Minbar Libya

بقلم هشام الشلوي

يحيط تاريخ نشأة الدولة الليبية، منتصف القرن الماضي، الكثير من الأساطير التي يحلو لليبيين ترديدها والتسامر بها على مواقد غلي الشاي الأخضر والأحمر؛

كمثل أن الوفد الليبي في مفاوضات الاستقلال أسكر ممثل هاييتي في الأمم المتحدة، إميل سان لو، ما جعل الرجل يترنح ويصوت لصالح استقلال ليبيا. فالخمر وراء استقلالنا.. هكذا تقول تلك الرواية.

رواية أخرى لا تقل أسطورية عن سابقتها، وهي أن ممثل هاييتي انحاز لاستقلال ليبيا؛ لإيمانه بمبادئ التحرر الوطني التي سادت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
لا يستطيع الرواة تصديق أن الأمم المتحدة، منذ نشأتها وحتى اللحظة، هي الممثل المنظم للدول الكبرى، وأن أي مشروع تقسيم أو استقلال لن يمر إلا عبر بوابة هذه الدول.

وكانت القصة أبسط من ذلك بكثير، حيث أن مفاوضات روسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، لم تتفق على صيغة محددة لوضع ليبيا، فكانت النتيجة بعد مارثون من المفاوضات استمر لأكثر من عامين، هي منح ليبيا استقلالها.

فالدولة الوليدة وقتها، والفقيرة، والتي كانت محط صراعات دولية في الحرب العالمية الثانية، وصراع إيطالي فرنسي بريطاني، خرجت كدولة مستقلة من داخل أروقة الأمم المتحدة.

لا يمكن بحال إنكار جهود رجال تلك الفترة في السعي للاستقلال والتحرر، ولكنها كانت رغبة ليس لديها أي قوى ناعمة أو خشنة لدعمها.

بعد أكثر من خمسة عقود، وبعد ثورة شباط/ فبراير التي أسقطت نظام القذافي، عاد الليبيون إلى المربع ذاته، المتمثل في قيادة الأمم المتحدة مفاوضات تسوية وترتيب الأوضاع المتأزمة، بسبب حروب أهلية وصراعات سياسية لها جذور إقليمية توشك أن تصل بالبلد إلى حد الإفلاس.

لم يستطع الليبيون إدارة صراعهم وأزمتهم السياسية، التي سرعان ما استغلتها القاهرة والرياض وأبو ظبي في تفجير الوضع الداخلي، بعد تبني هذه الدول لعملية الكرامة التي تزعمها الجنرال خليفة حفتر، الذي لا يخفي أبدا سعيه لتقليد نموذج السيسي في السيطرة على مقدرات البلاد عسكريا، والإطاحة بكل فرقائه السياسيين.
يجعجع البعض بأننا قادرون على حل أزمتنا، وأننا قادرون على تفكيكها عبر سلسلة من الحوارات الداخلية. إلا أن التجربة أثبتت فشل ذلك.

فالمفاوضات التي أطلقها رئيس المؤتمر الوطني العام السابق نوري أبو سهمين، ورئيس البرلمان الحالي عقلية صالح، في دولة مالطا، لم تسفر عن شيء؛ إذ يعلم الجميع أن الرجلين اتفقا ظرفيا ومحليا فقط على رفض اتفاق الصخيرات، حيث ظنا أن الاتفاق يزيحهما من المشهد السياسي.

ولم يكن لتلك المفاوضات من سند وظهير محلي أو دولي يدعم مخرجاتها ونتائجها.

وتكسرت كل القوى الثورية التطهرية مع مرور الوقت؛ بسبب خروج جماعات ومليشيات مصلحية وبراجماتية جديدة، كما أن تلك القوى الثورية تآكلت من الداخل، حيث أنها لم تخل من فساد مالي ونهب لثروات البلد، وغشيها ما يغشى كل المجموعات البشرية من أخطاء وتحلل وتفكك، حيث أنها رفضت كل صيغة ممكنة للدولة، إلا وفق رؤيتها هي، والتي كانت قاصرة عن كل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

ففي الوقت الذي تسربلت مليشيات حفتر بمسمى الجيش، خلعت تلك القوى عليها كل اسم إلا هذا المسمى، معتقدة أنها ستظل فوق الجميع والدولة إلى ما لانهاية.
ليبيا بلد ممزق، ولا يمكن له أن ينجح في إعادة ضخ الحيوية في عروق الدولة المتيبسة، إلا بقوة كبرى قادرة على إجبار الجميع على الخضوع

تحضرني قصة لبناني يعيش في ليبيا، قص عليّ أنه كان مقاتلا ضمن المليشيات اللبنانية المتصارعة في سبعينيات القرن الماضي، وكيف انتهى به الحال مطاردا بعد أن قويت الدولة اللبنانية وعادت إليها بعض عراها. وهو نفس المصير الذي لحق بأغلب كل تلك القوى المتثورة، الرافضة لمنطق السياسة وإكراهاتها، والتي تظن أن منطق السلاح وحده كفيل ببقائها مدى الدهر متماسكة وصلبة.

ليبيا بلد ممزق، ولا يمكن له أن ينجح في إعادة ضخ الحيوية في عروق الدولة المتيبسة إلا بقوة كبرى قادرة على إجبار الجميع على الخضوع، في معادلة تتضمن توازنات متعددة، ولا تخلو من الإكراهات.

فالمعضلة ليست فقط في حفتر الذي يقتفي أثر السيسي، بدعم دول داحس والغبراء..

المعضلة أيضا في آليات تفكير جزء عريض من التيار الرافض لحفتر، الذي يتعامى عن موازين القوى وتحركاتها، وكيف أنها من الدينامية وعدم الثبات، بحيث يجب تمرين المواقف تبعا لتلك المتغيرات.

***

هشام الشلوي ـ كاتب ليبي

___________