Minbar Libya

بقلم خليفة علي حدّاد

رفعت عملية “الكرامة”، منذ انطلاقها، في المنطقة الشرقية من ليبيا، شعارات استعادة الأمن والقضاء على “الإرهاب”، وبناء أجهزة الجيش والشرطة، وتوحيد البلاد، وطي صفحة التشظي السياسي والعسكري.

اليوم، وبعد ما يزيد على الثلاث سنوات، يبدو الحصاد مخالفا للحسابات الأولى، فالمعارك الضارية مازالت رحاها تدور في أكثر من موقع، والانفجارات ما انفكت تضرب قلب بنغازي، والتصفيات الجماعية صارت حدثا مألوفا، والبنية التحتية تشهد على الخراب الكبير الذي أحدثته الآلة العسكرية والقصف الجوي الأجنبي، والجسد البرقاوي تمزقه فتن وشروخ اجتماعية يصعب التئامها قريبا.

وسط هذا المشهد المعقد، يبدو مصير المنطقة الشرقية، وليبيا عموما، رهين حسابات داخلية وإقليمية ودولية تضيف إليه عقدا أخرى.

لم تكن صور المذبحة التي ذهب ضحيتها العشرات، قرب مدينة الأبيار، شرق ليبيا، الأولى من نوعها التي تغزو صفحات التواصل الاجتماعي وشاشات الفضائيات، خلال السنتين الأخيرتين.

فقد اعتاد أهالي بنغازي، وعموم برقة، سماع أنباء العثور على جثث الرجال والنساء، ملقاة بمكبات القمامة، بعد التمثيل بها، كما اعتادوا مشاهدة فيديوهات القتل الجماعي التي يشرف عليها وينفذها قائد المحاور بعملية “الكرامة” محمود الورفلي، المطلوب للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية.

وكذلك على مشاهد نبش القبور والتمثيل بالجثث وسحلها بسيارات قوات “الصاعقة”، غير أن السياق الذي نفذت فيه المذبحة يمنحها خصوصية عما سبقها، ويحمّلها رسائل متعددة موجهة إلى الشارع الليبي وإلى أطراف الصراع، وحتى إلى المتدخلين الإقليميين والدوليين، في ظل ما يتسرب عن تجاذبات وصراعات داخل الصف السياسي والعسكري والقبلي الساند لعملية “الكرامة”.

تحالف قبلي وعسكري في الميزان

لم يكن للجنرال خليفة حفتر حظوة تذكر في المنطقة الشرقية من ليبيا قبل سنة 2014، عدا ظهوره، في مناسبات محدودة، خلال ثورة 17 فبراير، إلى جانب قائد كتائب الثوار في بنغازي اللواء عبد الفتاح يونس، ثم خلال توليه، لفترة قصيرة، قيادة أركان القوات البرية، زمن حكومة عبد الرحيم الكيب.

فالرجل المنحدر من قبيلة الفرجان، بالمنطقة الوسطى، لا يتوفر على حاضنة اجتماعية وقبلية تذكر في برقة، في بلد تعد فيه الرافعة القبلية أحد أهم شروط الحضور السياسي والعسكري.

غير أن حالة الفراغ الأمني التي شهدتها المنطقة الشرقية، وبنغازي خصوصا، اعتبارا من سنة 2012، وما تخللتها من اغتيالات وتصفيات غامضة لعدد من الضباط والشخصيات الاعتبارية، وفرت له الفرصة لإعادة تجميع عسكريين وأمنيين سابقين ومنتسبي كتائب، أضيفت إليهم “الصحوات” القبلية و”أولياء الدم”، بتعاون من قيادات قبلية، وبدعم مالي ولوجستي معلن من أطراف إقليمية، على رأسها مصر والإمارات العربية المتحدة.

ورغم الالتفاف القبلي المعلن حول عملية “الكرامة”، في المنطقة الشرقية، منذ انطلاقتها، إلا أن محطات عديدة أظهرت أن هذا الالتفاف لم يكن كما صوره الجهاز الإعلامي القوي المروّج لعملية “الكرامة” وقائدها خليفة حفتر، في الداخل والخارج. فبعد الآمال العريضة التي علقت على العملية لإنجاز حسم سريع للموقف العسكري في بنغازي وعموم برقة، تبيّن، من خلال المعارك التي امتدت على ثلاث سنوات، ومن خلال التفجيرات المتواترة التي لازالت تهز بنغازي، أن الحسم العسكري سيطول أكثر من المتوقع، وأن الكلفة البشرية من شباب القبائل، ترتفع، يوما بعد يوم.

وما زاد الموقف حرجا وقوع أغلب عبء تكلفة الدم على قبائل بعينها، وامتداده ليشمل قيادات ميدانية معتبرة إلى جانب المجندين والمنتسبين. وكانت تصريحات العديد من القيادات القبلية مؤشرا واضحا على خيبة الأمل مما آلت إليه الأوضاع.

وكان حديث شيخ قبيلة العواقير، إحدى كبرى قبائل برقة، ابريك اللواطي، لوسائل الإعلام، منذ سنة، مباشرا، حين كشف عما وصفه بـ”وجود محاصصة قبلية لمراكز السلطة والموارد في شرق ليبيا”، قائلا إن “قبيلة المغاربة أخذت وزارة النفط، وقبيلة العبيدات أخذت البرلمان، وقبيلة البراعصة أخذت الحكومة المؤقتة، ونحن نأخذ وزارة الموت.

في السياق نفسه، بدأت حالات التذمر من طريقة إدارة المعركة في الظهور إلى العلن، منذ أواخر 2015 وبداية 2016، بإعلان عدد من الشخصيات، أبرزها اللواء محمد الحجازي المتحدث باسم عملية “الكرامة”، انشقاقها، وحديثها عن تورط قيادات في التصفيات التي طالت نشطاء وأئمة مساجد وثوارا سابقين وقيادات قبلية، كما تتالت الانشقاقات بعد الحجازي لتشمل قياديين ميدانيين من الصف الأول، بينهم فرج قعيم آمر قوات “المهام الخاصة”، المعيّن، أخيرا، وكيلا لوزراة الداخلية بحكومة الوفاق، ومهدي البرغثي آمر الكتيبة 204 دبابات، الذي عيّن لاحقا وزيرا للدفاع بحكومة الوفاق الوطني.

ورغم الحذر الشديد الذي يبديه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ورئيسه فايز السراج في التعامل مع حفتر، وحرصه الشديد على عدم الإقدام على أي خطوات تصعيدية أو استفزازية تجاهه، فإن تعيين كل من مهدي البرغثي وفرج قعيم في مناصب عسكرية وأمنية رفيعة، وزارة الدفاع للأول ووكالة وزارة الداخلية للثاني، يعد مبادرة قرأها عديد المتابعين، على أنها مساهمة في تكريس حالة التشقق في التحالف العسكري والقبلي الساند لعملية “الكرامة”.

فالعقيد البرغثي، هو مؤسس كتيبة “أولياء الدم” التي لعبت دورا رئيسيا في محاربة مقاتلي “مجلس شورى ثوار بنغازي” وتهجير عائلاتهم، قبل أن ينقلب على حفتر وينضم إلى حكومة الوفاق، ويلعب دورا في إسناد “سرايا الدفاع عن بنغازي” التي انطلقت من الجفرة وشنت هجوما واسعا على قوات حفتر في الهلال النفطي، في شهر مارس من العام الحالي 2017.

أما فرج قعيم، فكان من القيادات الميدانية لعملية “الكرامة”، منذ انطلاقتها، قبل أن ينشق عنها، ويعيّن، منذ أشهر، وكيلا لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، ويتخذ من بنغازي مقرا لعمله، تحت حماية مسلحين من قبيلته.

 اتساع الشرخ الاجتماعي

لم يكن الخراب الكبير الذي لحق البنية التحتية والأحياء السكنية والمنشآت الاقتصادية في بنغازي ومناطق أخرى من برقة، المحصلة الوحيدة للقتال الدامي الدائر، منذ ثلاث سنوات، بين قوات “الكرامة” وقوات “مجلس شورى ثوار بنغازي”.

فعلى الجانب الاجتماعي شهدت بنغازي تهجير ما يقارب ثلث سكانها، بحسب إحصائيات أوردتها جهات رسمية وإغاثية وحقوقية. وفيما اضطر عدد من المهجرين لمغادرة بيوتهم بسبب الاقتتال العشوائي ووقوعهم في مناطق النزاع، فإن النسبة الأكبر تم تهجيرها على خلفية اتهامها بانخراط أفراد منها في الصف المقابل لقوات “الكرامة”، بعد إحراق بيوتها والاستيلاء على أملاكها وتصفية أبنائها، وهو الأمر نفسه الذي شهدته مدينة اجدابيا، عقب سيطرة قوات “الكرامة” عليها، وتشهده الآن المناطق المحاذية لمدينة درنة.

من الطبيعي أن يكون للتهجير والتقتيل، الذي استهدف شرائح سكانية بعينها، تداعياته على التوازن الاجتماعي. ومن الطبيعي، أيضا، أن يصبح شعار “إعادة المهجرين إلى ديارهم” أحد اللافتات الرئيسية التي ترفعها تشكيلات مسلحة على غرار “سرايا الدفاع عن بنغازي”.

تجد من خلالها مدخلا لتعبئة عدد لا يستهان به من الشباب، وهو الأمر الذي بدا جليا في العمليات التي شنتها، بداية العام الحالي، على قوات “الكرامة”، قبل أن تضطر للانكفاء إثر القصف الجوي العنيف الذي استهدف تمركزاتها الخلفية في منطقة الجفرة.

ولم يقتصر الانقسام الاجتماعي على مناطق وقبائل تسند عملية “الكرامة” وأخرى أقل حماسا لها، بل تعداه إلى حدوث مزيد من الشروخ داخل كل قبيلة، ثم داخل كل عائلة.

وإذا كانت مدينة بنغازي المثال الأبرز لهذا الشرخ الذي يتسع، يوما بعد يوم، فإن ما يجري لمدن أخرى، مثل درنة، التي تتعرض للحصار والقصف الجوي، منذ أشهر، لا يخرج عن هذا السياق، خاصة وأن الجهاز الإعلامي لعملية “الكرامة”، وحتى لخصومها، يقدم الأمر على أنه تعبئة من قبائل برقة ضد “مدينة مارقة توفر حاضنة للإرهاب”.

بغض النظر عن المآلات التي يمكن أن يصير إليها المشهد الأمني والسياسي في المنطقة الشرقية، وبغض النظر عما يمكن أن تفرزه الحوارات والتوافقات السياسية الجارية، فإن الدم الغزير الذي يسيل، منذ ثلاث سنوات، ومئات الآلاف الذين تقطعت أواصرهم العائلية والقبلية ووجدوا أنفسهم نازحين في مصراتة وطرابلس وغيرها، سيطبع المشهد الاجتماعي لأمد طويل، وسيخلف شروخا يصعب رتقها، وقد يظل قادحا جاهزا لإشعال حرائق جديدة كلما اقتضت التوازنات والحسابات ذلك. 

التصفيات الجماعيّة و تعميم الرّعب

من المأثور عن نظام القذافي، قدرته العالية على إشاعة جو من الرعب الجماعي من خلال التصفيات الدورية التي واظب على تنفيذها طيلة عقود حكمه. ومازالت ذاكرة الليبيين تستحضر مشاهد حفلات الشنق الجماعي التي تبث على التلفزيون مباشرة، قبل أن تترك الجثث معلقة لأيام عرضة للتمثيل من طرف عناصر أجهزة الأمن واللجان الثورية.

هذه المشاهد عادت، اليوم، بقوة، في برقة، حيث أصبحت الجثث الملقاة في مكبات القمامة ببنغازي، بعد التمثيل بها، حدثا متكررا، كما صارت أشرطة الفيديو المتداولة بشبكات التواصل الاجتماعي لقائد المحاور بعملية “الكرامة” محمود الورفلي، وهو ينفذ الإعدامات الجماعية على طريقة تنظيم الدولة، أمرا مألوفا.

وفي هذا السياق تأتي المجزرة الجماعية التي شهدها طريق الأبيار، منذ أيام، وذهب ضحيتها العشرات من النشطاء، بعضهم كان معتقلا بسجون تابعة لقوات حفتر منذ أشهر.

توحي عدة تفاصيل في عمليات التصفية الجارية بالمنطقة الشرقية بأن منفذيها على درجة عالية من الاحتراف، وأنهم لا يمارسون القتل، فحسب، بل يوجهون رسائل إلى المجتمع البرقاوي، وحتى إلى الفاعلين في عموم المشهد الليبي والمتدخلين الإقليميين والدوليين.

فبعض الذين ذهبوا ضحية مذبحة الأبيار، وقبلها ضحايا آخرون في بنغازي، كانوا من المساندين لعملية “الكرامة” قبل أن يبتعدوا عنها، وفي ذلك رسالة قوية إلى كل من يفكر في الخروج أو المعارضة، خاصة في ظل الخوف من اتساع التشقق القبلي والعسكري الذي يشهده صف “الكرامة”. 

والرسالة الثانية موجهة أيضا إلى المجتمع البرقاوي، ومفادها أن منتسبي أجهزة القذافي الأمنية الذين عززوا صفوف معسكر حفتر بكثافة، وعاد الكثير من قياداتهم من الخارج ليتولوا مناصب متقدمة، مستعدون لتكرار الممارسات السابقة بغرض الهيمنة على المجتمع، بما في ذلك التصفيات الجماعية العلنية.

أما ثالث الرسائل، فيمكن أن تصل إلى الفرقاء الليبيين، وبينهم المجلس الرئاسي، وإلى السياسيين المشاركين في جلسات الحوار، وإلى الرعاة والمتدخلين الإقليميين والدوليين، ومفادها أن عملية “الكرامة” مازالت قادرة على فرض أمر واقع بالقوة في منطقة برقة، وأن التعويل على أطراف أخرى، بما فيها الرئاسي، هو تعويل على من لا سلطة ميدانية له، وهي رسالة بدت واضحة من خلال محاولة التصفية التي تعرض لها وكيل وزارة داخلية الوفاق فرج قعيم، منذ أيام، في بنغازي.

معادلات معقّدة في مشهد متحرك

 لاشك، أن عملية “الكرامة”، اعتمادا على ما سبق تفصيله، لم تعد تلقى الحظوة التي لقيتها عند انطلاقها سنة 2014، كما أن منسوب الآمال التي علقت عليها في توفير الأمن وتوحيد البلاد انحسر كثيرا، وهو ما تشير إليه مؤشرات عدة، بينها تشقق الحاضنة الاجتماعية والقبلية البرقاوية، والعجز عن الحسم العسكري، والفشل في تحقيق الأمن حتى داخل مدينة بنغازي، واتساع الشرخ الاجتماعي جراء الفتن والصراعات التي طالت القبائل والعائلات، وتضخم الملف الحقوقي بالانتهاكات والتصفيات والسجون السرية.

كل هذه المؤشرات، مضافا إليها العجز عن تحقيق اختراق يذكر بالمنطقة الغربية والعاصمة طرابلس، تفتح المشهد على احتمالات مختلفة.

يدرك حفتر، جيدا، أن تماسك الصف الساند لعملية “الكرامة” يعد شرطا لازما لتواصلها ولضمان موقع الرجل القوي له، وهو الأمر الذي يدفعه إلى المداومة على استقبال شيوخ قبائل برقة، ورفع مكانتهم الاعتبارية، وتحميلهم مسؤولية ضبط أبناء قبائلهم، دون الإشارة إلى حالات الانشقاق ولا إلى الانتهاكات التي ذهب ضحيتها أبناء تلك القبائل، فيما اكتفى، في حالات نادرة، كمذبحة طريق الأبيار، بالدعوة إلى فتح تحقيق في الأمر.

وإلى حد الآن، أفلح حفتر في منع حدوث خروج قبلي جماعي عليه، غير أن المتابعين يدركون أن الكثير من الشخصيات التي انخرطت، بالكامل، في الترويج لحفتر، خاصة من النواب وشيوخ القبائل والإعلاميين، على امتداد ثلاث سنوات، بدأت، تتحدث، علنا، عن مخاطر حكم العسكر وعن التصفيات الجماعية التي طالت أقاربها وأبناء عشيرتها الأقربين.

من نافلة القول أن الصراع الدائر في ليبيا ليس صراعا ليبيا – ليبيا خالصا، وهو الأمر الذي يصدق على عملية “الكرامة” التي ما كان لها أن تنطلق أو تتواصل لولا الدعم الإقليمي المعلن سياسيا ولوجستيا وعسكريا.

فالعمليات العسكرية الجوية، التي كان لها الدور الحاسم في ترجيح الكفة في بنغازي ودرنة والجفرة والهلال النفطي، نفذ أغلبها بطائرات أجنبية، وهذا الأمر صار معلنا ومكشوفا، كما أن الجهاز الإعلامي المعبّأ لصالح “الكرامة” يموّل من الخارج، أساسا، وتبث أغلب قنواته من القاهرة ودبي وعمّان.

وعليه، يصعب توقّع تغيير مواقف الصف المساند لعملية “الكرامة”، أو تراجعه، وقبوله بالوصول إلى توافقات توقف نزيف الدم، طالما ظلت المواقف الإقليمية على حالها، وهو ما يبدو جليا من إصرار فريق الحوار الدائر في تونس على تسمية حفتر وزيرا للدفاع مع الإبقاء عليه “قائدا عاما للقوات المسلحة”.

أما الملف الحقوقي والإنساني، فيبدو أنه لا يحظى بالأولوية، حيث لم يطرح على طاولة البحث في أي من زيارات حفتر إلى الخارج، وظلت طلبات الجلب الصادرة عن محكمة الجنايات الدولية ضد قياديين من محيطه مجرد حبر على ورق.

خاتمة

بعد أشهر، تدخل عملية “الكرامة”، في ليبيا، عامها الرابع، دون تحقيق الحسم العسكري السريع الذي بشرت به، ووسط تراجع الآمال التي علقت عليها، حين انطلاقها، وتواتر الاختراقات في الصف القبلي والعسكري الساند لها، وتراكم الانتهاكات والتصفيات الجماعية، غير أن كل ذلك، لا يرقى إلى درجة توقع انحسارها أو رضوخها للتوافقات والمصالحات، في المستقبل القريب، طالما ظلت المواقف الإقليمية على حالها، وطالما ظلت مسارات الحوارات المتناسلة، هنا وهناك، بدون أفق سياسي واضح.

***

خليفة علي حدّاد ـ كاتب وصحفي وخبير في الشأنين التونسي والليبي

________________