Minbar Libya

بقلم قيس قاسم

بين أروقة معبد سيرابيس (السيرابيوم) وعلى مدرجات مسارح مدينة لبتيس ماغنا (لبدة) الأثرية، كان من السهل ملاحظة وجود رجال يحملون السلاح مرتدين ملابس عسكرية،

ما أن اقترب منهم مصورو البرنامج التلفزيوني حتى اكتشفوا أنهم مدنيون ليبيون أخذوا على عاتقهم حماية آثار بلادهم من هجمات محتملة لمقاتلي «داعش»، خوفاً من أن يُبيدوها كما فعلوا في العراق وسورية، وهذا ما لا يتمناه الليبيون لأهم الشواهد على وجود حضارات عاشت وازدهرت على أرض أجدادهم.

بهذا المفتتح يدخل وثائقي «آرتي»، «ليبيا: حماة الآثار» إلى متن موضوعه، الذي خصصه لرصد نشاط استثنائي يقوم به متطوعون ليبيون وآخرون يعملون في دوائر الآثار، تحركوا بدافع الحرص لإخفاء تحف بلادهم النادرة من متناول أيادي، تريد استغلال الفوضى التي تمر بها، لسرقتها والمتاجرة بنفائسها.

يرافق الوثائقي، الموظف السابق علي حريبيش، في جولته اليومية حول الآثار ويستمع إلى حديثه الهادىء حول تاريخ مدينة لبدة الكبرى وآثارها. «هذه الآثار أرث حضاري ليبي وعالمي، علينا الحفاظ عليه وهذا ما انتبهت اليه أيضاً منظمة اليونسكو قبل سنوات فوضعتها ضمن قائمة «التراث العالمي»، ولكن وبسبب الفوضى والحرب الأهلية، التي تمر بها البلاد تطوع نحو عشرات الــشباب من سكانها لحمايتها بأنفسهم من دون مقابل مادي، ريثما تستقر الأوضاع».

من على آخر مدرج من المسرح وقف الحراس متيقظين، ليسهل عليهم رؤية القادمين اليه من البحر والبر، كما كان يفعل حماتها الأولون، حسب تعبير الشاب عبد العزيز. «نقوم بدوريات مراقبة وندقق في هويات القادمين إليها، فوصول «داعش» إلى هنا يعني أيضاً سيطرتهم على مناطق على الطريق مثل مدينة الخمس، لكننا واثقون من أن أهلها كلهم سيواجهونهم ويمنعوهم».

يأخذ علي فريق العمل في جولة حول المدينة الأثرية ويشرح لهم مثل أي دليل سياحي الجوانب التاريخية فيها، مستغلاً وجودهم للتعبير عن حزنه لما جرى في سهل نينوى العراقي وتدمر السورية ومحاولة دخول الغوغاء إلى المتاحف المصرية بداية الحراك الشعبي.

من تلك التجارب استفاد العاملون في المتاحف الليبية فقاموا وكإجراء احترازي بإغلاقها عام 2014 وقام المختصون بإحصاء دقيق لموجوداتها، التي نقلوها إلى أماكن سرية، ومع هذا فقد جرت عمليات سرقة وتهريب لأكثر من 600 قطعة أثرية يتم ملاحقتها الآن بجدية، وفق ما ذكر الآثاري سيف الحسناوي للبرنامج.

«أصدرنا بطاقة بيانات لكل القطع المفقودة، وأعددنا قوائم تفصيلية بها تتضمن صوراً ورسومات توضيحية ليسهل تشخيصها عند ظهورها في السوق السوداء لاحقاً».

على جانب آخر، ينشط حماة الآثار في نقل ما يحتمل أن يكون عرضة لتخريب «داعش» وغيره مثل، «منبر» لأحد الجوامع الأثرية تم تقطيع أعمدة الرخام المحيطة به وحفظها في أماكن بعيدة يمكن العودة اليها لاحقاً وربط الأجزاء المقطعة من جديد.

الخوف ليس من «داعش» فقط بل من التيارات الإسلامية المتشددة التي أرادت ومع بداية سقوط القذافي إزالة كل أثر برأيهم يدل على «الفحشاء». وللتدليل على ذلك، قام أحد الآثارين المختصين بجولة مع الفريق التلفزيوني في مدينة طرابلس، وأشار إلى «نافورة» كان يتوسطها نصب من الرخام لحورية تقف بجانبها غزالة. «قلعوه بحجة أن المرأة كانت عارية».

اليوم يفتح المتحف الوطني أبوابه لطلاب المدارس. تأخذ المدرّسة ربيعة عرفه طلابها في جولات داخل أقسام الحضارات، الفينيقية والرومانية وغيرهما، وعبرها قدّمت لهم معلومات عن تاريخها وصلتهم بها بوصفهم امتداداً بشرياً لحضارة قديمة أُقيمت على أرضهم وعليهم التعلم الكثير عنها ومنها.

يثير استيعاب الحارس المتطوّع على الإعجاب ويتوقف البرنامج ملياً عند عمله التطوعي وفهمه معاني آثار مدينته، باعتبارها إرثاً يعود إلى البشرية كلها، وإن الاعتناء بها وبموجوداتها ومعاملتها كوجهة سياحية يدرُّ نفعاً على سكان المدينة ويساعد على ازدهارها ونموها.

_____________