Minbar Libya

بقلم د. محمد محمد المفـتي

الآن، الجميع يعترف بأن الأزمة الليبية وصلت إلى نهاية طريق مسدود وأن لا شئ تحقق في جلسات تونس الآخيرة. وعند الإلحاح على مخرج يأتي من يصر على إجراء انتخابات، وهو ما يبدو مستحيلا في ظل التوترات السائدة على الأرض مما يحول دون وصول الناخب إلى صناديق الإقـتــــراع ناهيك عن الضغوط الحزبية والجهوية والقبلية التي سـتشوه النتائج.

ولكي تكتـشف حقيقة ما يدور، قد يحالفك الحـظ أحيانا بمشاهدة حلقة هادئة من برنامج «سجال» الذي يديره الإعلامي المتألق محمد زيدان. فهذا السيد إدريس بوفايد عضو مجلس الدولة عن مدينة غريان  يؤكد عدم صدور أي قرار من مجلس الدولة بخصوص جولتي الحوار الأولى والثانية، وهذا أمر خطير يجب أن يحاسب عليه المعرقـل

هناك تلاعب كبير من رئاسة مجلس الدولة وعدم مسؤولية على الرغم من أن الموضوع يمس مصير شعب ووطن للأسف هناك تكــتـّم .. وهناك شيء يحاك في الخفاء ولجنتي الحوار لا تمثلان مجلس النواب ولا مجلس الدولة وهناك عناصر عندها غلو وتطرف مناطقي“.

بالمقابل وفي نفس حلقة سجالأصر عضو مجلس النواب عن مدينة طبرق، الصالحين عبد النبي، على إجراء الانتخابات، وإذا لم تتحقق أو لم تكن نتائجها مرْضية ؟ فكان رده، إذن على الليبيين أن يخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات .!! 

الأكثر مدعاة للأسى بل والرعـب، أن السيد الصالحين قال بعفوية وبلهجة لا تخلو من أسى: ” أن كل دولة من الدول المعـنية واخــذه مجموعة [من ممثلي البرلمان أو مجلس الدولة] وتوجـّه فيهم بناء على مصالحها .. حتى أننا قريب نتحــوّلوا إلى عملاء بدون ما ندري“.

ومادام الأمر بهـذه القــتامة، لماذا إذن لا نبحث عن مسار آخر؟ خاصة وأن هذه الحوارات والاجتهادات  كلفت المواطن االليبي وليبيا باهضًا، وقـد تـقـود لانهيارات ومعاناة أكبر.

***
وفي حـلـقـــة سـابقة من برنامج سجال، طرح مقدم البرنامج على ضيوفه مقـترحا كنت قد ضمنته مقالي بعنوان بالتعيينالأسبوع الماضي. وملخـص ما اقترحته:

أولا دعـوة لتأجيل الجدل القانوني واستبعاد الانتخابات مؤقـتا، وهذه إجراءات تلجأ اليها الدول في ظروف عدم اسـتـقـرار أهون بكثير مما يهددنا.

وثانيا تسمية رئيس حكومة عبر سكرتارية الأمم المتحــدة، يختار هـو فريقه من الوزراء، ليبدأ فورا في حل كل المختنقات التي تمسك برقبة المواطن.

وثالثا، اختيار مجلس رئاسي دون صلاحيات تنفيذية ، يتصدى للمعضلات الكبرى على المدى الأبـعـد، مثل المصالحة الوطنية واستكمال تأسيس الجيش وسحب السلاح العشوائي والاعداد للانتخاباتالخ.

ومهام المجلس الرئاسي تحتاج إلى زمن وربما سنين حتى تخمــد الحساسيات ويســتعـيد الليبيون الثقة ببعضهم البعض.

وأنه يجب أن تشمل المهام المبكرة للمجلس الرئاسي إصدار قانون حكم محلي بإنشاء محافظات، وتعيين محافظين مؤقتين، للسيطرة على القوى المحلية وتنازعاتها“.

وكنت قد أكدت أن المقترح حــلّ أولي وبحاجة لـتـفـاصيل، وأنـه شئ أشــبه بإدارة محرك السيارة بالدفّ، لتـنطـلـق ومن ثم إصلاحها تدريجيا في وقت لاحق.

أي أن المقـتـرح سيمكن أجهزة الدولة من اسـتـعادة فعاليتها لتركز على حل المعضلات الخانقة من سيولة وتضخم وخدمات متردية ونزوحات لا إنسانية وحروب محتملة وغزو بشري من وراء الحدود.

ويجب التـنـويه إلى أن ضعف السلطة التنفيذية ناجم عن تعدد مراكز اتخاذ القرار بين حكومات ومجالس ضعيفة ومنقسمة ، ونتيجة تمادينا في ملاحقة سراب الحوار.

وقـد أكدت أن هذا ليس سوى برنامج إنعاشي أولى لكي تلـتـقـط ليبيا أنفاسها.

ورد أحد ضيوف برنامج سجال بأن الأمم المتحدة لا يمكن أن تتدخل بالكيفية المقـترحة.

وهنا تذكرت ما حدث في ولاية كوسوفو اليوغسلافية قبل عـقـدين من الزمان, ولأن أحداث كوسوفو قد تكون باهتة في أذهان جيل اليوم فلا بأس من تلخيصها لما لها من دلالة بالنسبة لنا.

***
تقع كوسوفو في منطقة البلقان بجنوب شرق أوروبا ، عاصمتها بريشتينا. ويبلغ عدد سكانها مليونين وربع ، معظمهم من المسلمين. وأمست كوسوفو بعد الحرب العالمية الثانية جزءا من جمهورية يوغسلافيا تحت قيادة الجنرال جوزيف بروز تيــتو الذي كان صديقا للرئـيـس جمال عبد الناصر ولزعيم إندونيسيا سوكارنو والزعيم الهندي نهرو ، وهم من أسسوا حركة عدم الانحياز، التي لم تحقق الكثير لدولهم، لكنها ظلت لسنوات منصة لمناكفة القوى العظمى.

تماسك يوغسلافيا ارتبط بشخص الجنرال تيتو الذي توفي سـنة 1980 ، وانتهت يوغسلافيا مع انهيار الكتلة الشيوعية في 1989، إلى دويلات مستقلة ، واندلاع حرب بين البوسنة ذات الغالبية المسلمة والصرب الذين تزعمهم العنصري ميلوسيفيتش . ما تـرتـب على تلك الحرب التي رافقـتها مذابح بشعة ينطوي على دروس جدير بنا أن نتأملها اليوم، حتى وإن اختلفت البدايات والتفاصيل.

ومن باب التذكير فـقـد وقف القذافي إلى جانب الصرب، وكان يزود صديقه  ميلوسيفيتش بالنـفــط (مقابل السلاح).

***
كيف أمكن إيقاف تلك الحرب؟

مفتاح تلك الأزمة تجسد في شخصية الدبلوماسي الأميركي ريتشارد هولبروك المتوفي سنة 2010. ففي الوقت الذي كان دبلوماسيو أوروبا يتسترون على ما يحدث في البوسنة وصربيا، تحمس هولبروك الأميركي للبحث عن حل. وفي عام 1995 قـررالرئيس بيل كلنتون أن يوفــد هـولبروك مبعوثا شخصيا له في البلقان.

الأهم أن هولبروك كـــوّن قناعة بأن مداهــنة قادة الصرب وإرسال المساعدات الإنسانية لضحايا المـعـارك، لن توقف الحرب ولن تحـقـق سـوى إطالة المعاناة. وفـعـلا أدت جـهــود هولبروك إلى تكليف حلف الناتو بشن غارات جوية على القوات الصربية في صيف 1999، أرغمت الصرب على الانسحاب والإذعــان والتوصل إلى إتفاق دايتـون. وهكذا أنهى، خلال أســابيع، حربا بشعة دامت لأكثر من ثلاث ســنوات.

وثمة تـطــور أخـير يـفـتـرض أن يهـمـنـا نحن الليبـيـيـن، وهـو مدى إمكانية الاســتـعـانـه بالمجتمع الدولي كما أشرت. فـفـي 10 يونيو 1999 أصــدر مجلس الأمن الدولي قـراره رقم 1244 الذي وضع كوسوفو تحت إدارة دولية مؤقـتـة يـرأســهـا مبـعـوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة “.

***
الدروس المستفادة والجديرة بأن نتأملـهـا هي:

أولا: من البديهي أن فشل أسلوب معين يجب أن يقود إلى البحث عن أسلوب أكثر فعالية.

ثانـيــا: أن الحزم هـو الأسلوب الوحيد للسيطرة على الانفلات الأمني الذي يروع المدنيين الأبـــرياء ويعطل الحياة. ولابد من القول، من باب الاسـتدراك أن ما نالنا من تدخل الناتو في ليبيا كان مدمرا ، وهـو عامل مسـاهم في ما نـعـانيه اليوم. لكن لنعترف أيضا أن استخدام القوة الجوية الغربية متواصل في ليبيا ، كالغارات الجوية على سرت وعمليات اعـتـقال الأشخاص ونقلهم للتحقيق بالخارج، وهذا ما يعـزز أي قرارات حتى دون استخدام القــوة.

ثالـثــا: إن تجربة كوسوفو مع الأمم المتحدة ، تؤكد أن الاستعانة بالمجتـمـع الدولي ممكنة لتشكيل إدارة ووضع دستور بدلا من التـوهـان في ردهات الفنادق دون جدوى.

وأخـيـرا، إذا كان كل ذلك ممكـنـًا في كـوســوفـو، فـهـل يـسـتـحيل في ليـبـيا ؟.

وهل نستطيع تكييف استجابات المجتمع الدولي بما نطلبه نحن منه، بدلا من تركـه يـفـكر نيابـة عنـا؟؟
ولهــذا يبدو لي أن الصحيح ليس مزيدا من الحوار، بل البدء بقـرار سياسي بتشكيل حكومة لتأدية ما هـو أساسي، وتتجـاوز التشـرذم الحالي والدمار الذي يغذي نفسه بمزيد من الثارات والفساد، كما النــــار في الهشيم.

وللحديث بقية.

***
د. محمد محمد المفـتي ـ طبيب وأديب وكاتب ليبي

___________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك