنظمات الدولية، سواء في التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية أو اتخاذ إجراءاتٍ لحماية الاقتصاد الوطني.

يتقارب منظور بعثة الأمم المتحدة مع توجّه محكمة الجنايات الدولية إلى اتهام سياسيين ليبيين وإصدار طلبات جلب بحقهم في جرائم أخرى، فقد كان اقتراب السياسات الأمنية من مبدأ حكم القانون، خصوصاً ما يرتبط منها بمكافحة الإفلات من العقاب والانفلات الأمني والجرائم ضد الإنسانية، حيث أشار، خصوصاً، إلى العثور على 36 جثة في منطقة الأبيار في مدينة بنغازي، في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تحمل آثار تعذيب، إلى جانب قصف طائرة مدنيين في درنة. وهي إشارات إلى إفساح المجال للتحقيقات الدولية في الجرائم ضد الإنسانية بشكل مماثل لمكافحة الإرهاب.

وفي سياق توسيع النظر إلى مصادر المشكلات السياسية، يذهب غسّان سلامة إلى أن تفكّك النظام الاقتصادي هو انعكاس لغياب الأمن والمساءلة، وبشكلٍ ساعد على تكوين مصالح مضادّة للمسار السياسي، استندت للانتعاش المتزايد لاقتصاد الظل والتحويلات المالية غير المشروعة.

وكانت فجوة سعر الصرف من المؤشرات المهمة على تشوّه السياسة النقدية وانقسامها، وفساد العقود الحكومية، وسوء إدارة الأصول المجمدة.

مبادرات الحوار وإرساء السلام

في الفترة اللاحقة على طرح خطة الأمم المتحدة، ظهرت عدة مبادرات، يطرح كل منها تصوّره للخروج من الأزمة السياسية. وفي سياق تطوير مبادرة إرساء السلام، رأى فريق المبادرة أن خطة الأمم المتحدة أرضية ملائمة لحل المشكلات القائمة، ووقف مسار الانهيارات المؤسسية والاجتماعية، حيث خلص إلى ضرورة ارتكاز سياسات الأمم المتحدة على أساسين: الأول، النظر إلى كل الليبيين من منظور واحد، ومن مسافة واحدة، بحيث

تنعكس هذه الرؤية في تكوين “الملتقى الوطني”، بما يشمل ممثلين عن النظام السابق، بمن فيهم السجناء والمهجرون، المبعدون عن كل مراحل العملية السياسية منذ 2011.

وهنا يمكن النظر إلى أن قانون العزل السياسي رسخ علامة فارقة في تعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي. وجاء في مذكرة رئيس فريق المبادرة، عوض البرعصي أن مفهوم التمثيل الحقيقي لا يقتصر على النواحي الكمية، بقدر ما يرتبط بالمقومات النوعية اللازمة لبناء الدولة، فالتمثيل المتكافئ يعني التصدّي للمشكلات المزمنة المتعلقة بمناقشة قضايا الخلاف الرئيسية؛ حقوق القوميات الإثنية ومناقشة مطالب الفيدراليين، والسيطرة المركزية على موارد المجتمع، باعتباره من تحديات وحدة الدولة، والحفز على البحث في أشكال أخرى، كالحكم الذاتي أو الانفصال أو استمرار الحرب الأهلية.

الأساس الثاني، تتبنى مذكرة فريق المبادرة توفير شروط التهيئة وبث الثقة المتبادلة بين الأطراف المختلفة، حيث تفيد بأن مناقشات “الملتقى الوطني” تكون من مدخلات الدستور، كما تضمنت العمل على وقف العوامل الداخلية والخارجية المغذّية للحرب، تمهيداً لتوحيد المؤسسات الوطنية بما فيها المؤسسة العسكرية.

ومن جانب آخر، ركزت مناقشات النخبة السياسية في بنغازي (30 سبتمبر/ أيلول 2017) على فصل مسار المصالحة الوطنية عن العملية السياسية، بحيث تكون مهمة الملتقى الوطني قاصرة على المصالحة الوطنية، فيما تهتم الأمم المتحدة بإعادة إعمار المدن المتضرّرة من الحرب وإدماج المسلحين.

وفيما اعتبرت “نخبة بنغازي” أن الهيئة التأسيسية صارت منتهيةً وفق الإعلان الدستوري أو الاتفاق السياسي، وأن مسودة الدستور لم تضع آلياتٍ محددة لمعالجة المشكلة المركزية، فإن التقاء غسّان سلامة معهم في 6 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يعكس تحركات ديناميكية فاعلة، كشفت عن إيضاحاتٍ أخرى، تتعلق بالوضع الدستوري للهيئة ومشروع الدستور المنبثق عنها، حيث طرح نقطتين لتوضيح الموقف منها (الهيئة)، فمن ناحيةٍ، هي قائمة مؤسسة دستورية منتخبة ومستقلة.

ومن ناحية أخرى، يظل الخلاف بشأن مشروع الدستور مسألة مطروحة للنقاش، ولإدخال التعديلات اللازمة عليه، أو العودة إلى دستور 1951 المعدّل في 1963.

تبدو تدخلات غسّان سلامة حاسمةً في توضيح الحد الأدنى من الإطار الدستوري اللازم لإدارة العملية السياسية. وفي الوقت نفسه، لديه خريطة تحرّكات تفصيلية يميز فيها ما بين العمليات الإدارية، كما في اجتماعات لجنة الصياغة في تونس، والعمليات السياسية التي تضمن التمثيل الواسع لكل الديناميات الليبية.

وفي سياق آخر، طرح أعضاء من مجلسي النواب والأعلى للدولة “مبادرة الرؤية الشاملة لتعديل الاتفاق السياسي” (أكتوبر/ تشرين الأول 2017)، وحدّدت أن الهدف الأساسي للمبادرة يتمثل في دعم استمرار الحوار الوطني، وعدم توقفه بدون مبرر.

وأشارت في مبادئها العامة إلى وضع موجهات أساسية لمؤسسات الدولة، حيث التأكيد على المسار الديمقراطي والحل السياسي وسيادة القانون وتكافؤ الفرص في توزيع الثروة، والتأكيد على أن يكون الحل السياسي خطوةً نحو إقرار الدستور وإجراء الانتخابات.

وبغض النظر عن تشكيل مجلس الرئاسة من من ثلاثة أعضاء يمثلون الأقاليم الثلاثة، فقد ابتكرت هذه المبادرة طريقة مختلفة لاختيار أعضاء المجلس، فعلى خلاف المقترحات السابقة، اتبعت مسارين في اختيار مجلس الرئاسة؛

الأول، حيث يكون شغل عضوية مجلس الرئاسة عن طريق فتح باب الترشيح لكل الليبيين، حسب الشروط الإجرائية.

المسار الثاني، ارتكزت فكرة المبادرة على نتائج الانتخابات التشريعية، عندما ربطت اختيار الأعضاء بموافقة أيٍّ من المجلسين؛ النواب والأعلى للدولة، بحيث يحصل المرشح على تزكية 40% من أعضاء الإقليم حداً أدنى، ويكون لكل عضو صوت واحد، وهي الفلسفة نفسها التي استندت إليها قوانين الانتخابات، حيث اتبعت نظام الصوت الواحد.

يمكن القول إن “مبادرة الرؤية…” قدّمت إطاراً ابتكارياً لاختيار أعضاء السلطة التنفيذية الانتقالية، فهو من جهة يعمل على التقليل من التحيزات المسبقة، ويضعف الاستقطاب القائم على الحصص.

ومن جهة أخرى، يمزج بين تطلعات القاعدة الشعبية، واحترام دور المؤسسات القائمة. تبدو هذه الخطوة مدخلاً ملائماً لجعل مسألة نيل الحكومة ثقة البرلمان أقرب إلى المسار الإجرائي، حيث تبدو السلطة التشريعية مقيدة، سواء باختياراتها في مجلس الرئاسة أو اكتساب الحكومة الثقة بقوة القانون.

وعلى أية حال، إنجاز هذه المرحلة يجعل من المراحل التالية أكثر سهولة، نظراً لأنها تُحدث نوعاً من التوافق بين مؤسسات الدولة.

بشكل عام، لا يبدو سياق التعامل مع الجيش بعيداً عن المسار السياسي، فقد اتسعت محادثات القاهرة الخاصة ببناء الجيش وتوحيد القيادة العسكرية، لتشمل أطرافاً تمثل حكومة الوفاق، وهو سياقٌ يدعم الحل السياسي، ليس فقط بسبب قناعة الدول الغربية والأمم المتحدة بعدم وجود جهة ممثلة للجيش الليبي، ولكن باستمرار حظر السلاح، وهو ما يضعف حجيّة الدعاية باحتكار تمثيل الجيش، ويضعها ضمن المسائل المطروحة للنقاش، وخصوصاً مع تبلور اتجاه عام لمنح سلطة القائد الأعلى للجيش لمجلس الرئاسة والفصل الوظيفي بين القيادة العامة والعمل السياسي.

وبالنظر إلى السياق الإقليمي، يبدو أنه على الرغم من وجود مؤشراتٍ لتفضيل المسار العسكري، فإن من شأن اتساع المناقشات بشأن الحل السياسي إضعاف فرص الحلول غير السلمية، خصوصاً مع وضوح توجهات مجلس الأمن والبعثة الأممية وترتيباتهما للسيطرة على الصراعات المسلحة واحتواء النزاع السياسي.

وأيضاً، يمكن إضافة أن التوجه العام لخطاب دول جوار ليبيا (إعلان القاهرة الوزاري 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 ) صار مستقراً على الحل السياسي ودعم الحوار الليبي ـ الليبي وخطة الأمم المتحدة إطاراً وحيداً لتفكيك الأزمة السياسية.

هنا يمكن القول إن ثمة توافقاً مع خطة غسّان سلامة في إعادة هيكلة الاتفاق، وتقديم قراءة سياسية جديدة تفسح المجال أمام المؤسسات والديناميات النخبوية والمجتمعية الأخرى، بحيث توفر إطاراً يجمع بين الشعبية والمؤسّسية، وهو ما يمكن اعتباره إطاراً أكثر ملاءمة من التفكير في إعادة تشكيل مجلسي النواب والدولة.

وذلك باعتبار أن إدخال مصادر الشرعية (المجتمع) في معادلة صنع السياسة سوف يكون وسيلة إكراه للمؤسسات المنقسمة والمتهالكة على التكيف مع التغيرات الجديدة والتوجه نحو الانتهاء من الدستور والانتخابات.

***

خيري عمر ـ باحث مصري في الشأن الليبي

____________