Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

أخفقت المبادرة الثلاثية لدول جوار ليبيا (الجزائر وتونس ومصر) في الوصول إلى صيغة عملية لحلحلة الأزمة السياسية في هذا البلد، بسبب تباعد مواقفها من أطراف الصراع.

وكان مؤملا أن تساعد هذه المبادرة، في الأقل، على إعطاء دفعة لمهمة موفد الأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة. وبات الأمل بنجاح تلك المهمة الفرصة الأخيرة لمصالحة الليبيين بعضهم مع بعض، والحؤول دون تحول البلد إلى دولة فاشلة.

واستطاع الموفد الأممي جمع وفد «مجلس الدولة» (طرابلس) ووفد البرلمان (مقره في طبرقعلى مائدة واحدة الشهر الماضي في تونس، مفسحا المجال لكل فريق ليطرح رؤيته للحل، مع الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة بينهما، وهو ما يحصل للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.

خطة عمل جديدة

وتأسيسا على نجاح عملية كسر الجليد تلك، قدم موفد الأمين العام أخيرا صيغة لمراجعة اتفاق الصخيرات تقضي بتشكيل السلطة التنفيذية المقبلة من مجلس رئاسة الدولة ومجلس الوزراء، ويتم اختيار أعضاء الحكومة على أساس الكفاءة ويكون مقرها في طرابلس، مع إمكان ممارسة أعمالها من أي مدينة أخرى.

وسيُمنع الجمع بين السلطتين مثلما هو الأمر حاليا مع فائز السراج. وطبقا لمشروع سلامة، الذي أتى تحت عنوان «خطة العمل الجديدة من أجل ليبيا»، لا يجوز لأي عضو في مجلس رئاسة الدولة أو مجلس الوزراء ممارسة أي عمل رسمي خارج المجلس الذي هو عضو فيه، تفاديا للتجاوزات والاخلالات التي تمت في الماضي

ويمتدُ عمل المجلسين على كامل الفترة التي تسبق إجراء انتخابات عامة، برلمانية ورئاسية، بحيث تتكون منهما سلطة انتقالية نحو نظام يقوم على مؤسسات منتخبة.

وخلافا للمجلس الرئاسي الحالي سيتشكل المجلس المقبل من ثلاثة أعضاء (رئيس ونائبان) بدل تسعة حاليا، وسيتخذ قراراته من دون صوت مُرجح، لأن جميع قراراته ستكون بالاجماع.

لكن الصعوبة ستظهر في آلية تشكيل هذا المجلس، بعد العودة إلى اعتماد آلية المحاصصة الإقليمية، التي منحت في السابق ثلاثة مقاعد للغرب ومثلها للشرق (برقة) وثلاثة لفزان (الجنوب)، والتي جعلت الصراعات والتجاذبات المريرة تطغى على العلاقات بين أعضائه.

وفي هذا السياق اقترح سلامة أن تُقدم كل منطقة من المناطق المذكورة ثلاثة أسماء مرشحة لعضوية المجلس على أن يُختار في الأخير واحد منها.

ويقوم بالاختيار أو التزكية عشرة أعضاء من مجلس النواب ومثلهم من المؤتمر الوطني العام الذي انتُخب في 2012، مع العلم أن المجلسين منتهيا الصلاحية. وإذا لم تفز قائمة بتزكية مشتركة فهي ستعتبر ساقطة.
على أن أهم قضية خلافية يتجه سلامة إلى حلها هي معضلة تحديد الصلاحيات الممنوحة لقائد الجيش المُعين من البرلمان المشير خليفة حفتر، والذي يرفض الخضوع لمرجعية مدنية.

والأرجح أن ضغوطا دولية ستُجبره على الامتناع من عرقلة الاتفاق السياسي، وأنه سيكتفي بالاعتراف بدوره على رأس المؤسسة العسكرية، ما يُزيل عقبة رئيسية من طريق الحل بعد ثلاث سنوات من العناد والتلويح بأن الاستقرار في ليبيا يمرُ عبر تسمية حاكم عسكري.

ويقضي مشروع تعديل اتفاق الصخيرات في باب «اختصاصات مجلس رئاسة الدولة» بان يقوم المجلس، مُجتمعا، بمهام القائد الأعلى للجيش، واستطرادا سيكون هو المرجع لقيادة الجيش، التي ستؤول على الأرجح إلى حفتر.

ملتقى وطني العام المقبل

من هنا تتعزز فرص نجاح الخطة الأممية التي يُمهد الطريق لها سلامة بجولات مكوكية على مناطق ليبية مختلفة، زيادة على استقباله وفودا من مناطق ومدن عدة، من أجل «بعث الهوية الليبية مجددا وصياغة عقد وطني جديد».

وسينطلق تنفيذ الخطة من «الملتقى الوطني الليبي» الذي تعد البعثة الأممية لإقامته في شباط/فبراير المقبل، وهو اجتماع موسع شبيه بلقاء «اللوياجيرغا» (تجمع الوجهاء ورؤساء القبائل) في أفغانستان، مع أخذ الخصوصيات الليبية في الاعتبار، ولاسيما الدور الذي لعبه وسيلعبه عمداء البلديات المنتخبون.

وتحظى الخطة بدعم العواصم الغربية المؤثرة في المشهد الليبي وفي مقدمها الولايات المتحدة، إذ أكدت الناطقة الرسمية باسم الإدارة الأمريكية هيذر ناورت أن واشنطن «تُرحبُ بإعلان الأمم المتحدة عن خطة عمل للنهوض بالمصالحة السياسية في ليبيا ومساعدة الشعب الليبي على تحقيق السلام والأمن الدائمين».

واعتمد سلامة في تنفيذ هذه الخطة سياسة الباب المفتوح كونه لم يضع فيتو على أي مُكون من مُكونات المشهد الليبي، بمن فيهم أنصار النظام السابق والمدافعون عن عودة الملكية، فضلا عن تيارات الإسلام السياسي غير المسلحة.

وتندرج هذه الاتصالات والحوارات في أفق عقد «الملتقى الوطني الليبي» قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية، التي تُخطط الأمم المتحدة لإجرائها قبل نهاية العام المقبل، وإن كان إجراء ثلاثة انتخابات في سنة واحدة أمرا شبه مستحيل.

ومن دلائل إصرار الأمم المتحدة على إجراء الانتخابات العام المقبل انطلاق تجهيز المقار التي ستتم فيها عمليات الاقتراع، ففي منطقة بني وليد شرق العاصمة، حيث يتجمع أبناء قبيلة القذاذفة التي ينحدر منها القذافي، لوحظ بدءُ تجهيز المراكز الانتخابية التسعة والعشرين، بالاضافة لأربعة مراكز أخرى تم استحداثها، وتثبيت اللوحات الخاصة بأرقام مراكز الاقتراع.

ثلاثة تحديات

وحدد سلامة، خلال تقديم إحاطته إلى مجلس الأمن الخميس الماضي، التحديات الثلاثة التي تواجه مسار التسوية السياسية حاليا بالإفلات من العقاب عن الجرائم الخطرة التي ارتُكبت، خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والفساد المُعطل للاقتصاد، وتآكل الأصول الليبية المجمدة منذ انهيار النظام السابق.

 وتسبب غياب الدولة وانتشار الأسلحة بأيدي أعضاء الميليشيات إلى بروز أمراء حرب يتحكمون في المدن ويتقاسمون النفوذ الاقتصادي، بما في ذلك إدارة شبكات تهريب وتنفيذ عمليات اختطاف لتحصيل الفدية، وصولا إلى اغتيال قيادات عسكرية وأمنية لقطع الطريق أمام معاودة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية.

وتشكل مسالك بيع النفط الموازية مصدر نزف لثروة البلد الرئيسية ما تسبب بضعضعة الموارد وشح السيولة في الجهاز المصرفي، إضافة إلى ارتفاع جنوني في الأسعار وتوسع مساحة الفقر في البلد. يتزامن هذا التدهور غير المسبوق مع تردي الأوضاع في القطاع الصحي وتراجع الخدمات، لا بل وغلق عدد من المشافي بسبب فقد الأدوية والنقص المتزايد في الكادر الطبي وشبه الطبي.

وحذر سلامة، في ضوء ما رصده من اختلالات بنيوية في الاقتصاد الليبي، من الوصول إلى حال إفلاس مالي في غضون ثمانية عشر شهرا فقط.
مع ذلك ما زالت هناك ثلاث مؤسسات مركزية محافظة على وحدتها، وهي مصرف ليبيا المركزي ومؤسسة النفط ومؤسسة الاستثمار الوطنية.

ويمكن أن تشكل ثلاثتُها النواة الأولى لمعاودة بناء أجهزة الدولة الموحدة، على نحو يُضعف من حجج المطالبين بدولة فدرالية، على الرغم من اتساع مساحة ليبيا، التي تعادل ثلاث مرات مساحة فرنسا، وهو ما يجعل قبضة الدولة المركزية رخوة في جميع الحالات.

ويأتي ضعف الدولة أيضا من تعاظم طبقة الأثرياء الجدد، التي تتغذى من نهب مقدرات البلد، والتي تكمن مصلحتها في استمرار الفوضى الراهنة، مُحتمية بالميليشيات التي تصرف لها الرواتب والعطاءات.

وتضم هذه الطبقة كبار المهربين، بمن فيهم مُهربو المهاجرين غير الشرعيين، وأفراد العصابات المسلحة وأباطرة التجارة المُوازية.

ويعتبر العارفون بالشأن الليبي هذه الطبقة العقبة الرئيسية أمام اجتراح حل سياسي في ليبيا. مع ذلك تتذرع بلدان ديمقراطية بالواقعية السياسية لتبرير التعاطي مع شبكات التهريب والإجرام.

وينطبق ذلك على إيطاليا المُتهمة، حسب صحيفة «نويه تسورخر تسايتونغ» التي تصدر في زيورخ، بدفع مبالغ مالية للميليشيات الليبية من أجل المساعدة في وقف تهريب المهاجرين إلى جزرها الجنوبية.

وأوضحت الصحيفة أن حكومة الوفاق الليبية في طرابلس تحصل بالفعل على مساعدات تقدر بالملايين من الاتحاد الأوروبي، لكن هذه الصفقات الأخيرة تتم مع الميليشيات المسلحة في المدن الساحلية بطريقة مباشرة، وذلك طبقا لمبدأ «من يدفع أكثر» إذ تقدم الحكومة الإيطالية مبالغ أعلى من تلك التي تدفعها عصابات التهريب.

تواطؤ مع المافيا

وأكدت الصحيفة أن القبائل والميليشيات المسلحة ليست متورطة فقط في صفقات تهريب البشر ولكن أيضا النفط، ورجحت أن هذه الجماعات ترتبط بعصابات المافيا في جزيرة صقلية، وهو أمرٌ يثير المخاوف من تقوية شوكتها حتى في الداخل الإيطالي.

لكن بعض المحللين رأى أنه لا بديل عن مثل هذا التعاون على المستوى المحلي، بسبب الفراغ الأمني الذي خلفه سقوط نظام القذافي وفي ظل فشل محاولات تشكيل حكومة مركزية قادرة على فرض سيادتها في جميع أنحاء البلاد.

ومن المفارقات التي نشأت من رحم هذا الوضع أن ليبيا التي تنتج أكثر من مليون برميل من النفط في اليوم بات شعبها في حاجة إلى مساعدات إنسانية بسبب توسُع الفقر، بعدما كانت تُغدق المساعدات والهبات على الدول الافريقية. واليوم تكفي الإيرادات من تصدير النفط بالكاد لصرف رواتب الموظفين، الذين تكاثر عددهم بعد الثورة، لأن الموظف الواحد يتقاضى في غالب الأحيان أكثر من راتب من مؤسسات حكومية مختلفة، فيما تعجز الدولة عن الانفاق على صيانة المدارس أو تحديث المستشفيات أو إصلاح البُنى الأساسية المدمرة.

ومن المفارقات أيضا أن المنظمات الدولية لا تسمح بمنح مساعدات لبلد يُنتج مليون برميل من النفط في اليوم.

وتطول لائحة المفارقات، ما يجعل مهمة الأمم المتحدة حاسمة في تحديد مستقبل ليبيا، إن لم تُشوش عليها الأطراف الداخلية والخارجية التي ليست لها مصلحة في إنهاء النزول الجماعي إلى الجحيم، جحيم الدولة الفاشلة.

***
رشيد خشانة ـ كاتب وصحفي من تونس

____________