Minbar Libya

  بقلم نزار ميلاد كريكش

في تجارب هذه الحركات كيف أصبحت الحركة الإسلامية جمعية في الكويت، وحزباً في تونس، وجماعة وحزباً في المغرب وكيف ألغيت تماماً في قطر لقد كان المحرك هو الواقع أمام جمود النموذج

سأل بعض الشباب أحد قادة الإخوان : أما آن الوقت لتغيير نموذج الفرد الأسرة، المجتمع، فرد غاضباَ : هل عندك نموذج غيره !!. والواقع يقول أن العالم مليء بالنماذج المغايرة، بل إن نماذج التغيير امتدت لكل شيء، وقصة هذا النموذجأنه جمع بين التربية والثورة من خلال وجود مراحل تنتهي بالخلافة خاصة أن المرحلة التي تمر من المجتمع للحكومة والدولة قد تشهد نوعاً من الثورة .

في الفترة التي صاحبت نشأة حركة الإخوان المسلمين كانت نظرية التطور الاجتماعي هي السائدة وأخذت أشكالاً عدة منها التطور الجغرافي ويحاول أن يبرز دور العوامل الجغرافية في التطور المجتمعي، والتطور التقني ودوره في تحريك عجلة التاريخ وما تبع ذلك من نشأة علم المستقبليات، والتطورية العنصرية وهي النظرية التي انطلق منها هتلر، والتطورية الاجتماعية لهربرت سبنسر وهي التي تأثر بها محمد عبده ورشيد رضا.

 معظم النماذج التي شرحت الوجود عبر التاريخ تستند لفكرة وجود نواة أو بداية أو جذر ومنه تبدأ النشأة التي تمتد وتتطور بشكل خطي. هذا النمو يأخذ شكل شجرة لها جذر وجذع وفروع تتوجه نحو النور … هذا النموذج يسمى ( شجرة الحياة ) ويعود هذا النموذج لكثير من المشاهير كـ أفلاطون، ستيوارت ميل، فرويد و عقدته المسماة عقدة أوديب، والتي يرى فيها أن كل القضايا النفسية تعود لأزمة واحدة وهي انفصال الطفل عن أمة إلى شجرة السياق عند شومسكي.

هذا التفكير ارتبط بقانون السببية الذي صاحب عصر الأنوار، و امتد للقرن العشرين وأكد لنا اعتقاد الإنسان بالتقدم : نحن دائماً ننظر لمن هو فوقنا بخطوة أو خطوتين ولا نحسن أن ننظر لماهو حولنا !!. هذا التصور هو الأساس الذي نشأت منه فكرة الوطنية والهوية أو العائلة البيولوجية كوحدة مكونة للمجتمع .

لقد كان لهربرت سبنسر ومايعرف بالداروينية الاجتماعية الدور في التركيز على الفرد ( indivdualism) و تبع ذلك الحديث عن الحرية الفردية وحرية العمل والأخطر من ذلك حق الإنسان في العيش بدون حكومة. لكن الأزمة الاقتصادية التي حلت بالاقتصاد العالمي في العقد الثالث من القرن العشرين جعلت التفكير يتجه نحو الدولة كأساس لعمية التغيير وأن الاعتماد على قوانين السوق والفردانية قد يؤدي لكارثة.

ما تبع ذلك من نظريات كانت تتحرك من نفس الخارطة وهي التطورية يقول المرزوقي موضحاً اتحاد النموذج رغم اختلاف النظريات سواء كانت مثالية كما عند هيجل أو (نقيضتها المادية بأشكالها المختلفة , فهيليست إلا صياغة لاهوتية صوفية مستمدة من مجازات سطحية ( مثل المقارنة بمراحل نضوج النبات، أو المقارنة بين مراحل حياة الفرد و حياة الجماعة، وكلها مقارنات سطحية لا تدل على شئ…) أو قياسات لفظية ( مثل المقارنة بين الثالوث وحدود القياس، والتثليث المسيحي إلخ من سطحيات هيجلية خاصة) ومهدوية تسعى إلى تحقيق مايسمى بمدينة الله في الأرض.

إصرارنا على قيم بعينها لا يعطينا الحق في صياغة تلك القيم بالشكل الذي نريد

إذ المادية التاريخية ليست في الحقيقة إلا ذروة وحدة الوجود الطبيعية، حيث يعتبر الإنسان والتاريخ غاية التطور المادي، وهو المدلول الحقيقي للمادية الجدلية .

هذا الرابط بين النظر للكون كوحدة واحدة و(حدة الوجود) هو ما يجعل المرحلية بهذه الصيغة لابد أن تتسم بالشمولية، و كذلك خارجة عن المجتمع أي أنها تقوم بتبرير الواقع من أجل الصورة الذهنية القائمة عبر النظر للتطور التاريخي وماعُبِرَ عنه بمدينة الله في الأرض.

لقد كتب كارل بوبر المجتمع المفتوح وأعداءه، وبين أن هذه النظرة العمدية التي تنتهي بشكل كلي يعبر عن كل الجدليات التي ينشئها التطور المفترض هي في الواقع غفلة عن تعقيد الواقع تنتهي بصاحبها لنظرة أحادية كتلك التي سادت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية . فتلك النظريات التاريخانية كانت تهدف للسيطرة على التغيير الذي صارت الأحداث تثبت أنه في تسارع وكان ذلك عبر تعزيز دور الدولة في السيطرة، هذا الأمر ظهر جلياً في الشيوعية وكيف صارت وظيفة الدولة تشريعية تلغي معها حرية الفرد ومدنية المجتمع.

قام كل من جيلليس ديليوزي و فيليكس جاوتاررى بتحدي نموذج الشجرة . و كانت الفرضية تقول أن هذا النموذج غير مفتوح على المتغيرات كما أنه يمثل نظام طبقي يحدد الأعلى والأسفل من مراحل النمو .لذا يقترحان أن نتخيل الحياة بشكل أفقي و ليس كشكل عمودي من الأسفل للأعلى بل كشكل لامركزي يتحرك في عدة اتجاهات .

نموذج  الريزوم Rhizome هذا يبين الطريقة التي تترابط بها الأمور، هذه العقد الريزومية برز من علم النبات و يشير إلى الزنابق و الزنجيل التي تزحف في الأرض طبع الوجود مفتوح على كثير من النماذج ولا يمكن أن نصر على نموذج واحد في الحركة، فإصرارنا على قيم بعينها لا يعطينا الحق في صياغة تلك القيم بالشكل الذي نريد.

يمكن اعتبار أن نظرية الفرد هذه من الماضي على الأقل في العلوم الاجتماعية، فمدرسة النظم و النسق تتحدث عن تصور آخر لايعطى فيه الفرد ( وليس الإنسان لأن الحديث عن مركب هنا) تلك الأهمية بقدر ما يكون هذا الفرد جزء من موسسة اجتماعية ، و هذا ارتبط بأن سلوك الفرد في مجموعة يختلف عنه كفرد، و أن الثقافة وليس البحث عن أصل تكوين المجتمع هو الذي يحدد درجة ثبات المجتمع، ومن ثم معرفة المساق الذي يتحرك فيه، و هذا المدرسة هي السائدة في الفترات اللاحقة للمدرسة التطورية خاصة بعد النقد الموسع الذي لحق بالدارونية الاجتماعية والتي أعطت الجانب البيولوجي للمجتمع القدر الأكبر من التحليل حتى اعتبرها البعض الآن ( الفرد كمكون للمجتمع ) اسطورة (Mikael‪:2012)

البنوك الإسلامية يمكن اعتبارها نموذج جزئي يعالج مشكلة محددة، وقد استطاع الفكر الإسلامي أن ينقل هذا النموذج من بطون الكتب الفقهية لعمل مؤسسي ناجح ساهم في تدافع النظم الاقتصادية وأثبت قدرته على التغيير ليس في الدول الإسلامية فحسب بل في العالم ككل

هذا يجعلنا أمام تصور آخر للتغيير، ليس فيه تلك اليوتوبيا المستقبلية التي هي ضرورة بالنسبة للنسق الطولي الطبقي ( فلابد أن ينتهي لصورة كلية شاملة وهي الخلافة )، بل إنه يركز على مشاهد متغيرة داخل المجتمع تحتاج لقيادتها عبر منظومة القيم التي تدعي إليها، من خلال دراسة المجتمع في ظواهرة الاجتماعية ومعرفة كيفية التأثير فيها؛ فلايمكن أن تُفهم هذه النظرة الأفقية كطعن في قيمة الانسان أو الأسرة أو المجتمع أو الشرعية أو الخلافة

إن نظرة عمودية كهذه ستتحول طبيعة كماحدث في التاريخ إلى أيديولوجيا مغلقة مالم نفتح ذلك الهيراركي على مصراعية ونرحب بأشكال أخرى للتغيير.

يمكن أن نلمح هذا النموذج الأفقي، بغض النظر عن تفاصيله الآن، في بعض المشاريع الناجحة التي قدمتها المدرسة الإصلاحية للمجتمع، فالبنوك الإسلامية يمكن اعتبارها نموذج جزئي يعالج مشكلة محددة، وقد استطاع الفكر الإسلامي أن ينقل هذا النموذج من بطون الكتب الفقهية لعمل مؤسسي ناجح ساهم في تدافع النظم الاقتصادية وأثبت قدرته على التغيير ليس في الدول الإسلامية فحسب بل في العالم ككل، وكذلك مشاكل مجتمعية وثقافية قد أدى التعامل معها لنتائج قد تفوق تلك التي استطاعت الحركة الإسلامية انتاجها عبر النموذج الكلاني، وذلك كحل مشاكل الزواج وثقافة الطفل و مشاكل الشباب هي أمثلة لبداية التفكير بهذه الطريقة في عالم مليئ بالشبكات.

بالطبع لا يمكن التنكر للنموذج العمودي فقد كان ضرورة عصر، فنظرية نيوتن مثلاً كانت من التجليات لذلك النموذج لكن دورها الآن أصبح محدوداً و لكن ما من فكر إلا له حالة كمون و له وقت يخفت فيه صوته والتعنت يكمن في الاعتقاد بثبات حالة واحدة من حالات الفكر الإنساني.

هناك أشكال عدة لنماذج التغيير غير الشكل الطولي، هناك عشرين نموذج(Mikael:2012) من النماذج التي ترتبط بالسنن الكونية، لا يمكن القول بحسم واحدة منها، لكن لا بد من القول بوجودها، وأن هذه النماذج متغيرة و ليست ثابتة بقدر ما تحقق من أهداف المجتمع، و هذا فارق أساسي بين النظرة المستقبلية التي تنشأ عن التصور الخطي و القدرة على تغيير النماذج مع وجود تصورات مختلفة للأحداث و للظروف و للظواهر الاجتماعية.

النماذج هي الفكرة الأساسية التي يتم من خلالها وضع سيناريو لتفسير الواقع وتحديد أهم المرتكزات التي يمكن أن يتغير من خلالها نحو المستقبل

الحركات الإسلامية قد تحركت وفق هذه النموذج دون إدراك ، فقد درسنا في تجارب هذه الحركات كيف أصبحت الحركة الإسلامية جمعية في الكويت، و حزباً في تونس، وجماعة وحزباً في المغرب وكيف ألغيت تماماً في قطر لقد كان المحرك هو الواقع أمام جمود النموذج؛ و ليس العيب في هذا على المؤسس للنموذج بل الخطأ يكمن في عدم ادراك هذه الكليات والعمل على تغييرها، ظناً من صانع القرار أن النماذج هي القيم أو الأيديولوجيا والأمر ليس كذلك.

القيم (الأيديولوجيا) هي مجموعة مباديء تؤمن بها المؤسسة أما الترابط بين تلك القيم و الحركة بها داخل المجتمع هي أمور متغيرة يجب أن تتغير وإلا وقعت الحركة الاجتماعية في فخ الأيديولويجا المغلقة، وفي هذا يقول د. محمد على الجابري : إن الدوغماتية التي سادت الفكر العربي في العقود الأخيرة كانت تفرض على الناس نوعا واحدا من الرؤية، أو قل الرؤية من زاوية واحدة “.

لعل قائلاً يقول هذا كلام نظري لا يؤثر فما دامت القيم والمنطلقات واحدة فما الذي سيؤثر فيه شكل النموذج؟. بالطبع هذا الكلام غير صحيح، فالنماذج هي الفكرة الأساسية التي يتم من خلالها وضع سيناريو لتفسير الواقع وتحديد أهم المرتكزات التي يمكن أن يتغير من خلالها نحو المستقبل، الذي يسعى الحراك المجتمعي الوصول إليه، كما أنه يحدد قضايا بعينها يوليها العناية دون غيرها، فالاهتمام بالمؤسسات في نموذج معين يختلف عن الاهتمام بالاقتصاد أو بالانسان أو بالدولة.

فالنماذج تعبر عن الأولويات والعلاقات البينية والزمن الذي نحدد به زمن ظهور مؤشرات التغيير، هي سيناريو متكامل يعبر عن المعالم البارزة للتغيير في ذهن المنظّر.

كما أن النماذج تُظهِرُ قراءةَ التاريخ في الفكرة، وفي حالة الإسلام السياسي كان للسيرة دور بارز في الاستدلال بهذه المراحل، و كان لكتب منير الغضبان دور بارز من خلال تقسيم مايسمى بالمنهج الحركي بين سرية التنظيم و جهرية الدعوة .

لكن حتى السيرة كان النموذج هو الحاكم في قراءتها، فقد جهد المفكرون من الاخوان لتبيين هذا التسلسل المرتبط بالتعريف والتكوين والتنفيذ للفرد والاسرة و المجتمع، فالرسول يعرف أصحابه وهم أفراد على قيم الإسلام في دار الأرقم ثم يبدأ التكوين لهم من خلال صفات محددة ليبدأ التنفيذ بعد ذلك من خلال الجهاد في المرحلة المكية، و يبدأ دور الأسرة والمرأة في المراحل التي يتشكل فيها المجتمع خاصة في مكة و غزوة الأحزاب ليبدأ الحديث عن حكومة ودولة وخلافة بعد ذلك.

هذه القرآءة التي تجدها تتكرر في الكتب الحركية وقد تكون هي السائدة في قراءة السيرة للحركات الإسلامية، يمكننا أن نجد عدة قراءات أخرى مغايرة لهذه القرآءة السائدة، ولا أتخيل أن كاتباً سيكتب بدون أن يكون له خارطة ذهنية يقرأ بها السيرة العطرة.

هذا لايعني أن السيرة حمالة أوجه، وأن كل سيقرأ مايريد، بل يعني أن القاريء هو الذي سيأتي للسيرة بخارطة ذهنية هي التي يريد أن يبرزها في عرضه، و هذا أمر طبييعي، أي أن النموذج سيؤثر في هذه القراءة، فبإمكاننا مثلاً أن نعتبر المرحلة المكية هي المرحلة التي عرض الرسول فيها رؤيتة المستقبلية واضحة لقريش ولأهل مكة ، فقد كان أول مافعله بعد البعثة هو مناداته لسادة قريش.

تنبيهه لهم أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد، و أن أمر النبي قد انتشر في مكة وعرفت به الركبان في الفترة التي يقال عنها سّرية، فالرأي العام قد تأثر في تلك الفترة وأن النبي صلي الله عليه وسلم قد جاء المدينة قائداً ورئيساً كتب الدستور وعقد التحالفات، و قاد المعارك ….. فكيف يمكن أن نتخيل التركيز على الأسرة  أوالفرد ونجعل هذا قبل هذا، اللهم إلا أن نعتبر ذلك استدلالاً و قراءة متعددة لخرائط ونماذج بعضها يبرز الاقتصاد وبعضها يبرز التربية وهكذا تصاغ هذه العناصر وفق آهميتها في ذهن الباحث أو الذي يعمل في الشأن العام، لكن أبداً ليس لأي نسق تاريخي قراءة واحدة إلا إذا كان الانسان مصاب بمرض الأيديولوجيا المغلقة !!

أهمية النماذج في تجديد الإسلام السياسي ستظهر أكثر عندما ندرس بعض القضايا التي انطلق منها التيار الإصلاحي منذ أكثر من قرن في المقالات القادمة كعلاقة الدين والدولة والشريعة الإسلامية وتقنينها كما هي بقية هذا الفصل.

***

نزار ميلاد كريكش ـ كاتب ومفكر ليبي

______________