Minbar Libya

بقلم صقر الجيباني

ليلة التاسع من نوفمبر 2016  تفاجأ الشعب الهندي بقرار  جرئ  وصادم من حكومة بلادهم  يقضي بالغاء أكثر من   80% من العملة  المتداولة وفي مهلة محددة لا تتجاوز الست أسابيع واستبدالها بعملة جديدة .

أثارت هذه الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة  موجة عارمة من الغضب الشعبي وأحدثت ردة فعل عنيفة ونتج عنها صبيحة ذلك اليوم  من اصدار القرار والأيام التي تلتها ازدحام كبير من قبل المواطنين الذين وقفوا في   طوابير طويلة وتدافعوا امام المصارف.

بعد مرور عام من هذه التجربة تباينت آراء خبراء المال والإقتصاد في تقييمهم لها بين مشيد بنتائجها ومنتقد لها بشدة وضمن هذا السياق سنترك الخوض في الجدل الذي دار بين الخبراء ونذهب الى اهم الأهداف التي سعت الحكومة الهندية  لتحقيقها من وراء هذا القرار لنحاول معرفة  مدى امكانية وجدوى  تطبيقها على الحالة الليبية  كمخرج من المأزق المالي الراهن .

إرجاع السيولة النقدية للمصارف التجارية واستبدال المعاملات النقدية الورقية بالمدفوعات الإلكترونية  والكشف عن حجم الأموال القذرة بحوزة أباطرة الاقتصاد الأسود وحجزها كانت من بين أبرز الأهداف ، فالإقتصاد الهندي يعاني من مشكلة عزوف المواطنين ايداع أموالهم بالمصارف وتفضيل الإحتفاظ بالسيولة النقدية في الإكتناز والمعاملات التجارية  البعيدة  عن اعين الحكومة  وأجهزتها الرقابية والجبائية .

يواجه الاقتصاد الليبي  نفس المشكلة  حيث يميل  الافراد الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلاً من ايداعها بالحسابات المصرفية ويفضلون المعاملات الاقتصادية الورقية عوضاً  عن المدفوعات  الإلكترونية وذلك بسبب تخلف البنية التحتية المصرفية وطول فترة المقاصة  و زادت هذه المشكلة تعقيداً في السنوات  الأخيرة لدرجة شح السيولة النقدية بالمصارف التجارية  وتحولت الى ازمة خانقة ومن ثم ظاهرة خطيرة بعد انفلات الوضع الامني واقتصاد الحرب الذي تعيشه البلاد و انعدام الثقة في القطاع المصرفي .

قرارمن  هذا النوع بالرغم من كلفته ومساوئه على الإقتصاد الوطني  الا انه من المتوقع أن يحقق الأهداف التالية :

1-  سحب  السيولة النقدية مرة واحدة واعادتها  إلى حسابات المصارف  في زمن قياسي وسيكون ذلك فرصة سانحة للسلطات النقدية لإعادة  هيكلة طبيعة المعاملات الإقتصادية الورقية على اساس نظام الدفع الكتروني بعد تحسين البنية التحتية المصرفية وخطوط الإتصالات وتسريع الإنترنت ونشر البطاقات المصرفية الإلكترونية وزيادة الوعي المصرفي بين  الأفراد .

2- يمكن من خلاله الكشف بسهولة  عن حجم الاموال السوداء  بالإقتصاد الموازي  وإرباك أصحابها  الذين ينهشون  في الإقتصاد الرسمي ليل نهار  كأمراء المليشيات ، مزوري الإعتمادات ، كبار مضاربي العملات ، مهربو الوقود و(السياسيون المنحرفون) كما نعتهم المبعوث الأممي  ، مهربو المخدرات وغيرهم  .

3- سحب العملة النقدية  في التداول دفعة واحدة  بقرارفجائي وسريع يعتبر من الناحية العملية أكثر فاعلية من أي قرار آخر يكون بشكل تدريجي يسعى لتحقيق نفس الأهداف المعلنة  خاصة بعد فشل  كل المحاولات السابقة لإرجاع السيولة النقدية للقطاع المصرفي الليبي .

4- هذا  القرار لو طُبّق  سيعوّض الغاء الفوائد المصرفية لجذب الاموال المكتنزة بالبيوت طوعاً  الى المصارف وذلك بارجاعها هذه المرة جبراً.

5- يجعل المصرف المركزي هوالمتحكم في كمية النقود في التداول  بدلاً من وقوفه متفرجا على 30 مليار دينار خارج سيطرته لم يستطع ارجاع أغلبها  الى الحسابات المصرفية بل زاد من حجمها بطباعة المزيد من العملة والدوران في نفس الحلقة المفرغة من طباعة العملة وضخها بالقطاع المصرفي ومن ثم تسربها خارج المصارف دون رجوعها إليه وهكذا !

6- سحب السيولة النقدية دفعة واحدة وبكميات ضخمة سيحد من معدلات التضخم ويهدئ من عمليات  المضاربة.

خطوة جريئة من هذا النوع محفوفة بالمخاطر   و قد يكتوي بنارها في  البداية الكثيرين  ولكن بعد فشل جميع الحلول والمحاولات في علاج أزمة السيولة ولتطوير الإقتصاد النقدي الوطني وكشف  الفاسدين وردعهم وضم الإقتصاد غيرالرسمي (الموازي) الى الإقتصاد الرسمي.

قد يكون آخر علاج هو(الكيّ ) وعلى قدر المخاطر تكون العوائد .ويبقى ما سبق ذكره مرهوناً بتوحيد السلطة النقدية في البلاد والإستقرار السياسي .

***

صقر الجيباني ـ خبير اقتصادي ليبي

___________