Minbar Libya

بقلم عبد السلام الراجحي

منذ أيام خرج علينا مجموعة من أنصار حفتر  في عرض مسرحي  بإخراج ورؤية ذات طابع قبلي نتن يمقته أصحاب الفطرة السليمة، وكان أبطاله كهول متهالكين عقلا وبدنا، يتوسطهم بطل المسرحية وهو المنتج والمخرج رجل الأعمال وعضو المجلس البلدي لمدينة البيضاء، علي التريكي، رئيس اللجنة المركزية لما يسمى بحملة تفويض خليفة حفتر لقيادة البلاد لأربع سنوات فقط !!

لن أتحدث عن المعايير القانونية والديمقراطية لهذا التفويض في ميزان الديمقراطيات الذي يضرب بأطنابه في كثير من الدول، فمنذ انطلاق مهرجان الكوميدية السوداء في مدن وقرى الشرق الليبي حيث نفوذ وسيطرة كتائب حفتر، كنت متابعا وبشكل دائم  للأحداث عبر قناتي  ليبيا الحدث التي يديرها ابن عمومة حفتر الإعلامي ومراسل قناة العربية الإماراتية السابق، محمود الفرجاني، وتعود ملكيتها  لصدام حفتر.  وقناة ليبيا الإخبارية التي يديرها الممثل المسرحي محمد امطلل، التي تبث من مدينة البيضاء، وتتبع إدارتها حكومة عبدالله الثني.

أو عبر الصفحة الرسمية لما سمي بالحراك الشعبي لتفويض المؤسسة العسكرية. وتركزت عمليات التفويض في  بنغازي والبيضاء واجدابيا والمرج، وبوتيرة أقل في طبرق والكفرة وعدة قرى أخرى، كالأبيار وتوكره واجخرة، في حين غابت وبشكل كلي في مدينة درنه.

وبحسب شهود عيان  فأن عملية التوقيع على الاستمارة كانت تتم تحت قوة السلاح وبشكل متكرر وبخاصة في مدينة بنغازي واجدابيا، حيت تشير الأخبار ومن عدة مصادر أن كتائب حفتر تقوم بإجبار المواطنين على التوقيع بتهديد السلاح في البوابات الأمنية وفي التجمعات، كالأسواق والمخابز.

وذكر لي شاهد عيان وهو أحد نشطاء المجتمع المدني، ويقيم في مدينة بنغازي، لا أستطيع ذكر اسمه خوفا على سلامته، قال إنه اضطر للتوقيع على الاستمارات ولأربع مرات بسبب الخوف من كتائب حفتر، كما أكد  لي أنه كلما ذهب إلى مكان عام يجدهم،  وأنه لا يستطيع  أن يرفض التوقيع مرارا وتكرارا مخافة أن يواجه تهمة  (أنه داعشي ) أو التعاطف معهم، وهذا السيناريو حدث أيضا بمدينة اجدابيا،  وكان أخرها لمواطنين كانوا مصطفين في طابور أمام المخبز، تم إجبارهم على التوقيع ومن بينهم، فتى يبلغ من العمر  16 سنة .

عندما سمعت بالحصيلة لما سمي بالنتائج الأولية، والتي تقول إن عدد الموقعين على استمارات التفويض المباشرة  أكثر 917 ألف مواطن، في حين أن من قاموا بالتفويض عبر الإنترنت أو ما سمي بالتفويض الإلكتروني، بلغ أكثر من 374 ألف مواطن.

قمت بمراجعة  نتائج  أول انتخابات خاضها الليبيون بعد توقف أكثر من 42 سنة، فوجدت أن نسبة المسجلين في سجل الناخبين وعلى مستوى ليبيا كان  حوالي 2.6 مليون وأن من شاركوا في العملية  الانتخابية وأدلوا بأصواتهم في  7 يوليو 2012 كانوا أكثر من 1.7 مليون وبعد مراجعتي لإحصائية التعداد السكاني لسنة 2013، تبين أن من يحق لهم التصويت في مدن الشرق الليبي برقة حوالي مليون مواطن فقط! فمن أين جاء عدد 917 ألف مفوض، مهروا بأسمائهم في قوائم التفويض المزعوم؟

إذا قلنا أن مدينة درنه لم تشارك، وأن قرابة 25% من سكان أكبر مدن الشرق بنغازي هم مهجرون  بمدن الغرب الليبي والعاصمة طرابلس.

قد يقول  قائل من  أنصار مسرحية التفويض في معرض دفاعه عن النتائج، إن أبناء مدن الجنوب والغرب الليبي شاركوا بالمسرحية، فبحسب رصدي لفعاليات التفويض لم يكن هناك أي  تفويض وبشكل علني لا بمدن الغرب ولا الجنوب، وما يشاع  بأن الجنوب تحت سيطرة قبضة كتائب حفتر، ما هو إلا محض افتراء عار عن الصحة.

فقد صرح أكثر من شخص من أعضاء لجان التفويض، وفي أكثر من مناسبة أن الأوضاع  الأمنية في الجنوب والغرب لا تسمحان لهم  بذكر أسماء المسؤولين عن التفويض عبر الهاتف، وذلك خوفا على سلامتهم.

كما أن كل من مدينة الزنتان والجفرة والشاطئ وسبها وسهل جفارة وبني وليد اللاتي يصر إعلام الكرامة على تصويرهما دائما، بأنهما تحت سيطرة كتائب حفتر، لم نشهد أو نسمع بخيام التفويض المنتشرة  في مدن الشرق، والتي طالما سمعنا جعجعتها، ولم نرى لها طحينا، فهي خلت من المفوضين إلا من بعض الكهول، جرهم الفراغ إليها فوجدوا ضالتهم فيها.

فعندما قامت قناة ليبيا الحدث بجولة لمسرحية الإحصاء لاستمارات التفويض باللجنة المركزية، أي النتائج النهائية كانت أوراق الاستمارات لا تتجاوز بضع المئات، في حين أنه يفترض أن يكون في  الاستمارة بحجم مناسب والتي صممت فقط لعشرين مفوضا في كل ورقة، أي 917 ألف مفوض يتطلب أكثر من 45 ألف ورقة، تحتاج حوالي 90 صندوق وهذا ما لم نشاهده، كما أنهم قاموا باستخدام  برنامج مايكروسوفت لمعالجة النصوص المعروف،‫ بحسب لقاء مع المسرحي محمد امطلل، لمقارنة الأسماء وحذف المتكرر منها، وهذا الأمر لا يمكن إنجازه، بل كان من الأفضل لهم استخدام مايكروسوفت إيكسل،‫ فهوأنجع في عدم وجود منظومة إلكترونية حقيقية.

وأما بالنسبة للتفويض الإلكتروني فقد استخدمت لجان التفويض نماذج شركة جوجل، وهي خدمة مجانية، ولم يقوموا باستخدام خاصية المشاركة لمرة واحدة لكل جهاز شارك في التفويض، بل كانت مفتوحة.

فأنا وعلى الصعيد الشخصي قد أرسلت تفويضا ولأكثر من 26 مرة بأسماء وأرقام بإثباتات شخصية وهمية وغير صحيحة، فقد اعتبرتهم اللجنة المركزية للتفويض أشخاصا حقيقيين، لأنهم لم يستخدموا منظومة الأحوال المدنية الخاصة بالبطاقات الشخصية، ولا منظومة الجوازت، وهي ما يستخدمها المواطن الليبي كإثبات شخصي أمام الجهات العامة والخاصة. فهل يا ترى كم مواطن قام بهذا الفعل مثلي ؟!؟

الملفت في الأمر أن المؤسسات الإعلامية الداعمة لعملية الكرامة، وصنديدها لم تقم بنشرها حتى في خبر قصير.

وقد قمت برصد لهذه المؤسسات الإعلامية، فمثلا وجدت 218 تي في تهتم بخبر فتاة من طرابلس تدير مطعم يقدم الهمبرجر الملونة، وقناة ليبيا 24 كانت تبث قصيدة علي الكيلاني الشهيد، أهم من خبر إعلان رئاسة المشير لحكم البلاد، وبوابة الوسط الإخبارية كانت مهتمة بما يحدث في زمبابوي أكثر من أخبار أعداد أصوات المفوضين، أما موقع بوابة إفريقيا، فخبر زيارة سعد الحريري لباريس كان في مقدمة الأخبار، في حين كانت أخبار حفتر تتصدر عناوين الوكالة ولسنوات ثلاث.

وأما صحيفة الحدث كان لقاء زياد دغيم مع أردوغان محور الاهتمام بدلا، من أنباء تقدمات المشير في التفويض.

وأما 218 الاخبارية، فحجب غبار بركان إندونيسيا، صورة احتفال المفوضين، وقناة ليبيا، فكانت ندوات المجمع الليبي للدراسات، لها اهتمام أكبر فرحة كهول التفويض.

توقعت العواجل باللون الأحمر تملأ شاشات وصفحات هذه المؤسسات والمقالات التحليلية الشمامية، نتاج سنوات النضال والأخبار الحصرية لبن هامل، كما اعتادوا وعودونا: فأين قصص الكواليس لبن عثمان وصيحات المصراتي؟ أين المرعاش وارتعاشه خوفا على شرعية الصندوق الانتخابي؟ أين تلك التغطية المباشرة لساعات يطل علينا بها خبراء؟ أين أنتم ؟

اغمضوا أعينكم وتخيلوا هذا التفويض في طرابلس أوغريان أوالزاوية أو مصراتة! تخيلوا أن التفويض للمنقوش أو السراج أو بادي أو الغصري أو الجويلي أوالغرابلي، رئيسا للبلاد ولأربع سنوات! بهذا فقط نستطيع أن نسمع أصواتكم ونطمئن أنكم لم تصابوا بالكمم.

***

عبد السلام الراجحي ـ كاتب ليبي

_________