Minbar Libya

بقلم إيمان شمس الدين

الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد ومارستها الشعوب في التاريخ، وكانت لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان وبالتالي على بنيته الفكرية والتي شكلت رؤيته للحياة وسلوكه فيها.

   

***

التقليد ودوره في صناعة التخلف والاستبداد:

ما أعنيه هنا بالتقليد هو التوارث الذي يحدث من الآباء للأجداد للأفكار والسلوكيات والعادات والتقاليد الاجتماعية والقبلية والعائلية والفردية.

ويصل الأمر ايضا لتقليد الأبناء لدين ومعتقدات ومرجعيات آبائهم الدينية، دون السماح للأبناء بالخروج عنها، وممارسة سطوة معرفية أبوية تمنع أي محاولات للخروج من هذا الصندوق، أو التفكير خارجه، وهي ممارسات استبدادية قهرية تفرض رؤيتها الأحادية على الأبناء، و تؤسس لمنهج استبدادي يشيع حالة التخلف، والتراجع عن المواكبة ورفض كل ما هو غير متوافق مع ما توارثته الأجيال، بل أحيانا محاربته بطريقة الإرهاب الفكري والإسقاط الاجتماعي بل الحرمان من الإرث لمن خرج عن هذه السطوة المعرفية.

وعادة ما يحدث ذلك في المجتمعات العربية وخاصة الخليجية التي تسيطر عليها ثقافة القبيلة، أو الثقافة الأبوية السلطوية التي تمارس سطوة تلغي كل حق اختيار وإرادة حرة للأجيال.

وهذا بذاته عائق كبير وحائط صد أمام حركات التجديد والإصلاح، يحتاج بذل جهد كبير لعمل انزياحات معرفية في الوعي لتفكيك أولا بنى الاستبداد السلوكية، وتحرير الإرادات ثانيا من السطوة المعطلة والٌمشِلّة لأي محاولة تفكير حر، وثالثا إطلاق سراح العقل من التقليد السلبي المعطل وعمل تمرين متكرر للاختيار الحر العقلاني.

وهذا يحتاج تدرجا زمنيا ومعرفيا ليتم تحقيقه، وقدرة على فهم لوازم الزمان والمكان وحقيقة القابليات وما هي حاجتها المعرفية وآليات اختراق هذه الجماعات المنغلقة بطرق غير صدامية. هذا فضلا عن حاجة حركات التغيير لأشخاص من داخل هذه الجماعات والمجتمعات مؤمنين بضرورة التغيير والتجديد، ويملكون فهما عميقا لمجتمعاتهم وجماعاتهم يمكنهم من الاختراق الهادئ معرفيا وعقليا دون إحداث أي ضجة مفتعلة اجتماعيا لإسقاط المشروع برمته.

لذلك يعتبر التقليد بهذه الصورة مظهرا من مظاهر صناعة التخلف والاستبداد، وعائقا معرفيا محوريا أمام كل حركات التغيير والتجديد. ومعطلة للتطور الذاتي للفرد والمجتمع بالتالي يمكن من بسط نفوذ المستبد كونه يخدم مصلحته في الحفاظ على تراثه وعاداته وتقاليده التي من خلالها يتحكم في الأفراد والمجموعات ويوجهها معرفيا ويصنع لها وعيا وفق مقاييسه المطلوبة، وموطّنا بذلك منهج التلقين في التعليم . وهو ما ينافي ما فطر الإنسان عليه من حرية الإرادة والاختيار، و فلسفة السؤال المعرفي، وثقافة الشك المولدة لليقين.

وبعد استلاب الإرادة والهيمنة على العقل والمعرفة التي هي مصدر السلوك الفردي والاجتماعي، يصبح سهلا جدا رسم دلالات لمفاهيم كبرى تشكل وجود الإنسان، كالكرامة ومقومات العيش الكريم.

فيصبح من مقومات العيش الكريم التالي:

ـ امتلاك الأموال حتى لو بطرق غير مشروعة مقابل الولاء المطلق للمستبد

ـ امتلاك الأموال والرفاه المبني على العطاء المشروط وهو عبارة عن إعطاء المستبد مبلغا ماليا لهذا الشخص او المجموعة مقابل تقديم فروض الطاعة أو تقديم تنازلات تحط من قيمتهم الإنسانية، وهذا المال في الأصل هو مال الشعب لا مال المستبد الخاص.

ـ إحراز منصب متقدم في السلطة شريطة القبول بها وبكل قراراتها حتى لو كانت ظالمة و متعسفة.

ـ الحصول على مكافآت ومميزات وظيفية مقابل التعامل مع المستبد، من خلال تمرير مشاريع فاسدة له من قبل هذا الشخص من موقعه الوظيفي، أو تنفيع أقرباء وأصدقاء له بصفقات فاسدة وبطرق غير مشروعة.

فتدور مقومات العيش الكريم على أسس أهمها (المال) ـ (المنصب) ـ (الرفاه) ـ (السلطة).

حتى لو كان ذلك مقابل هوان النفس وذلها، والقبول بالظلم والاستبداد والفساد. ولا محل هنا لمفهوم الكرامة وفق مبدأ ” من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا”

فالكرامة حصن الإنسان من الذل ، وسلاحه في مواجهة الظلم والفساد والانحراف، لأنها تجعل الدنيا في نظره سخيفة دون كرامة وعزة، فتحقق الكرامة محور مهم في هوان الدنيا على صاحبها، بالتالي دفعه لمواجهة كل أشكال الانحراف دون خوف إلا من الله.

وكلما هانت كرامته وتضاءلت في وجوده، كلما انأسر للدنيا وبات ذليلا لها بالتالي رضي بالذل والفساد والظلم في قبال سلامته الظاهرية في دنيا زائلة مع هدر شديد للكرامة. وهذا لا يكون وليد اللحظة، بل يكون نتيجة طبيعية لتراكم الاستبداد، وتراكم الانهزام النفسي أمام الاستبداد، وازدياد شعور الرضوخ والتكيف مع وضع التخلف والاستبداد، وبالتالي يصبح هناك انقلابا كبيرا في دلالات المفاهيم، وينتفي كليا مفهوم الكرامة مع التقادم، بل تقدم التبريرات العملية والفقهية و النظرية لمفهوم العيش الكريم وفق ما اسلفنا سابقا، ولا وجود لمفهوم الكرامة أمام قاعدة عامة هي ” الغاية تبرر الوسيلة”.

الاصلاح والتجديد ومواجهة الاستبداد:

إذا مشاريع التجديد والإصلاح تحتاج مقدمات ضرورية أهمها مواجهة الاستبداد وفي نفس الوقت مواجهة التخلف، فالأول مواجهة سياسية تغييرية مع الأنظمة تتطلب استراتيجية محكمة وبعيدة المدى تأخذ في الحسبان خصوصية كل دولة، وآليات التغيير المناسبة لها، وما هي نوعية التغيير التي تحتاج لها وما هو مستوى الاستبداد فيها، وكيفية تحديد النخب المناسبة لهذا العمل، والثانية اجتماعية تتطلب تدرج زمني ومعرفي وخطة تأخذ في الحسبان طبيعة المجتمع وتركيبته وآليات اختراقه و أهم المعارف التي تحدث انزياحا معرفيا حقيقيا، كون كل مجتمع له متطلباته المعرفية ويختلف مستوى تخلف مجتمع عن آخر، كما تختلف حاجة المجتمع المعرفية عن آخر، وتحديد درجة التخلف و الشخصيات النخبوية المناسبة في مواجهته وقيادة مشروع التغيير، على أن تكون متصلة بالنخب التي ستقود مشروع التغيير السياسي لمواجهة الأنظمة المستبدة.

وبعد ذلك يمكننا السير قدما في مشاريع التجديد والإصلاح، بعد تهيئة الأرضيات السياسية و القابليات العقلية في المجتمعات.

أما محاولات التجديد والإصلاح في ظل أجواء الاستبداد والتخلف، فستكون في أغلبها محاولات فاشلة أو غير مؤثرة إلا في حدود ضيقة جدا مع وجود ثقافة فوبيا قامعة لمنع هذا التأثير بالانتشار.

***

إيمان شمس الدين ـ باحثة لبنانية

____________