Minbar Libya

 بقلم نزار ميلاد كريكش

تعرض مفهوم الدولة لجدل كبير، ورغم أن الدول وجدت على مر التاريخ إلا أن تعزيز فكرة الدولة وارتباطها بالتصور الوجودي للكون كان من بدع عصر التنوير، فعبر فكرة التقدم والتطورية التاريخية أمكن وجود قوة فوق جدلية قادرة ومحتكمة هي الدولة، هذا الأمر جعل البعض يقول إن هناك خللًا كبيرًا في الإصلاح كمشروع في الأمة الإسلامية.

فكما بيّنا من قبل أن النموذج الذي جعل الدولة أو الخلافة منتهى المسار الإصلاحي والنضالي للإسلاميين هو نموذج تطوري في خلفيته المعرفية وبنائه الخطابي، وهذا الأمر جعل من فكر التغيير عبر المجتمع خاصة في التخلص من الاستبداد، أمر مسلم لدى العاملين في الدعوة الإسلامية خاصة تيار الإخوان المسلمين.

في الجانب المقابل كان فكر الخروج على الحاكم وولاية المتغلب من المسائل التي استطاعت أن تنتصر في الجدل بشأن تغيير الحاكم، فرغم اختلاف الفتوى عن الخروج وجمهور الفقهاء من أهل السنة كانوا يتجنبون سفك الدماء من أجل قضايا الملك، فإن دلائل كثيرة استدل بها بعض المفكرين والعلماء بشأن إمكانية هذا الخروج، خاصة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر ظاهر في الأدلة القرآنية والنبوية.

البيعة المأخوذة عبر رضى الناس وأهل الحل والعقد في المجتمع وهم من يرجع إليهم الناس عادة في صناعة القرار، هي الطريق الطبيعية لتولي السلطة، وهذا لا خلاف عليه تقريبًا اللهم إلا في بعض تفاصيله، لكن السؤال: ماذا سيحدث لو تغلب متغلب على السلطة واستطاع أن يزيح الإمام الشرعي بالقوة ولو لم يمتلك الصفات التي تؤهله لهذه الإمامة؟ هذا هو ما يعرف بولاية المتغلب.

يبدو أن رأي العلماء في هذه المسألة كان واضحًا وهو ضرورة الصبر على هذا المتغلب حتى لا يكون الصراع بشأن السلطة سبيلًا للإضرار بالناس وهذا هو رأي الإمام مالك والشافعي والإمام أحمد وهذا ما نقله النووي والجويني وغيرهم.

ورغم وضوح هذا الرأي من الأئمة المعتبرين فإن الرأي المسطور لدى الحركات الإسلامية يجادل في ذلك، واعتبر أن الصبر على الظلم بهذه الطريقة قد يكون وسيلة لاستمرار الحكم الظالم والاستبداد والإسلام لم يرض بهذا الخنوع والركون، ويرون أن التاريخ الإسلامي يدل على أن الفتن زادت بالتغلب على الحكم أو بالخروج على قواعد الشرعية الإسلامية، وهذا ما حصل بعد خلافة يزيد بن أبي سفيان، فقد كثرت الثورات وأهدر الدم المسلم المحرم، لأن الخروج على قواعد الشريعة أعظم من الخروج على قواعد الإمام.

هذه المسألة هي التي جعلت قضية تكفير الحكام أو بيان خروجهم عن الشريعة مبررًا للخروج واستعمال القوة، حتى الإخوان المسلمين ضمن إطارهم المعرفي قد يلجأون لهذه القوة حين لا يجدي غيرها، والتصور أنه بعد أن يتم تكوين المجتمع المسلم سيقوم هذا المجتمع بتنفيذ المرحلة اللاحقة وهي الحكومة المسلمة.

هذا الأمر بالطبع تطور مع المراجعات التي حدثت، فالعملية الديمقراطية قد تجنب الإسلاميين الفتن والضرر الذي تخوف منه الأئمة والفقهاء من قبل عبر وجود آلية هي صندوق الاقتراع، لذا كان حل الصندوق حلاً منطقيًا للخلاف بشأن المسألة، وإن كان كل ما يستدل فيها من أدلة يؤكد رغبة الشارع في وجود استقرار وحالة من السلطة التي تضبط حركة المجتمع والتي عدها الشاطبي في موافقاته من مقاصد الشرع وعبر عنها بقوله: “من حيث وضع الشريعة لدخول المكلف تحت حكمها، أي أن تكون الشريعة حاكمة ضابطة لحركة المجتمع، وهو هنا لا يتحدث عن الشريعة في فراغ بل يتحدث عن الكيفية التي يجب أن يتبعها الحكام في سياسة الدولة.

لكن كل هذا الجدل لو أمعنا التفكير بُني على أن التغيير سيبدأ من المجتمع سواء قلنا بالسلم أو استعمال القوة.. هل هذا الأمر مسلّم؟ الجواب: لا.

بعد الستينيات من القرن العشرين اتجه علماء السياسة نحو النظرية التي ترى أن التحول نحو الديمقراطية يبدأ من فوق ولا يبدأ من القاعدة المجتمعية ، بل إن تلك النظرية التي تنظر للمجتمع كفاعل للتغيير نحو العدالة والديمقراطية لم تصمد أمام الشواهد التاريخية والدراسات العلمية الرصينة.

ويبدو أن جمهور الفقهاء كان على صواب في رأيه، فالتعامل مع الدول القائمة من خلال المجتمع لن يؤدي إلى تغير مجتمعي بل إلى حالة من العنف يتولاه السلطان يستحيل معه التحول نحو الديمقراطية، فهل يعني هذا السكوت على الظلم والخنوع، بالطبع لا، لكن ما يدرسه العلماء هنا ليس الأمر الشرعي أي ما الذي ينبغي فعله، بل ما الوضع التاريخي والقدري الذي جعله الله وسيلة للتحول نحو العدل.

ما هذه الدراسات؟

بعد أن يذكر عالم الاجتماع تشارلز تيلي أن الدراسات تحولت نحو البناء الفوقي في التحول نحو العدالة (الديمقراطية) وأن ذلك وفقًا لبعض الدراسات التي فصلت في عملية التغيير (الآداتيةنحو الديمقراطية والبناء المجتمعي لهذه التحولات (بنائي)، وأغلب هذه الدراسات التي ظهرت في الستينيات تؤكد أن التحولات التي حدثت في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية تخالف التصور السائد عن التحول من خلال المجتمع، وهذه الدراسات كانت عبر مسح شامل لدراسات تاريخية معمقة في هذه التجارب.

هذا الأمر قد يضيء لنا الكثير من الأحداث التاريخية التي كانت مراحل مشرقة في تاريخنا الإسلامي، ويبين لنا أن السياسة الشرعية في أغلب المراجع التي تتحدث عن السياسة كانت تؤكد أن السلطان جزء أساسي في بناء الرعية والرعية بلا سلطان قد تكون حالة فوضوية والتغيير عبر السلطان قد يأخذ وقتًا أقل بكثير مما يعتقد الكثير من المصلحين، دعنا نذكر بعض هذه الدراسات ثم نتحدث عن بعض المراجع السياسية في تراثنا فهي مثيرة حقًا.

البداية مع المراجعة التاريخية التي قام بها برينجتون مور (1966) الذي راجع من خلال دراسته الموسعة النشوء المجتمعي للديمقراطية والديكتاتورية وراجع فيها ثورات الصين وبريطانيا وروسيا وحاول فيها أن يهز عرش النظرية التي كانت تعطي للمجتمع القدرة على تغيير الأنظمة القائمة، ومن خلال هذه المراجعة نجد أن القوى التي حكمت في هذه الدول رغم الأزمات الأقتصادية التي كانت تعانيها كدول، فإن الطبقات العليا في هذه المجتمعات سواء من ملاك الأراضي عندما كانت الأرض تعني الزراعة والإنتاج أو التغير الذي حدث نحو الرأسمالية عندما أصبحت الأرض سلعة كغيرها من السلع.

لذا عندما حاول الملك تشارلز الأول أن يتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية ليؤثر في مجلس النواب الذي كان مساندًا للبروتستانتية، استطاع البرلمان أن يقر حكم الإعدام في تشارلز، وكان هناك دعم من النبلاء في ذلك إلى أن أقرت الملكية الدستورية، ويرى الكاتب أن ذلك مطرد بدرجات مختلفة من وجود تأثير للويجاركية الحاكمة، فالتغيير يتم في مستوى أعلى من عامة الشعب لذا فإن المجتمع الإنجليزي تمزق من أعلى إلى الأسفل والثورة التي ظهرت هي ثورة لنفس القوى التي أرادت أن تظهر ذلك الغضب للنور.

كانت هذه الدراسة البداية في التفكير أن وجود حلف حاكم وتأييد مجتمعي قد يكون وسيلة لتغيير لا يأخذ الفترة الطويلة التي يظنها أصحاب النظرية التي تنظر للمجتمع عبر نموذج المجتمع الدولة (من أسفل إلى أعلى)، هـذه  الدراسة تستند لدراسة أخرى عن التحول الذي شهدته أمريكا اللاتينية ليكون تصريحًا بإمكانية النظر عبر التحالف الحاكم والوقت القصير الممكن حين يقول عن دراسة تيري كارل في هذا العصر لا يوجد نظام مستقر ديمقراطي نشأ من تحول في النظام عبر انتفاضة الجموع لتمسك بالسلطة، حتى ولفترات قصيرة على أنقاض الطبقة التقليدية الحاكمة، بل إن التغيير الذي يمكن متابعته والتأكد منه تاريخيًا هو بناء النظام الديمقراطي من أعلى.

يأتي نموذج واضح عن ديمقراطية الحلف أو التحالف وذلك في عمل إيڤا ايتزيوني هالڤي نظرية التحالف الديمقراطي الاستقرار مقابل انهيار الديمقراطية، هذه النظرية أخذت حظها من الدراسة وربما ذكر جزءًا منها في السياق الأمريكي نعوم شاومسكي في كتبه ، وهي نظرة تبدو واقعية وترى أن النظام الديمقراطي (المستقر) يستند على مهارة الفئة الحاكمة، والحكمة والولاء وليس على الجموع.

لذا فالنظام الديمقراطي يعتمد على حلف أو تحالف حاكم يملك المهارات الكافية للفعل السياسي والجموع التي لها حق الانتخاب، من ثم تصبح الديمقراطية هي تنظيم الصراع بين التحالفات المتنافسة على السلطة بطريقة سلمية عبر التوجيه والتنافس على أصوات الناخبين، لذلك تبدو الديمقراطية هنا آله لتحفيز الاختيار ولذا يصبح للإعلام الوزن الأكبر، ومع ذلك يبدو المجتمع بعيدًا عن الهزات الكبرى في بنائه الطبقي الذي يراد له دائمًا أن يكون في حدود لا تسمح بوجود ثورات كبرى عبر آلية الرغبة التي تتولاها الرأسمالية .  

هذا يعني أن وجود معتقد مجتمعي أمر مهم من أجل التحول نحو الاستقرار والعدالة لكن من يصنع ذلك ليس مجرد وجود حركات اجتماعية أو انتفاضات شعبية، بل نشأة مؤسسات قادرة على صياغة المجتمع، هذه الصياغة يرى ماكس ويبر أن جانبًا منها يجب أن يكون غيبيًا ويعتمد على عقل جمعي لذا يقول تيلي: “لذا يعتقد البعض أن الإسلام ديمقراطي في طبيعته” .

الأمر أكد لدى كثيرين أن التغيير يكون من السلطات الحاكمة سواء في الثورات التاريخية أو في النظم الديمقراطية الحاكمة، لكن التحول الذي حدث في أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا بين دور السلطات الحاكمة في الأخذ بزمام التغيير وأن التغيير عبر المجتمع قد فشل في أغلب هذه التجارب.

أدم برزورسكي عالم السياسة البولندي الذي عاش تجربة شخصية قادته لهذه الحقيقة يقول: “يبدو أنه خضوع  كامل أو صبر طويل من  جانب منظمات العمال لكي تنجح في عملية التغيير، لذا رغم الحديث عن حكم الشعب وقوة الشعب وإرادة الشعب لكن لغة الديمقراطية نحن نملكها، ليس القادة هم من يصنعونها، هم من الممكن أن يرون أنفسهم ملكيين، فيدراليين أو كونفيدراليين، محافظين أو ليبرليين، ولكن ليس بثنائية ديمقراطي وغير ديمقراطي، لقد أعلنها تشارلز تيلي لا أحد يرى بأن الديمقراطية والاستقرار يصنعه المجتمع!

الأكبر للموضوع كانت مع مجموعة باحثين درسوا الأمر باستفاضة وقارنوا بين الأحداث التاريخية وظهروا بنتيجة مفادها مع أنها أحيانًا تفشل، صناعة الديمقراطية فعل واعٍ لمجموعة حاكمة وليس من صنيعة الجموع أو من المقاتلين والمحاربين من أجل النصر أو الشهادة…”، والتركيز في هذه الدراسة عن مؤسسات الدولة أي أجهزة الدولة التي يقر الباحثون أن بإمكانها أن تنمو بعيدًا عن النظام السياسي، فأمريكا اللاتنية عرفت بعد الحرب العالمية الأولى هذا الدعم العسكري والمالي لمؤسسات الدولة حتى أصبحت منفصلة تقريبًا عن النظام ومن ثم يتشكل النظام من التحالفات المصلحية والتي بإمكانها عبر اختيارها الواعي أن تكود أساسًا للديمقراطية أو الدكتاتورية.

هذ الأمر قد يكون أقدر على تفسير ما حدث بعد الربيع العربي من علاقة بين الموسسة العسكرية والمؤسسة الحاكمة ورجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية، وبهذا يكون التغيير يجب أن يمر عبر تحليل هذه العلاقات المتشابكة وليس مجرد الإيمان بقدرة الناس على التغيير.

بالطبع لا يمكننا أن نغوص أكثر لكن المقصود واضح، وهو أن الدولة عندما تتشكل يصبح النظر لها من منظور بيولوجي تكويني نوعًا من العبث، وهذا من سنن هذا الخلق وطبع الوجود وعادة الله التي ينبغى احترامها، فالنظر للمجتمعات في تكوينها أشبه بتكوين الجنين لا يملك قيمة تشخيصية كما الحال في تشكله وتكوينه، أما بعد أن يصبح خلقًا آخر ويدخل في مرحلة من الشباب أو الكهولة فلا ينبغي النظر إليه كجنين يراد إعادته لسيرته الأولى بل يجب التعامل معه كجسم متكامل لوظيفته، ويبدأ التغيير من خلاله.

هذا الأمر يبدو واضحًا حتى في تاريخنا الإسلامي، لذا لنتتبع ذلك في تاريخنا الإسلامي في جولة سريعة حتى لا نخرج عن إطار الموضوع.

***

نزار ميلاد كريكش ـ كاتب ومفكر ليبي

___________