Minbar Libya

بقلم شُكْري السنكي

انعقد مؤتمر غريانالدّاعي لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكيّة الدّستوريّة لليبَيا، يوم الثلاثاء الموافق 31 أكتوبر 2017م، بحضور مجموعة مِن ممثلي حراك العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة مِن مناطق ليبَيا كافة ومختلف مكونات نسيجنا الاجتماعي عرباً وتبواً وطوارقاً وأمازيغاً.

وجدد المجتمعون فِي هذا الاجتماع التاريخي، التأكيد على ضرورة العودة للشّرعيّة الدّستوريّة لإعادة تأسيس دولتنا على الأسس الّتي كانت عليها يوم 31 أغسطس 1969م، بحكم أن مَا حدث فِي الأوَّل مِن سبتمبر 1969م كان انقلاباً واستيلاءً على السّلطة بِقوَّةِ السّلاح، فالعودة إِلى اليوم الّذِي سبق يوم الانقلاب، يمنع أو يقطع الطريق أمام أيَّ انقلاب فِي المُسْتقبل، وينهي عمر المراحل الانتقاليّة الّتي طال مداها، ويستأنف الحيَاة الدّستوريّة مؤسساً لدولة القانون والمواطنة والعدل، ويحقن الدماء ويحفظ وحدة بلادنا الوطنيّة وسلامة أراضيها.

هذا، ويؤكد الانعقاد فِي غريانمدى الارتباط بتاريخ الأجداد، ويرسل تحيّة إِلى غريان المدينة الأبية ذات التاريخ العريق، والّتي لعبت دوراً تاريخياً فِي حل الإشكاليات وتهدئة الأوضاع وتوحيد البلاد، ونادت بالوحدة الوطنيّة فِي مؤتمر غريان صيف العام 1922م الّذِي دعا المجتمعون فيه إِلى إقامة حكومة لّيبيّة موحدة، وإرسال وفد إِلى إجدابيا للاجتماع مع الأمير إدْريْس السّنُوسي ومبايعته قائداً لكُلِّ البلاد.

وقد جاء الانعقاد بعْد مقتل ستة وثلاثين “36” رجلاً والعثور على جثثهم فِي منطقة الأبيار، وبعْد قصف جوي على مدينة درنة الباسلة تسبب فِي مقتل عدد مِن المواطنين الأبرياء بينهم أطفال ونساء وإصابة أعداد كبيرة منهم.

وانعقد المؤتمر والوطن يُعانِي الأمَرَّيْنِ، والمواطن يعيش ظروفاً صعبة، وليبَيا تواجه مخاطر تهددها بِمزيدٍ مِن التصعيد وتعميق الانقسامات، والحوار الّذِي ترعاه الأمم المتَّحدة ما زال متعثراً والعناد يسيطر على جميع أطرافه بل قد يزداد الأمر سوءاً وتعقيداً إذا ظلّ المشروع الوطنيّ غائباً والعناد سيد الموقف.

ولا شكّ أن الدعوة الّتي رفعها المؤتمِرون، ليست وليدة مؤتمر غريان، بل كانت مصاحبة لمرحلة النَّضال ضدَّ نظام سبتمبر الانقلابي، وللثورة منذ اندلاعها فِي السّابع عشر مِن فبراير مِن العَام 2011م، يوم أن ردد الِلّيبيّون النشيد الوطنيّ الّذِي غيَّبه الانقلابيّون اثنين أربعين عاماً، ورَفعوا علم الاستقلال وصور المَلِك إدْريْس السّنُوسي فِي ساحة محكمة شمال بّنْغازي ثمّ باقي المدن والقرى الِلّيبيّة، فِي رمزيّة تعني عظيم الارتباط بالشّرعيّة الدّستوريّة وتاريخ الجهاد الِلّيبيّ وميراث الآباء المؤسسين لدولة ليبَيا الحديثة.

وَمِن هُنا نصل إِلى القول بأننا لا نرى بديلاً غير العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة وتفعيل دستور دولة الاستقلال والعودة بالبلاد إِلى مَا كانت عليه يوم 31 أغسطس 1969م، كنقطة انطلاق نحو الاستقرار والحيَاة الدّستوريّة وبناء مؤسسات الدولة.

ونؤكد على أن تحقيق العودة أمر ممكن ويسير، وأنها ليست بدعةً لّيبيّة أو أمراً مستحيلاً، وقد حققتها شعوب غيرنا مرت بظروف مشابهة لظروفنا، وأن قناعتنا بهذه الدعوة زادت رسوخاً، وزادت البراهين على صوابها ورشدها، بعدما رأينا أين أوصلتنا المشاريع الأخرى الّتي خطت طريقاً آخر غير العودة، والّتي لم تتمكن مِن إخراجنا مِن حالة الفوضى والانقسام والمشهد الدّموي الّذِي غزا الوطن، بل عمَّقت الخلافات وزادت مِن حدّة الانقسام والنزاع.

ونمضي بالقول، إن تَمَسَّكْنَا بهذا المشروع هُو تمسك بِالشّرعيّة؛ لأن دستور دولة الاستقلال يُعد قائماً شرعاً وقانوناً، وتمسك بإعادة بناء الدولة على مرتكزات الشّرعيّة وقواعد البناء السليمة، وبهدف ترسيخ الأسس الصحيحة لثقافة البناء والتشييد لدى المواطنين.

ونؤكد أيْضاً أن أيّ مشروع أو شكل آخر غير الانطلاق مِن نقطة العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة وفق آخر مَا انتهت إليه فِي 31 أغسطس 1969م بما فِي ذلك نظام الحكم، كاعتماد دستور دولة الاستقلال دون العودة إِلى الملكيّة أو العودة إِلى الملكيّة بمجلس وصية على العرش إِلى أن يتمَّ الاستقرار على مَلِك!!، سيكون التفافاً لا يمكن القبول به، ومشروعاً منقوصاً ومخالفاً لمشروع العودة إِلى الشّرعيّة الدستوريّة القاضي بتفعيل العمل بدستور المملكة الِلّيبيّة، وتولّي الأمير محَمّد الحسن الرَّضا سلطاته الدّستوريّة، واستيراد الشّرعيّة الدّستوريّة الّتي هي رمز وحدة الأمـّة والدولة.

ونمضي قائلين إن الملكيّة جزء مِن الدّستور الِلّـيبيّ ولا نقبل المساس بها، وإن الأمير محَمّد الحسن الرَّضا السّنُوسي هُو وريث العرش بموجب الوصية الّتي تركها له صاحب السمو الملكي الأمير الحسن الرَّضا طيّب الله ثراه، الوصيّة الّتي تركها سموه لأبنائه، وضع فيها الأمانة والمسؤوليّة فِي عنق السّيِّد محَمّد نجله الثّاني.

تلك الوصيّة فتحها وقرأها السّيِّد المَهْدِي شقيق الأمير محَمّد الأكبر، فِي وجود أشقاء الأمير كافة، فِي مؤتمر حضرته الصحافة العالميّة وبعض الشخصيّات، وعُقد فِي لندن بتاريخ 18يونيه 1992م، ونقلت وقائعه وكالات الأنباء العالميّة وبعض محطّات التلفزة العربيّة والأجنبيّة.

هَذا، وقد أعلن المجتمعون فِي غريان، تمسكهم بخيار العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة المتمثلة فِي دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة، وأكدوا أن هذا لا يعني مطلقاً اصطداماً مع الأمم المتَّحدة أو عرقلة لجهودها، وإعاقة لعمل مبعوثها الجديد إِلى ليبَيا الدّكتور غسان سلامة، إنّما دعمٌ لجهودها ومساعي مبعوثها لحلحلة الأزمة الِلّيبيّة وإحلال السّلام فِي ليبَيا وتحقيق التوافق بين الِلّيبيّين.

وأكد المجتمعون أنهم يعقدون آمالاً أن ينجح سلامة فِي مهمته منطلقاً مِن تجربة الخمسة المبعوثين الّذِين سبقوه، وأن يهتم بمطلب العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة ويأخذه بعين الاعتبار، ولا يتركه جانباً كمَا فعل أسلافه فتتعمق الخلافات وتزداد معاناة المواطن ويطول أمد الصّراع، فلا أحد يعرف إِلى أين تمضي نتائجه.

ودعا المؤتمرون إِلى أَنْ تستشعر الأمم المتَّحدة مسؤوليتها الخاصّة اتجاه ليبَيا، مِن حيث أن ليبَيا هي أوَّل دولة تصدر الأمم المتَّحدة قراراً بشأن استقلالها، وتعمل بجد مِن أجل تنفيذه وينفذ قبل الموعد الأقصى الّذِي حددته.

وطلبوا مِن الدّكتور غسان سلامة إِلى إيجاد آلية لطرح مشروع العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة، وأن يقتدي ويهتدي بتجربة أوَّل مبعوث أممي لليبَيا فِي تاريخها، السّيِّد إدريان بلّت، الّذِي نجح فِي مهمته باقتدار بعد انفتاحه على كافة الِلّيبيّين وتشاوره مع مختلف الطيف الِلّيبيّ، بِالإضافةِ إِلى أخْذُهِ بِعَيْنِ الاعْتِبار الشّرعيّة الّتي كان يمثلها الأمير إدْريْس السّنُوسي، وقبل أن يبايع ملكاً للبلاد.

وأكد المجتمعون بأن مطالبتهم بالعودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة، هي دعوة للعودة إِلى السيرة الأولى، سيرة ليبَيا الملكيّة الّتي التزمت بِكُلِّ اتفاق واتفاقيّة أبرمتها مع دول ومؤسسات العالم المختلفة، والّتي لم يسجل عليها حالة اعتداء واحدة، وحافظت على علاقات طيبة مع الجميع، كمَا حافظت على السلم والأمن الدوليين.

وأكدوا أن الملكيّة ليس لها ثأر مع أحد، وأنها مظلة يستظل بظلها الجميع، وتحمي الكل بغض النظر عَن عِرقه ولونه ودينه وانتمائه، وأن الإرث الملكي الِلّيبيّ الّذِي ينتسب إليه الأمير محَمّد الحسن الرَّضا، هُو إرث الدولة المدنية الدّستوريّة التي تكفل الحُقُوق لكافة أبناء الأمّة الِلّيبيّة بعربها وأمازيغها وطوارقها وتبوها وسائر المكونات الأخرى، ولجميع الِلّيبيّين رجالاً ونساءً، وعلى اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم.

وأخيراً، أكد المجتمعون فِي غريان، استمرار التشاور والتواصل والعمل مِن أجل اعتماد أفضل الوسائل وأنجع السبل الّتي تمكن المطالبين بِالعودةِ إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة بإسماع صوتهم والتواجد بصورة أكبر وأكثر تأثيراً، والّتي مِن شأنها تعزز الهويّة الوطنيّة وروح العطاء للوطن، وتحمي بلادنا مِن التفكّك والفرقة وتعيد أمجادها وسيرتها الأولى.

خِتاما، علينا مسؤوليّة كبيرة يجب أن نكون على قدر مستواها، ويجب علينا جميعاً أن ندافع ونحافظ على مكتسبات الأجداد الّتي جاهدوا مِن أجلها زمناً طويلاً، وقاسوا مِن أجلها عذاباً مريراً، ودفعوا مِن أجلها مهوراً غاليّة، وأن ننقلها بِكُلِّ حرص وأمانة إِلى أجيالنا القادمة.

***
شُكْري السنكي ـ كاتب ومؤرخ ليبي

__________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك