Minbar Libya

حاوره عبد الحفيظ الهرقام

ما إن حصل د. غسّان سلامة على موافقة مجلس الأمن على خطّة العمل الجديدة التي عرضها في 20 سبتمبر الماضي في نيويورك لحلّ الأزمة الليبية حتّى انطلقت في تونس اجتماعات لجنة مشتركة بين مجلس الدولة في طرابلس ومجلس النواب في طبرق لتعديل الاتفاق السياسي المبرم في الصخيرات.

ذلك بعد جفاء بين الطرفين استمرّ قرابة عامين، بما يفتح الطريق أمام سلطة مؤقّتة، غير السلطة الحالية، تؤدي إلى انتخابات رئاسية ونيابية وبلدية قبل موفّى سنة 2018 على أن يسبقها استفتاء على الدستور الجديد.

منذ الشروع في تنفيذ الخطة ما فتئ د. غسان سلامة يكثّف اتصالاته بمختلف الفرقاء السياسيين الليبيين سواء بمقرّ البعثة الأمميّة في منطقة البحيرة 2 في العاصمة التونسية أو في مدن ليبية يتنقّل إليها بين الفينة والأخرى.

في حديث حصري خصّ به لأوّل مرّة وسيلة إعلام تونسيّة منذ تعيينه في جوان \يونيو الماضي مبعوثا خاصّا للأمين العام للأمم المتّحدة إلى ليبيا يقيّم د. غسّان سلامة، عند التقائه ناشر ليدرز باللغتين العربية والفرنسية ومديري تحريرهما، الأوضاع الراهنة في ليبيا ويبسط الطريقة التي يتوخاها لإيجاد تسوية سريعة للأزمة المستفحلة في هذا البلد وذلك، بمشاركة ممثّلي كلّ فئات الشعب الليبي دون استثناء.

يشير المبعوث الأممي إلى أنّ الوضع في ليبيا تدهور إلى حدّ جعله يشكّل تهديدا لا لليبيين فحسب وإنّما أيضا للسلم والأمن في المنطقة المتوسطية، مؤكّدا أنّ حالة ليبيا ليست حالة ميؤوسا منها ولكنّها صعبة.

واعتبر أنّ الحالة الليبية فريدة من نوعها إذ بلغ النهب في هذا البلد أقصى مستواه ممّا جعله يخلق أثرياء جددا كلّ يوم، في حين أصاب التفقير الطبقة الوسطى في الصميم، قائلا: « إذا ما استمرّ هذا الوضع ستكون ليبيا في حالة إفلاس مالي في أقلّ من 18 شهرا».

وشدّد د.غسّان سلامة على عقد مؤتمر المصالحة الوطنية الشامل في غضون شهر جانفي القادم والذي سيجمع كلّ فئات الشعب الليبي بشرط أن يكون الممثّل فيه يؤيّد الحلّ السياسي ولا يؤيّد الحلّ العسكري.

وأكّد أنه يريد كسر الاحتكار المفروض من قبل بعض المجموعات وفسح المجال لا فقط أمام أنصار النظام السابق بل وحتّى أمام أنصار المَلكيّة للمشاركة في التسوية السياسية، ملاحظا أنّ ماضي الليبيين لا يهمّه بقدر ما يهمّه مستقبل بلادهم. وإليكم هذا الحديث:

***

لماذا قبلت هذه المهمّة؟

عندما تتوفّر الفرصة للمساهمة في لملمة الجراح العربية النازفة والجرح الليبي واحد منهافإنّي أقبل دائما المهمّة.

تدهور الوضع في ليبيا إلى حدّ جعله يشكّل تهديدا لا لليبيين فحسب وإنّما أيضا للسلم والأمن في المنطقة المتوسطيةهو تهديد لتونس والجزائر ومصر وكذلك للعلاقات شمال جنوب التي تحدق بها مخاطر عدّة، منها الاستيطان الدائم لخلايا إرهابية في ليبيا ونوع من الخوف إزاء الهجرة غير الشرعية في اتّجاه أوروبا، هذه الظاهرة التي لها داخل القارّة تأثير سلبي على الناخبين يؤدي إلى تقوية الشوفينية، كما لاحظنا ذلك مؤخّرا خلال الانتخابات في ألمانيا.

هناك سبب إضافي لقبولي هذه المهمّة: عملت إلى جانب كوفي عنان في إطار منظّمات متعدّدة الأطراف ودرّست في الجامعات.

وفي ما يخصّ دور الأمم المتحدة في ليبيا مرّ نصف عام من الأخذ والردّ ووقعت تعيينات تمّ الاعتراض عليها من خلال فيتو عدد من أعضاء مجلس الأمن. ممّا أضعف دور الأمين العام للأمم المتّحدة. وبعد أن تأكّدت من الموافقة على تعييني، قبلت المهمّة.

هل تلقّيت ضمانات لنجاح مهمّتك؟

لا ألقي على نفسي مثل هذا السؤال. السؤال الوحيد الذي أطرحه هو: هل ينبغي أن أقبل المهمّة أم أرفضها؟ حالة ليبيا ليست حالة ميؤوسا منها ولكنّها صعبة. لنا خطّة عمل واسعة النطاق وطموحة، تتضمّن جملة من العناصر وهي: مراجعة الاتفاق السياسي [المبرم في الصخيرات في 17 نوفمبر 2015] وتنظيم مؤتمر شامل للمصالحة بين الليبيين وإجراء انتخابات رئاسية ونيابية وبلدية قبل موفّى العام القادم، وذلك علاوة على دعم صندوق الاستقرار في ليبيا ونزع سلاح الميليشيات وتوحيد الجيش..، نعمل على تنفيذ هذه العناصر في نفس الوقت والتقدّم بشأنها بلغ مستويات مختلفة.

قلتَ في تصريح سابق إنّ التحضيرات للمؤتمر الوطني الشامل قائمة داخل بعثة الأمم المتّحدة مهما كانت نتائج المفاوضات بشأن تعـديل اتّفاق الصخيرات. هل ترى أنّه بالإمكان القفز على المرحلة الأولى من خطة العمل التي اعتمدها مجلس الأمن، ونعني هذه المفاوضات بالذات، للمرور مباشرة إلى المرحلة الثانية، ونقصد عقد المؤتمر الوطني الشامل؟

لكلّ عنصر من عناصر الاتّفاق السياسي هدف محدّد له وليس مشروطا بالأهداف الأخرى. مهما حصل، نحن نحضّر لانتخابات رئاسية ونيابية وبلدية. ومهما حصل في مفاوضات الاتّفاق السياسي التي هدفها هو فقط إنتاج سلطة مؤقّتة حتّى إجراء الانتخابات وإذا لم يتّفق الليبيون على إنتاج سلطة مؤقّتة غير السلطة التي لديهم، سنذهب باتجاه مؤتمر المصالحة الوطنية الشامل الذي سينعقد في غضون شهر جانفي القادم وسيجمع كلّ فئات الشعب الليبي بشرط أن يكون الممثّل فيه يؤيّد الحلّ السياسي ولا يؤيّد الحلّ العسكري، عناصر الاتّفاق السياسي مستقلّة وتعمل بالتوازي وتصل إلى الهدف نفسه، لكن ليس التقدّم في عنصر ما مرتبطا بالتقدُّم في العنصر الآخر.

كيف ستتعامل مع إشكالية اختيار المشاركين في المؤتمر الوطني الشامل؟

نحن نعمل على تحديد الفئات التي ستكون موجودة فيه، وقد توصّلنا إلى اتّفاق. أمّا بالنسبة إلى الأشخاص، فإنّنا نبحث داخل كلّ فئة عن الناس الأكثر تمثيلا. فإذا كنت ترغب على سبيل المثال في دعوة 20 رئيس بلدية  فإنّك ستبحث عن بلديات فاعلة وموحّدة وغير منقسمة، هيآتها منتخبة وليست معيّنة . ومن خلال وضع شروط إضافية يمكن الوصول إلى 20 إسما.

.. ثمّ الأجندة هي التي تحدّد المشارك . ماذا تريد من هذا المؤتمر؟ أنت تريد بعث الهويّة الليبية من جديد وصياغة ميثاق وطني جديد بين الليبيين، وبالتالي أنت تريد أناسا يمثِّلون قوى حقيقية على الأرض. لكن إذا دخلت في موضوع القبائل ستجد كثيرا من الناس يدّعون تمثيل نفس القبيلة.

لكن دور القيادات التقليدية في ليبيا جدّ مهمّ..؟

دورها مهمّ لكنها متنافسة في ما بينها داخل القبيلة نفسها.

وما العمل إذًا؟

نحن نقوم بدراسة إمبريقية على الأرضلدينا 19 حالة مصالحة قبلية في العديد من الأماكن تشرف عليها حاليا البعثة التي لأعضائها معرفة إمبريقية لمن هم أكثر تمثيلية من غيرهم. لدينا أفكار نسبيّا معقولة ولسنا منحازين لطرف دون الآخر، لذلك نسعى إلى وضع معايير موضوعية لاختيار هذه الشخصيات. ولكن هناك أعمال تحضيرية سيشترك فيها عدد كبير من الليبيين من كلّ الفئات للإعداد لهذا المؤتمر الشامل.

نريد أن نبرز فيه الحكم المحلّي، لذلك يجب أن نفهم معوّقات تنفيذ قانون 59 والتعديلات التي ينبغي القيام بها. ولأنّ وضع السلطة المركزية ضعيف جدّا، فإنّ  البلديات تلعب دورا أساسيا.

ونظرا إلى أنّ ليبيا بلد متّسع الأرجاء، إذ تبلغ مساحته ثلاث مرّات مساحة فرنسا، لا يمكن تجاهل السلطة المحلية، ولكن يتمّ تجاهلها. ونحن نعمل مع الحكومة ومع البلديات للوصول إلى عقد مختلف بين السلطة المركزية والسلطة المحلية. فالأجندا تحتّم إذًا أن يكون رؤساء البلديات موجودين في المؤتمر الوطني الشامل.

هل هناك إمكانية لعودة عدد من رموز نظام القذافي؟

أنا أرجو ذلك. من نقاط ضعف الاتّفاق السياسي البارزة انغلاقه على نفسه. الذين سانــدوه اعتبروه ملكـا خــاصّا لا يريدون تقاسمه مع الآخرين، في حين أنّ الاتفاق السياسي الحقيقي هو الذي يضمن لنفسه الاستمرارية بازدياد عدد المنخرطين فيه كلّ يوم. لذلك أريد كسر هذا الاحتكار المفروض من قبل بعض المجموعات وفســح المجال لا فقط أمام أنصار النظام السابق بل وحتّى أمام أنصار المَلكيّة، وسترون ذلك في المؤتمر الوطني.

لا يهمنّي ماضي الليبيين بقـــدر ما يهمّني مستقبل بلادهم.

إلى أين وصلت مساعيكم لتنفيذ مختلف عناصر خطّة العمل؟

بخصوص مراجعة الاتّفاق السياسي، فهي مبادرة من الليبيين أنفسهم وأنا أؤيّدها. هم يريدون معالجة إشكال السلطة التنفيذية المتكوّنة حاليا من رئيس وحكومة مع تداخل كبير بين صلاحياتهما. لا توجد في اتّفاق الصخيرات أيّة آليّة للفصل بينهما وتحديد مشمولات كلّ طرف منهما. الفصل 12 من هذا الاتّفاق ينصّ على أنّ ذلك يمكن أن يتمّ بالتشاور بين المجلس النيابي الموجود مقرّه بطبرق ومجلس الدولة المستقرّ بطرابلس، على أن يتّفق كلاهما على التعديلات الواجب القيام بها لعــرضها على مصــادقة بــرلمــان طبرق.

لقد نظرنا في هذه التعديلات، ولكن للأسف، هناك طلبات إضافية تتعلّق بدور الجيش والمسار الدستوري.الأجندة يحدّدها الليبيون ولم نقم إِلَّا بترشيد النقاشات.

وأنا سعيد بأن يقبل المجلسان للمرّة الأولى منذ اتّفاق الصخيراتالاعتراف المتبادل وتشكيل لجنة مشتركة، وهذا لم يحصل من قبل. لقد نجحنا في تحديد قواعد عمل هذه اللجنة ودعوة كلّ واحد من الطرفين الإثنين إلى ذكر الخطوط الحمر التي لا يجوز تجاوزها، وهو ما سمح بردم الهوّة بينهما بعد جفاء استمرّ طيلة سنتين.

وفيما يتعلّق بالتعديلات حصل تقدّم كبير بشأن الفصل الثامن الذي يخصّ الجيش، وكذلك بشأن المسار الدستوري وتركيبة السلطة التنفيذية وصلاحياتها واختيار الرئيس ونائبي الرئيس بدل التناوب في نظام حكم ثلاثي.

ما هي نقـاط الخـلاف التي ما تـزال قـائمة؟

اصطدمت مناقشة هذه المسائل بعقبات تتعلقّ بنقاط معيّنة. بشأن المسار الدستوري، هناك خلاف حول الانتقال مباشرة إلى استفتاء على الدستور بعد مراجعته أو دون مراجعته. يخشى البعض أنّ إعادة فتح الحوار حول المراجعة الدستورية قد لا تؤدّي إلى نفس الاتّفاق الحاصل بخصوص الاتّفاق السياسي.

تقدّمنا بشأن الفصل الثامن لكن لا بدّ أيضا من الحصول على موافقة السلط العسكرية. العقبة بخصوص السلطة التنفيذية تكمن في دور كلّ من البرلمان ومجلس الدولة في انتخاب مجلس الرئاسة الجديد.

إثر جولتين من المفاوضات بين الجانبين اعتبرت أنّ اللجنة المشتركة قامت بما كان بوسعها القيام به وطلبت من أعضائها عرض اقتراحات تنزع إلى التوافق على الجهات الراجعة إليها بالنظر وإقناعها بالموافقة عليها.

_ ___________