Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

جمهرة كبيرة من سكان المنطقة الشرقية يؤيدون المشير خليفة حفتر، ولسان حال هؤلاء يعبر عنه قولا وفعلا ثُلة من أعضاء البرلمان فعلوا ما لا يُقبل عقلا ولا يسُتساغ ذوقا وذلك في كل المحافل والمناسبات المعنية بمناقشة الوضع الليبي ومنها المفاوضات التي جرت في تونس، لكن عقل وقلب المشير معلق بالغرب وبالعاصمة.

تحضرني قصة طريفة في أدبنا العربي الإسلامي المبرزون فيها عبدالله بن الزبير يوم كان أميرا على مكة والمدينة، ووفد من البصرة جاءوا لبيعته، وقد قدَّموا خطيبهم وشاعرهم الأسيدييتودد بطيب الكلام ويقول في الأمير الشعر والأخير غير عابئ به ولا بقومه حتى أنه قالها صراحة: ليت لي بكل مئة من أهل العراق رجلا من أهل الشام، فرد عليه الأسيدي قائلا : والله يا أمير ما حالنا وحالك إلا كما قال الأعشى:

عُلقتها عرضا وعلقت رجلا…. غيري وعلق أخرى غيرها الرجل

وأردف الأسيدي معقبا: أحبك أهل العراق وأحببت أهل الشام وأحب أهل الشام عبدالملك، يقصد عبدالملك بن مروان.

الدلائل التي تفطن لها كثيرون من بينهم أنصار الكرامة في بنغازي ومدن الشرق تشير بلا خلاف أن حفتر أطلق مشروعه في بنغازي وعينه على طرابلس. ولسنا هنا في معرض الحديث عن الدلائل التي تؤكد صدق رأينا، لكننا نرغب في التنويه إلى المفارقة التي تشبه مفارقة أهل العراق وابن الزبير بن العوام.

ما رشح من مفاوضات تونس خاصة الجولة الثانية يؤكد أن التفاوض تعثر ويتجه للانهيار بسبب إصرار وفد البرلمان، أو بعض أعضائه، على تضمين خليفة حفتر في الاتفاق، وجل هؤلاء من الجهويين أو أنصار الفيدرالية.

لكن المستنصرين بحفتر، الذين يخاصمون بجدارة لأجله ومستعدون لإطالة عمر الأزمة وربما قسم ظهر الوطن حتى يتم تقدير المشير على الشكل الذي يرغب ويريدون، يدركون أنه لا يعبأ كثيرا بهم وببرقة، وأنه رافض للجهوية وللفيدرالية، وأنه يتطلع إلى الوصول للعاصمة.

برر أنصار حفتر دعمهم له بحربه على الإرهاب، والإرهاب قد قضي عليه تقريبا وفق شهادتهم، فلماذا يصرون على فرضه في المشهد وقد شارفت مهمته على الانتهاء؟

ولا يفوتنا أن نذكِّر أن مدن الغرب الليبي قامت بواجب القضاء على تنظيم الدولة أو إضعافه بمقاربات متنوعة. فقد تم الإجهاز على التنظيم بالقتال المباشر بسرت في زمن قياسي بالمقارنة بحرب بنغازي، وتفكيك خلاياه في طرابلس وذلك دون كلفة تذكر.

لكن دعوة القضاء على الإرهاب وتأمين بنغازي باتت محل شك عند القريب من الكرامة قبل البعيد عنها، فمظاهر الفوضى ما تزال قائمة في المدينة، وحوادث الاغتيالات والقتل خارج القانون أصبحت مرعبة، أيضا الاشتباكات بين كتائب مسلحة موجودة وتوازي ما يقع في طرابلس.

بالمقابل فإن الأوضاع المعيشية والخدمية لم تتحسن بل تراجعت كثيرا عما كانت عليه قبل عملية الكرامة، الأمر الذي يقود إلى الحكم أن مهمة حفتر لم تكن ناجحة، أو أن نجاحها صاحبه تداعيات كبيرة وخطيرة، مما يعزز فرضية أن دعم هؤلاء للمشير له دوافع أخرى.

الأهم عندي من كل ما سبق فيما يتعلق بمعيار تقييم حفتر هو ما تنقله لنا تجربة البريطانيون مع زعيمهم المبجل ونستون تشرشل، الذي قاد الحرب على النازية وصار المخلص من خطرها الماحق، لكنهم بعد انتهاء الحرب أرغموه على الابتعاد عبر صناديق الاقتراع.

وبغض النظر عن الأسباب والدواعي، فإن رجال المهمات الأمنية في الغالب لا يفلحون في فترات البناء والتنمية، وذلك لأن عقلية الأمني ومنطلقات تفكيره في الغالب تتناقض ومتطلبات البناء والتنمية، فهل يدرك أنصار المشير هذه المسألة، وهل بالفعل يميزون بين المهمتين، وهل مقبولة دعواهم أن البلاد تعج بالإرهابيين (كل الخصوم إرهابيون) وأنها عملية لم تنته، ولن تنتهي في القريب العاجل، وحفتر خير من يتصدر لها؟!

لا أستطيع الجزم كيف يفكر هؤلاء، لكن أجزم أن هناك خللا في نظرتهم لحفتر وموقفهم منه، وأنهم في حاجة ملحة لإدراك أن الأزمة تتطلب مرونة ووعيا يتعدى التعصب الأعمى والتفكير الضيق والتوثب للحرب ومنطق الاستئصال، وتتطلب أفقا أوسع وتوافقا أعمق يقوم على معايير الوحدة الوطنية والحرص على المصلحة العامة وليس المصالح الضيقة، وعلى تقديم ذوو الأمانة والكفاءة الجانحون للسلم والوئام ولملة الشعث، وتقديمهم على من يقرعون طبول الحرب.

***

السنوسي بسيكري ـ باحث وكاتب ليبي ومدير المركز الليبي للبحوث والتنمية

_________