Minbar Libya

بقلم عبد الفتاح الشلوي

يتغنى الليبيون بعهد المملكة الليبية وبملكها الصالح “إدريس السنوسي” رحمه الله تعالى، من خلال جهاده السياسي وسعيه لتأسيس أول دولة ليبية ذات دستور ومؤسسات وقانون في وطنٍ كان يسوده النظام القبلي والتنازع المجتمعي، ويلفه التخلف والفقر والعوز،

بعد أن مَرّ بأصعب مراحله التاريخية المعاصرة المتمثلة في الاحتلال الإيطالي وما شهدته الأرض الليبية من صراعات بين المتقاتلين بالحرب العالمية الثانية بين قوات الحلفاء وقوات المحور والتي كانت إيطاليا أحد أقطابها .

جاء زمن المملكة عقب إعلان استقلال ليبيا عام 1951م، وهيأت بعض الظروف في ذلك الوقت نيل إستقلالها بمساعدة الأمم المتحدة وترسيخًا لكفاح الشعب الليبي ضد الاحتلال لأكثر من ثلاثة عقود وللمجهودات السياسية التي قام بها نشطاء الوطن.

شهدت البلاد نقلات ملحوظة بالتعليم والصحة والإسكان، بعد أن تم الإعلان عن اكتشاف النفط خلال الفترة 1955 – 1960 ، وولادة دولة المؤسسات والقانون، دون إغفال بعض السلبيات والتي لم تكن طارئة ومستغربة على مرحلة التحول بدولة وليدة.

غير أن ذلك لم يستمر طويلًا، حتى جاء انقلاب سبتمبر 1969م قاطعًا لزمن المملكة الوليد، ونسف تاريخها وإيجابياته، بل أتى عليه بشئ من الزيف والتدليس، منذ عامها الأول، فنعتوا ملكها بما لا يليق، وسجنوا رجال الدولة، وبقيت ليبيا تحت سلطة القذافي 42 سنة.

وبقيام ثورة فبراير عاد الحنين لزمن المملكة الليبية، فرفع الليبيون علمها، وصدحت حناجرهم بنشيد الاستقلال، ورُفعت صور الملك “إدريس السنوسي” وارتفعت الأصوات المنادية بعودة النظام الملكي إلى ليبيا، وازدادت وتيرته مع إخفاق متصدري المشهد السياسي وعجزهم عن وضع الحلول لأبسط المشاكل التي تطحن المواطن بشكل يومي.

أطلق القائمون على المشروع شعار ”عودة الملكية الدستورية لا غالب ولا مغلوب” وعقدوا عدة لقاءات داخل وخارج الوطن، وعلى عديد المستويات لأجل تحقيق هذا الهدف، وما انفكوا يطالبون به حتى اليوم، والأمل يحدوهم في تحقيق حُلمهم،

وهاهم اليوم يريدون استنساخ مؤتمر غريان الذي عُقد عام 1920م ونتج عنه بيعة الأمير إدريس 1922م، ومع أنني أتوق لما يتوقون إليه، إلا أنني أرى باختلاف الظروف بين الزمنين، فتفعيل دستور الإستقلال وعودة الملكية لليبيا ليس في حكم المستحيل، لكنه في الدرجة الحمراء من الصعوبة، لماذا ؟ عدة مسببات تؤيد ذلك.

فقد جاء النظام الملكي والأرضية مهيأة، شعب خرج لتوه من مرحلة استعمارية بغيضة، مجتمعٌ منهكٌ يتطلع للعيش الكريم، لم يكن ثمة فاصل زمني فظهور الليبيين مازالت تُمهر بسياط الجلاد الفاشستي، والبطون خاوية، والجيوب لا تعرف المال، وشعب يتسم بالعفوية والبساطة، وقبل أن يكون ملكهم سياسيًا فهو سليل عائلة تربطهم بها صلة روحية،

فالحركة الدينية السنوسية هي إصلاحية تجديدية قبل أن تكون سياسية، وبطبيعة المجتمع في ذلك الوقت فقد كان التعرض لملكهم يعني رفض معتقدهم، طبيعي أن ذلك ليس بوجه العموم، لكنه كان موجودًا وبقوة خاصة بإقليم برقة.

وكانت الظروف الدولية مواتية في ذلك الوقت وليست بالصورة التي عليها العالم اليوم، تمامًا كما لم يكن عليه مجتمعنا اليوم، من تهلهل لحمته الإجتماعية، والشقاق بين المدن، والعزف على وتر الجهوية والقبلية والمتاجرة بهما، وتوظيفهما لتحقيق مكاسب شخصية، وانتشار السلاح، وفوضى استخدامه، والانقسام السياسي، وما نجم عنه من عدم قدرة الدولة على بسط سيطرتها نتيجة للانفلات الأمني، والتدخل الخاجي المتضارب بالشأن الليبي.

صحيح أن العودة لدستور 51 قد تُخرجنا مما نحن فيه اليوم، لكنه ومن خلال ما أشرت إليه قد يزيد الأمر سوءً، لأن هناك من يدعمه كما هو، وهناك من يطالب بالدستور المعدل 1963م وهذا في حد ذاته مشروع خلاف .

ولعل بواكير رفض ربط الحركة السنوسية بالمسألة السياسة ظهرت بعد أن أُجْتِزت فقرةٌ من نشيد الاستقلال والتي تشيد بدور الملك الصالح إدريس السنوسي ( حيوا إدريس سليل الفاتحين ، إنه في ليبيا رمز الجهاد) وهذه دلالة وبينة على خلاف وُلد مع إطلاق صرخة الحياة لثورة فبراير في تلك الأيام، فما بالك اليوم؟ !!

ولا أحد منا حتى الساعة يعرف من اتخذ قرار حذف هذه الفقرة، ولا ما هي مبرراتها، لكنها تبدي بعض الذي أشرت إليه .

ناهيك عن أن عودة الملكية تواجه بعض المعرقلات الداخلية، منها تحديد الوريث الشرعي للحكم، فالأمير “محمد الحسن الرضا” يصغر شقيقه “المهدي” الضابط بالسلاح الملكي الأردني، وقد نشأ ونهل من أجواء النُظم الملكية، وسيسانده قانون التوريث إن أراد خوض غمار السياسية، بخلاف الأمير “محمد” الذي يملك ورقة الوصية بالحكم من والده رحمه الله، ويعيب عليه البعض عملية الكمون السياسي التي رافقته وعدم ظهور ومواكبته للأحداث مذ انطلاقة فبراير، وإن كانت حجته في ذلك غير مقنعة وهو يرى عدم الجز بنفسه بالمعترك السياسي، أو الانحياز لأي طرف من الأطراف.

فغيابه وعدم تواصله وظهوره بالمشهد كانت سلبية على الأقل بالنسبة للمواطن العادي، وإن كانت السياسة لا تعتمد على أُطر جامدة، وكل الاحتمالات متوقعة، لكن الحقيقة الراسخة هى أن زمنيّ المملكة مختلفين اختلافًا كبيرًا، والدولة الليبية تمر بمرحلة شوكية متقلبة .

ولننتظر ما سيتمخض عنه مؤتمر غريان ، وإن كان لا يحظى بإجماع مؤيدي عودة الملكية، مهما قلّ عدد الغائبين منهم، والمستهدف بالحضور 600 شخصية على رأسها مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، لكن لعل البيان الذي صدر عن التنسيقية حوله ينبئ عن شقاق وخلاف داخلي بالبيت الواحد، فبعض أعضاء التنسيقية المعارضين بذلوا جهودًا لا يمكن تجاهلها أو التقليل منها، ويبقى المعروض رهن بنتائج الملتقى، فنجاحه سينقل المشروع لدائرة أكثر إضاءة، وفشله سيجعله ضمن عديد المشاريع السياسية التي لا هي سادت ولا هي بادت.

***

عبد الفتاح الشلوي ـ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

___________