Minbar Libya

بقلم محمود غريب

تزايد الحديث عن مستوى الخطورة الذي وصل إليه الاقتصاد الليبي، ولا سيما مع استمرار الخلافات السياسية والمواجهات الأمنية، وهو ما دفع رؤساء المؤسسات الاقتصادية إلى الحديث مجددًا عن ضرورة تدارك الوضع لم يكن آخرهم الصديق الكبير محافظ المركزي بطرابلس،

فقد حذر المبعوث الأممي غسان سلامة من أن ليبيا مهددة بالإفلاس في أقل من 18 شهرًا، وهو ما لا يتناسب مع بلد ينتج أكثر من مليون برميل نفط يوميًا، أرجعها سلامة إلى استفحال الفساد الذي يجر الاقتصاد الليبي إلى الهاوية.

وتحدث سلامة منفردًا عما سماها «بمنظومة اقتصادية» و«طبقة مستفيدة» من الوضع القائم، داعيًا إلى ضرورة كسر تلك المنظومة، التي تعتمد على نهب موارد البلاد.

حزب «الوضع القائم»

وأطلق عليها سلامة حزب «الوضع القائم»، وهي الزاوية التي لم يتطرق إليها محافظا البنك المركزي الصديق الكبير وعلي الحبري أو رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في خضم الاتهامات المتبادلة بينهم، إذ بدت جميعها بيانات لـ النأي بالنفس» وعدم تحمل مسؤولية الوضع المزري للاقتصاد.

سلامة في حواره مع مجلة «ليدرز» التونسية، ذهب إلى أن منظومة الفساد الاقتصادي والنهب التي تكونت بعد سقوط نظام القذافي حظيت بدعم طبقة سياسية تحاول استمرار الوضع القائم وتتشكل من سياسيين ومجموعات مسلّحة ومتعاطي التجارة غير الشرعية وأفراد العصابات الإجرامية.

الفساد المالي والاقتصادي

وكررت هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا الحديث عن الفساد المالي والاقتصادي، لكنّ دون المضي قدمًّا في أي خطوات فعلية لمعالجة الوضع بخلاف إجراء روتيني عندما اعتمدت هيئة مكافحة الفساد استراتيجية جديدة تمثلت في إجراءات داخلية لتحسين أداء الهيئة نفسها، وأخرى تشريعية بتقديم مشروع قانون جديد لمكافحة الفساد.

وبعدما حذّر من خطورة الوضع القائم، دعا المبعوث الأممي إلى تحرك عاجل لكسر منظومة الفساد، محذرا من أنها إذا استمرت تجعل من العملية السياسية «عملية تجميل» فقط، وقال: إن عمليات النهب «بلغت أقصى مستواها ممّا جعلها تخلق أثرياء جددًا كلّ يوم، في حين أصاب الفقر الطبقة الوسطى في الصميم».

وتحدث سلامة عن «انحدار مستوى عيش مجمل الليبيين بنسق سريع للغاية في الوقت الذي تتجمّع فيه الثروات المكتسبة في غالب الأحيان بطرق غير مشروعة بين أيادي أناس تختلف أدوارهم: أفراد عصابات وسياسيون ومنحرفون».

إفقار الطبقة الوسطى

الزاوية الأكثر بروزاً في حديث سلامة هي اتساع عملية إفقار الطبقة الوسطى، الأمر الذي يجعل ليبيا في حاجة إلى مساعدات، إذ أن «عائدات النفط تكفي فقط لدفع رواتب موظفي الدولة، بسبب تكاثرهم غير الطبيعي بل السرطاني خلال السنـوات الستّ الماضية»، وبالتالي لا تتضمّن الميزانية أي شيء للاستثمارات أو لصيانة المستشفيات أو المدارس، وهي لمحة إلى انتشار الفساد والرشوة أيضاً لوصول معدلات التوظيف إلى مستوى قياسي.

وكان مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط قال في وقت سابق إن عدد العاملين بالمؤسسة وحدها وصل العام الجاري إلى 65 ألف موظف، مقارنة بـ39 ألفاً العام 2011.

والغريب، وفق سلامة، أن تضطر «المنظمة الدولية إلى أن تأتي بأموال خارجية لمعالجة الحالة الإنسـانية في بلد ينتج مليوناً أو مليوناً ونصف المليون برميل من النفط يومياً، إذ إن ليبيا التي كان يبلغ متوسط دخل الفرد فيها قبل الثورة 11 ألف دولار وضعها ضمن الدول المتوسطة في العالم التي يبلغ فيها الدخــل الفردي مستوى عالياً نسبيّاً، وهو ما يجعل من الصعب إن لم يكن قانونياً لعدد من المنظّمات الدوليّة أن تقدّم مساعدات لبلد ينتج يومياً مليون ونصف برميل من النفط».

«من الصعب، إن لم يكن غير قانوني، لعدد من المنظّمات الدوليّة أن تقدّم مساعدات لبلد ينتج يوميًا مليون ونصف برميل من النفط».

حديث المبعوث الأممي تزامن مع تبادل تصريحات مسؤولين تنفض عن نفسها مسؤولية الوضع القائم، وذلك بعدما طرح محافظ المصرف المركزي بطرابلس الصديق الكبير حزمة من الإجراءات الاقتصادية رفضها محافظ المصرف بالبيضاء على الحبري وقدّم حلولاً مختلفة.

ورغم أن الكبير لم يتطرق في حديثه إلى قضية الفساد، إلا أن الحبري جدد تصريحات سابقه له بالإشارة إلى أن «الفساد المالي هو سبب هبوط سعر الدينار»، بالإضافة إلى أنَّ «المصارف في ليبيا لا تعمل في إطار اقتصادي صحيح، ويجب تغيير تلك السياسة لأنَّ الاقتصاد الليبي ريعي».

الأطر القانونية

وبغض النظر عن المقترحات الاقتصادية والمالية للخروج من الأزمة، لكنّ الخلاف حول الأطر القانونية والشرعية طفت إلى السطح برد عضو مجلس النواب عبدالسلام نصية على مقترحات الكبير بأن الوضع لا يحتاج حلول بقدر امتثال محافظ المصرف المركزي بطرابلس الصديق الكبير لقرار مجلس النواب بشأن إقالته، وعقد مجلس إدارة المصرف اجتماعاً لتوحيد إدارة المؤسسة، ومن ثمّ التفكير في الحلول وتمريرها من البرلمان.

لكن المفارقة أيضاً تتمثل في إصدار هيئة الرقابة الإدارية قراراً في وقت سابق بإيقاف رئيس هيئة مكافحة الفساد وأربعة موظفين آخرين عن العمل، بسبب بعض التجاوزات الإدارية المالية.

وبدت هيئة الرقابة الإدارية خلال الأسبوع الجاري حازمة عندما أصدرت قرارات بوقف موظفين في سفارة تونس عن العمل، وأنهت خدمات لجنة مبادلة الديون، ووضعت في نهاية الأسبوع 5 نقاط لمكافحة الفساد، تتضمن في مجملها تنظيم العمل الرقابي داخل المؤسسات والقطاعات النفطية مستقبلاً.

____________________