Minbar Libya

بقلم علي أبو زيد

لم تكد الضمائر الحية تستوعب المشهد المروّع في الأبيار، ذلك المنظر الذي اختزل بدمويته وقبح فظاعته معاناتنا على مستوى الوطن، حتى صدمنا بمشهد ضحايا القصف على مدينة درنه التي أصبح حصارها مؤشراً على انتكاستنا حتى على مستوى الشهامة والمروءة بعد أن استنطقت المدينة بمأساتها تقارير المنظمات الدولية والحقوقية وصار وضعها ينذر بكارثة إنسانية.

في هذا المشهد القاتم بسواده المشبع بروائح الموت والمتعفن برطوبة السجون المزدحمة بالمغيبين قسراً، تختفي نبرة أولئك المدّعين الدفاع عن الحقوق المدنية والرافعين لشعارات دولة المؤسسات والقانون، فإذا ما أسعفتهم الأيام –والأيام دُوَلٌبإرهابي يفجّر نفسه هنا أو هناك علت تلك الأصوات ليس تحذيراً من الفكر المتطرف أو الرأي المتشدد، ولكن تسويقاً لمشروع عسكرة الدولة وتزلّفا للدكتاتورية المستبدة.

إن من نافلة القول التأكيد على أن بناء دولة المؤسسات والقانون هو الغاية التي يجب أن يسموَ إليها المجتمع بأسره، كما أن ممارسة القوة خارج نطاق القانون والتلويح بها لإرعاب الناس والتسلطَ عليهم بكافة أشكاله ومختلف مبرراته هو الإرهاب وإن كان بحجة محاربة الإرهاب.

لا نريد أن نطيل في هذا المقام فالأمر جلي لكل ذي عقل وتمييز، إلا أن الذي يعنينا هنا قضية فشلنا في بناء المؤسسات بعد هذه السنين العجاف التي تلت ثورة فبراير، ولو أردنا أن نعدد أسباب هذا الفشل لطال الكلام وتعددت وجهات النظر في المسبب الرئيسي لذلك،

فمنّا من يرجعه للفساد الإداري والمالي،

ومنا من يوجه نقده للقوانين والتشريعات،

وآخرون يتهمون النظام السابق وسلوكه الإداري

إلى غير ذلك من أسباب هذا الفشل، إلا أننا لا نولي اهتماماً بسبب رئيسي حتى وإن ذكرناه، وهو–عنديعلّة العلل وأصل الداء،

إنه وعينا، حيث أننا نعيش حالةً عامة من غياب الوعي بكل شيء تقريباً.

إن حالة وعينا الجمعي اليوم غير قادرة على إدراك حالة الفشل التي نعيشها لذلك الأمر علاجنا لمشكلاتنا دائما ما يقتصر على الأعراض والظواهر، في غير إدراك لجذور هذه المشاكل والعلل.

إننا لن نستطيع أبدا بناء كيان الوطن وإرساء مؤسسات دولته بصياغة الدساتير والقوانين، ووضع اللوائح والتشريعات ونحن نسعى لاستئصال شأفة بعضنا بعضاً، ونتاجر بشعارات بناء المؤسسات القضائية والأمنية والعسكرية غير مدركين لحالة الانهيار والفشل في الوعي الجمعي لدينا والتي خلخلت حتى منظومة القيم والأخلاق في المجتمع.

كما أن وعينا يغيب عنه مفهوم الوطن والتعايش فيه ضمن إطار السلم المجتمعي والتحاكم للقانون، وهذا ينعكس على سلوكنا في مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والأخلاقية مما ولّد حالة عميقة من التأزم والاحتقان وغياب الثقة.

إن عملية إعادة صياغة وبناء الوعي الجمعي في المجتمع أمر حتمي ولازم، وصار في حالتنا اليوم مرتبطاً بمسألة الوجود أو الفناء، فما لم يتمّ إعادة تشكيل هذا الوعي بما يضمن بناء كيان للوطن قادر على احتضان كافة أبنائه بكل اختلافاتهم وأفكارهم، وهم راضون بالتدافع فيه من أجل تحقيق مصالحهم في إطار المصلحة الوطنية وتحت سلطة القانون، ما لم يتم ذلك فسنستمر في دوامة الفوضى والدماء إلى أن نفنى أو نتلاشى ونذوب في كيانات أخرى.

إن تشكيل هذا الوعي الجمعي من المفترض أن يكون هو الأساس الذي من خلاله يفكر المجتمع ويتخذ مواقفه وينتج ثقافته، وتشكيل مثل هذا الوعي ليس بالأمر الهيّن ولا السهل، ولا ينجز في مدة وجيزة.

ولعلّ أكبر المعوّقات لإعادة صياغة هذا الوعي وتشكيله هو عدم وجود النخبة الواعية القادرة على القيام بهذه المهمة الجسيمة، ونحن إذا أردنا أن نصف هذه النخبة التي تقود مجتمعنا اليوم فلن نستطيع أن نميزها –في عمومهاإلا بالبدل الفاخرة في أبهاء الفنادق أو على شاشات الفضائيات في خواء فكري وضحالة معرفية تمارس عهراً سياسيا أو دجلاً ثقافياً أو تخلفاً اجتماعياً غير مكترثة بواجبها الوطني ومسؤوليتها الأخلاقية.

فإذا كانت النخبة المعول عليها في بناء الوعي هذا حالها فإن أولى الخطوات على الطريق الصحيح بإدراك هذه النخبة مكامن عِللها وتعرف مواطن الخلل فيها لتسعى إلى صلاحه وتقويمه، ولن يكون ذلك إلا بأن ننادي على أنفسنا بحقيقتها دون مجاملة أو مواربة، كما أن تدافع الأفكار في هذا الميدان إذا حاطته سلامة المنطق وإخلاص المقصد من شأنه أن يرفع درجات الوعي ويزيل الغشاوة عن البصائر التي أعتمتها نعرات العصبية وفورات المغالبة، وبهذا يبدأ الوعي في التشكل ببطء وفعالية في المجتمع وتظهر آثاره في سلوكه وثقافته.

فما لم نسلك هذا الطريق فإننا نخبط خبط عشواء في تيه الشعارات الكاذبة التي لن تصون وطناً ولن تبني مؤسسات ولن تمكن لقانون.

***

علي أبو زيد ـ كاتب ليبي

______________