Minbar Libya

بقلم أحمد سرور ومنى حجازي

يعتبر استقرار المستوي العام للأسعار ضرورة أساسية لضمان سلامة الاقتصاد الكلي، حيث أن عدم الاستقرار يؤثر سلباً علي التوازن الداخلي والخارجي، إذ يؤثر على القدرة الشرائية للعملة وأسعار الفائدة الحقيقية، ولذلك تسعي الدول للحفاظ علي تحقيق معدلات مقبولة من التضخم من خلال استخدام أدوات السياسات المختلفة المالية والنقدية.

هذا وعلي مدار السنوات الماضية خاصة مع نهاية 2010 بدأت معدلات التضخم في الارتفاع علي مستوي الوطن العربي ككل خاصة دول الربيع العربي، وقد اختلفت الأسباب المؤدية الي تلك الارتفاعات من أسباب داخلية مثل توترات الأوضاع السياسية والأمنية أو كنتيجة لاتخاذ بعض الدول لإجراءات تهدف الي علاج اختلالات هيكلية في اقتصاداتها القومية، أو كنتيجة لأسباب خارجية مثل الصدمات الخارجية خاصة تلك المتعلقة بانخفاض أسعار النفط العالمية، ومع تلك الارتفاعات تتزايد معاناة الشعوب العربية نتيجة لتردي أوضاع المعيشة في أغلب الدول العربية، وعليه يجب علي الدول العربية العمل علي كبح جماح التضخم في بلدانها ولكن مع مراعاة طبقات محدودي الدخل والمهمشين حتي لا يزداد الأمر سوءاً عليهم.

نظرة عامة حول أوضاع التضخم في الدول العربية:

شهد عام 2016 ارتفاع معدل التضخم في الدول العربية كمجموعة ليصل إلى نحو 8.4% مقارنة بـ 6.6% خلال عام 2015، وجاء ذلك كنتيجة أساسية لقيام معظم الدول باتخاذ إجراءات تستهدف خفض مستويات الدعم المقدم خاصة بالنسبة لمواد الوقود والطاقة، إضافة إلى أثر الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول لترشيد الواردات من السلع الكمالية كنتيجة للضغوط التي يتعرض لها سعر صرف الدولار مع انخفاض الموارد من النقد الأجنبي، كما تأثر معدل التضخم عام 2016 بالظروف الاستثنائية التي تمر بها بعض الدول وأثرها على المعروض من السلع والخدمات.

كما زادت معدلات التضخم في معظم الدول العربية خلال الأشهر الأولى من عام  2017 متمثلة في الزيادة التي شهدتها أسعار مجموعات السلع والخدمات كالسكن والماء والكهرباء والغاز والنقل والمواد الغذائية والمشروبات والتعلم والصحة كنتيجة لقیام معظم الدول العربية بتحرير أسعار مواد الطاقة سواء بصورة جزئية أو كلیة.

كما أن قام بعض دول المنطقة بإلغاء الاعفاءات التي كانت تمنح لبعض السلع، أو بزيادة الضرائب والرسوم على العديد من السلع والخدمات أدى إلى زيادة مستويات الأسعار، ويشار أيضا إلى انخفاض المتحصلات من النقد الأجنبي الذي ولد بدوره ضغوطا على سعر صرف العملات المحلية، الأمر الذي أدى إلى زيادة مستوى الضغوط التضخمیة في بعض الدول العربية.

ومن المتوقع أن يصل معدل التضخم للدول العربية كنسبة مجمعة إلى 10% في نهاية عام 2017 ويعود الارتفاع في هذا المعدل المجمع إلى ارتفاع نسبة التضخم في مصر والسودان التي تجاوزت 30% حيث يصبح المعدل المجمع للدول العربية 5.2% في نهاية العام الحالي بدون مصر والسودان، وعلي مستوي عام 2018 فمن المتوقع أن يصل التضخم إلى 10.3% وبدون مصر والسودان يصل إلى 5.8%، ويمكن توضيح ذلك من خلال الشكل التالي:

المصدر/ صندوق النقد العربي، قاعدة بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد، أعداد مختلفة.

توقعات

ويتوقع أن يتأثر معدل التضخم بمجموعة من العوامل المحلية والخارجية، فعلى الصعيد المحلي، من المتوقع أن يتأثر معدل التضخم في الدول العربية باستمرار بعض الدول في اتخاذ الإجراءات الهادفة لتخفيض مستوى الدعم المقدم، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة في عدد من الدول، إضافة إلى احتمال صدور ضرائب أخرى جديدة في بعض الدول مثل ضريبة استهلاك بعض السلع الضارة، كما يتوقع أن يتأثر بمدى تحسن مستويات الإنتاج الزراعي وأثره على المعروض من السلع الغذائية، أما العوامل الخارجية المؤثرة في مستويات التضخم في الدول العربية فتشمل توقع ارتفاع الأسعار العالمية للنفط مع الإجراءات المتخذة لخفض الإنتاج النفطي من قبل الدول المنتجة الرئيسية، كما تشمل تلك العوامل مدى استمرار ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي وأثر ذلك في خفض قيمة الواردات السلعية في الدول العربية التي تتبنى نظما ثابتة للصرف مقابل الدولار، ولذلك قامت بعض الدول بتطبيق سياسات انكماشية بهدف السيطرة علي معدلات التضخم المرتفعة، وفيما يلي عرض تفصيلي لتطور معدلات التضخم علي مستوي مجموعات الدول العربية:

أولامجموعة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي:

شهدت الأشهر الأولى من العام الحالي ارتفاع معدلات التضخم علي مستوي دول المجموعة ككل، حيث وصل معدل التضخم إلى 2.3% ويتوقع أن يصل الي 2.9% خلال عام 2018، ويرجع ذلك الارتفاع الي تمرير معظم دول المجموعة ألية التمرير التلقائي بالإضافة إلى قيام بعض دول المجموعة بتخفيض دعم الطاقة، ويذكر أن معدل التضخم تراجع من 2.9% عام 2016 إلى 2.3% العام الحالي نتيجة لتراجع مستويات السيولة في أغلب دول المجموعة.

المصدر/ صندوق النقد العربي، قاعدة بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد، أعداد مختلفة.

وعلي مستوي دول المجموعه نجد أن:

السعودية:

تراجع معدل التضخم في السعودية في الأشهر الأولى من عام 2017 إلى 2.2% بعد أن وصل في عام 2016 إلى 3.4%، ويرجع هذا الارتفاع إلى تطبيق السعودية لإجراءات التحرير الجزئي لأسعار الطاقة وخفض مستويات الدعم الحكومي، ويأتي ذلك التراجع في عام 2017 نتيجة لتراجع مستويات الطلب المحلي وتراجع معدل النمو في السيولة المتاحة، كما في الشكل التالي:

المصدر/ صندوق النقد العربي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016.

يشير الشكل إلى تراجع معدل النمو في السيولة المحلية من 11.92% عام 2014 إلى 2.59% عام 2015 ثم إلى 0.70% عام 2016.

ومن المتوقع أن يرتفع معدل التضخم في عام 2018 إلى 3.1% كنتيجة لتطبيق المرحلة الثانية من برنامج إصلاح دعم الطاقة بالإضافة إلى تطبيق ضريبة القيمة المضافة المقررة في بداية عام 2018.

قطر:

ارتفع معدل التضخم خلال عام 2016 ليصل إلى 3% مقارنة بـ 1.8% خلال عام 2015، ويعزى ذلك إلى ازدياد مستويات الطلب المحلي مع الاستمرار في تنفيذ مشروعات البنية التحتية المخطط لها، الأمر الذي أدى إلى زيادة أسعار عدد من السلع والخدمات خاصة المساكن، وقد ساعد على الحد من زيادة الأسعار تحسن مستويات المعروض من المساكن وزيادة المنافسة في بعض القطاعات الخدمية الأخرى، كما قامت قطر برفع الدعم الحكومي عن الماء والكهرباء أواخر عام 2015 والمحروقات بداية من عام 2016.

وكما هو الحال في السعودية فقد تراجع معدل النمو في السيولة المحلية في قطر، كما في الشكل التالي:

 المصدر/ صندوق النقد العربي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016.

حيث تراجع معدل النمو في السيولة المحلية من 10.6% عام 2014 إلى 3.44% عام 2015 ثم (4.6%) عام 2016 ما ساعد علي عدم زيادة التضخم لأكثر من 3%، وفي نهاية 2017 يتوقع أن يصل معدل التضخم إلى 3.1% ويزداد في عام 2018 إلى 3.4%، في ضوء توقع معاودة أسعار النفط للارتفاع واستقرار الأسعار العالمية للسلع الأساسية الأخرى مع زيادة مستويات المعروض منها.

إضافة إلى أثر تطبيق ضريبة القيمة المضافة بحلول عام 2018 واحتمال صدور ضرائب أخرى جديدة.

الإمارات:

انخفض معدل التضخم في الإمارات عام 2016 إلى 1.7% بعد أن وصل إلى 4.1% عام 2015، ويرجع ذلك الانخفاض إلى تراجع مستويات الطلب المحلي نتيجة للتباطؤ في تنفيذ العديد من المشروعات الاستثمارية.

وخلال النصف الأول من عام 2017 وصل التضخم إلى 2.7% بينما تراجع في الربع الثاني إلى 2% ويعود ذلك لتراجع أسعار كل من مجموعات السكن والمیاه والكهرباء والغاز بسبب تراجع الذي شهدتها أسعار النفط العالمیة في الربع الثاني وكذلك تباطؤ نمو الوظائف ما أثر سلبا على تضخم الأسعار في تلك المجموعات السلعیة، خاصة في ظل تطبیق آلیة التمریر التلقائي لأسعار الوقود إلى السوق المحلي، أما عن الزيادة في المستوى العام للأسعار في الربع الثاني من عام 2017 انخفاض القوة الشرائیة للدرھم الإماراتي المرتبط بالدولار الامریكي مقابل العملات العالمیة الأخرى ما أدى إلى ارتفاع أسعار الواردات، وبالنسبة للسيولة المحلية فقد تراجع معدل النمو بها، كما في الشكل التالي:

 المصدر/ صندوق النقد العربي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016.

تراجع معدل النمو في السيولة المحلية من 8% عام 2014 الي 5.45% عام 2015 الي 3.3% عام2016، وذلك كإجراء للحد من التضخم.یتوقع ان یبلغ معدل التضخم نحو2.3% في نهاية عام 2017، أما بالنسبة لعام 2018 فمن المتوقع أن یبلغ معدل التضخم نحو1.9%  تماشیا مع التباطؤ المتوقع في المستوى العام لاسعار مجموعة السكن وذلك بالرغم من الآثار التضخمية المتوقعة من واقع تطبیق ضریبة القیمة المضافة المقررة في بدایة عام 2018.

الكويت:

وصل معدل التضخم في الكويت عام 2016 إلى 3.1% نتيجة لاتجاه الحكومة نحو ترشيد مستويات الدعم خاصة بالنسبة لمنتجات الطاقة، وقد ارتفع معدل التضخم في النصف الأول من عام 2017 نتيجة لارتفاع تكاليف النقل وخدمات المسكن بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية والاستمرار في تخفيض دعم الطاقة والمياه، ومن المتوقع أن يبلغ معدل التضخم خلال عام 2017 3.2% و 3.7% في عام 2018.

عمان:

نتيجة لإجراءات تخفيض الدعم علي المحروقات وبعض الخدمات العامة ارتفع معدل التضخم من 0.1% عام 2015 إلى 1.1% عام 2016، وقد ارتفع في النصف الأول من عام 2017 نتيجة لارتفاع أسعار النقل ويتوقع أن يصل في نهاية العام الحالي إلى 2.3% و 2.7% في عام 2017 بدءً مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة في بداية العام المقبل، وقد انخفض معدل النمو في السيولة المحلية إلى 1.8% عام 2016 مقارنة بمعدل نمو 10.02% عام 2015.

البحرين:

تأثر المستوى العام للأسعار خلال عام 2016 بالضغوط التضخمية التي شهدتها المجموعات الخاصة بالنقل، والسكن، والمياه والكهرباء، والغاز وأنواع الوقود الأخرى، والتعليم، والتبغ، ويعزى ذلك للإجراءات التي اتخذتها السلطات لخفض مستويات الدعم المقدم للمحروقات، مستفيدة في ذلك من تراجع أسعار النفط العالمية، إضافة إلى الإجراءات المتخذة لتعديل هيكل الدعم بالنسبة للكهرباء والماء، وبلغ 2.7% خلال عام 2016، ومن المتوقع أن ينخفض إلى  1.6% في نهاية عام 2017 ويرتفع مره أخرى إلى 2.1% عام 2018 مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة.

وبالنسبة لمعدل النمو في السيولة المحلية انخفض من 6.5% عام 2015 إلى 2.95 عام 2015 إلى 2.4% عام 2016 كنتيجة لتطبيق سياسات نقدية انكماشية.

***

أحمد سرور ـ باحث اقتصادي بمركز البديل ومحاضر لدي شركة مايكروسوفت

منى حجازي ـ باحث اقتصادي بوحدة الدراسات الاقتصادية بالمركز

___________