Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

أظهرت نتائج استطلاع للرأي في ليبيا أن 91 في المئة من المستجوبين غير راضين على الحكومات المتعاقبة وأن 79 في المئة يُطالبون بحل الميليشيات.

وأجرى الاستفتاء المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا (مقره في تونس) خلال سبتمبر (أيلول) الماضي في خمس مدن هي طرابلس وصرمان وزوارة وغريان وصبراتة. وقال المسؤولون عن المركز إن إجراء الاستطلاع في شرق ليبيا تعذر لأسباب أمنية. واعتمد الاستطلاع على عينة مؤلفة من 1211 شخصا ممن تجاوزت سنهم الثمانية عشر، نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث.

الاستفتاء أولا

ورأى الليبيون المُستجوبون أن الحل الأول للأزمة الراهنة يكمن في إجراء استفتاء على مشروع الدستور، الذي بات جاهزا منذ فترة، وتليه في الترتيب ثلاثة حلول أخرى هي حل الميليشيات ثم إجراء انتخابات عامة برلمانية ورئاسية.

وتشابهت الأجوبة في مدينتي صبراتة وغريان في تعلقهما الواضح بسن دستور، إذ بلغت النسبة لديهما حدود 55 في المئة، وهو ما جعل حلّ الميليشيات مسألة أقل أهمية من سن الدستور.

ورجّح عالم الاجتماع الدكتور محمد الجويلي، وهو أحد محرري الاستطلاع، أن يكون الأمر مرتبطا بكون هاتين المدينتين لم تشهدا حضورا قويا للميليشيات، أو أن تأثيرها في الحياة العامة لسكان المدينتين ضعيفٌ مقارنة بالمدن الأخرى موضوع الاستطلاع.

واعتبر 78.6 في المئة من المُستجوبين أن الميليشيات لعبت دورا سلبيا بعد 17 فبراير (شباط) 2011 تاريخ اندلاع انتفاضة على نظام القذافي من مدينة بنغازي (شرق). وعلى هذا الأساس شدد 87 في المئة من المستطلعة آراؤهم على وجوب حلها. واعتبر 43.4 في المئة من المُستجوبين أن ما حدث في 17 فبراير (شباط) تم بتأثيرات خارجية، وهي النسبة الأعلى، وفي درجة ثانية اعتبر 37.9 في المئة منهم أنه ثورة شعبية بالأساس حظيت بدعم خارجي.

وبلغ مستوى عدم الرضا عن الحكومات المتعاقبة منذ 2011 نسبة عالية وصلت إلى 91.1 في المئة. ومنذ ست سنوات تعاقبت عشر حكومات على ليبيا، بعضها لم يُعمر أكثر من بضعة أيام لتعصف به الخلافات السياسية.

وحدد أفراد العينة أربعة أطراف رئيسية اعتبروها مسؤولة عن تفاقم الفساد هي الميليشيات بنسبة 28.9 في المئة، تليها الحكومات بنسبة 26.2 في المئة، ثم أطراف خارجية بنسبة 20.3 في المئة، فـ الأحزاب السياسية بنسبة 12.3 في المئة.

وكان لافتا أن نسبة المستجوبين الذين اعتبروا عودة سيف القذافي إلى الحياة السياسية لم تتجاوز 10 في المئة، بالرغم من كثرة الكلام الإعلامي الذي سوق لعودته إلى المسرح السياسي.

ويُعتقد أن نجل القذافي ما زال مُقيما في منطقة الزنتان التي اعتقلته ميليشياتها في أعقاب انهيار نظام والده قبل ست سنوات. وقضت محكمة في العاصمة طرابلس بإعدامه بعد اتهامه بالتسبب في قتل كثير من المشاركين في انتفاضة 2011.

أحزاب ومستقلون

وتطرق أحد الأسئلة إلى استطلاع درجة استعداد الليبيين للمشاركة في انتخابات ممكنة في المنظور القريب. وجاءت الأجوبة متوقعة من حيث الرفض، إذ بلغت نسبة الرافضين 26.8 في المئة، إضافة للذين لم يحددوا موقفهم بعدُ، وقد وصلت نسبتهم إلى 36.7 في المئة، أي أن الثلثين غير مُتحمسين للمشاركة في الاقتراع.

ولا يمكن تحليل هذا الموقف من دون الإشارة إلى تجربة الليبيين المريرة مع الانتخابات، إذ أن آخر اقتراع شارك فيه الليبيون لم يعط ما كان مأمولا منه، لا بل زادت الأوضاع تدهورا بعد ذلك.

وعادة ما يحدث عزوفٌ عن الانتخابات في الديمقراطيات الناشئة، خصوصا إذا ما جُربت الانتخابات وكان أداء الفائزين دون المأمول. وفي هذا السياق لاحظ الدكتور الجويلي أن فقدان الثقة في من يمثل الشعب على صعيد الهيئات النيابية بات هو الثقافة الحاضرة بقوة الآن، ليس في ليبيا فقط وإنما أيضا في تونس ومصر.

وأضاف أن ما آلت إليه الانتخابات الأخيرة في ليبيا من انسداد للأفق السياسي وظهور ثلاث حكومات تعمل بشكل متواز، وانتقال البرلمان إلى المنطقة الشرقية، كل هذه الأحداث جعلت المواطن الليبي يشك في جدوى ذهابه إلى صناديق الاقتراع مستقبلا.

واستطرادا تطرق الاستطلاع إلى معرفة مدى انخراط المدن في المسار الانتخابي، فأتت مدينة زوارة وفيّة لاتجاهاتها العامة، فهي أقل المدن رفضا للمشاركة في انتخابات مقبلة بنسبة 19.6 في المئة، وأكثر المدن استعدادا للمشاركة بنسبة تفوق النصف 53.8 في المئة.

وتكشف هذه المواقف رغبة أهل المدينة في ترتيب أمورهم عبر تكريس التمثيل في الهيئات المختلفة، سواء أكانت الانتخابات المقبلة بلدية أم برلمانية أم غيرها. وتعكس تلك الرغبة الحرص على تحقيق الضمان الديمقراطي لتعزيز الضمان الإثني كون غالبية سكان زوارة من الأمازيغ.

وأتت مدينة طرابلس حسب نتائج الاستطلاع مترددة، وهي العاصمة التي تجتمع فيها كل الاتجاهات والتيارات والتجاذبات، وكانت نسبة الرافضين المشاركة في الانتخابات (36 في المئة) قريبة من نسبة الذين لا يعلمون (37.7 في المئة) ونسبة الرافضين (26.5 في المئة).

وتُبين هذه النسب حسب الجويلي أن مدينة طرابلس موزعة تقريبا بين كل المواقف الممكنة من انتخابات مقبلة، وكل موقف يكشف عن علاقة محددة بالوضع السياسي العام، وبوضع المدينة على وجه الخصوص.

تردُدُ مدينة طرابلس يقابله وضوح يكاد يكون تاما من مسألة المشاركة في الانتخابات في زوارة. وأشار الاستطلاع هنا أيضا إلى مدينة صرمان التي تتساوى فيها نسب الرافضين ونسب الموافقين على المشاركة، إذ أن 42.9 في المئة أجابوا بلا و45.7 في المئة أجابوا بنعم في ما يتعلق بنوايا المشاركة في الانتخابات، وهي نسب عالية إذا ما أخذت في الاعتبار مواقف المدن الأخرى المعنية بالاستطلاع.

منسوب التفاؤل

وأتت الإجابات على سؤال في شان مدى تفاؤل الليبيين، في ظل الوضع المضطرب الراهن، متجهة نحو التفاؤل أكثر من التشاؤم، إذ عبر 63.7 في المئة عن تفاؤلهم، في مقابل 36.3 في المئة من غير المتفائلين.

ورأى القائمون على الاستطلاع أن التفاؤل الذي أبداه الليبيون في ظل التدهور الأمني والسياسي والمعيشي الراهن، من العناصر المهمة التي يمكن أن يبني عليها السياسيون وصُناع القرار الليبيون مبادراتهم وتحركاتهم من أجل مستقبل البلد.

وأتى استطلاع الرأي، وهو الأول في نوعه منذ 2011 في ظل ضائقة اقتصادية شملت جميع الليبيين، إذ أكد التقرير الأخير للبنك الدولي أن 2.4 مليون مواطن من العدد الإجمالي للسكان (حوالي 6.3 ملايين نسمة)، صاروا بحاجة لمساعدات إنسانية.

وأكد التقرير أن معدلات البطالة المرتفعة لها دور في عدم الاستقرار السائد حالياً في البلد، على الرغم من أن ليبيا تمتلك أكبر مخزون من النفط في افريقيا، وهي تعتمد على إيرادات النفط والغاز بنسبة 95 في المئة لتمويل الموازنات ودفع رواتب الموظفين الحكوميين ونفقات دعم السلع الأساسية والوقود والخدمات الرئيسة، مثل العلاج المجاني في المستشفيات.

غير أن الفوضى السياسية والأمنية أدت لتقليص إنتاج النفط، ما تسبب في أزمة اقتصادية ومالية خانقة، وصلت حد ندرة السيولة في المؤسسات المالية الحكومية والخاصة، ونفاد الأدوية والمواد الغذائية الأساسية من مخازن الدولة.

_____________