Minbar Libya

بقلم نزار ميلاد كريكش

هذه السلسلة من المقالات تتناول طرح أفكار جريئة عن مرتكزات الخطاب الإسلامي من خلال دراسة الواقع بهدف المساهمة في وضع رؤى جديدة خارج الأطر التي ارتكز عليها الخطاب الإسلامي الراهن.

سقوط الخلافة ـ الجزء الثاني

الخلافة كنظام حكم يمثل السلطة الحاكمة هو مما يندرج تحت الملك، أما حراسته للدين هو المطلوب وهذا هو الأمر الشرعي،  المتمثل في الإمامة وضرورتها لحراسة الدين

وقد روى ابن سعد في طبقاته سؤال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لسلمان أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر عمر، وخرّج أيضًا عن عمر قال: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكًا فهذا أمر عظيم، قال قائل يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقًا قال: ما هو؟ قال الخليفة لا يأخد إلا حقًا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأحذ من هذا ويعطي هذا فسكت عمر،

وهناك روايات كثيرة تدور حول هذا المعنى وفي القرآن الكريم التدليل على السلوك والممارسات كقرين لمراسم والسمات (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون).

هذا يعني أن هذا الانتقال من نظام لآخر أمر طبيعي لا يتعلق بالشرع، فالشرع يهتم بالقيم والممارسات هي التي تجعلنا نقترب من هذه القيم أو نبتعد وتبقي دلالات الأسماء دلالات لفظية للتمييز وليس الأمر الشرعي في التراتيب الإدارية والمراسم السلطانية، وكتب ابن القيم طافحة بالتمييز بين القضاء القدري والشرعي سواء في تهذيب مدارج السالكين أو في طريق الهجرتين أو شفاء العليل في منازل القدر والتنزيل فقوله تعالى مثلًا (وقضينا إلى بني  إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ….) هو قضاء قدري أما قوله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) أمر شرعي.

وهكذا فالخلافة كنظام حكم يمثل السلطة الحاكمة هو مما يندرج تحت الملك، أما حراسته للدين هو المطلوب وهذا هو الأمر الشرعي،  المتمثل في الإمامة وضرورتها لحراسة الدين. والفرق الأبرز هو في آلية انتقال السلطة وهو موضع من المواضع القدرية كذلك، فليس في الأمر نص شرعي يحرم الملكية وإن كان (النظر والاختيار ) أقرب للشرع وهكذا سمي عمر بن عبد العزيز بالخليفة، وعلى ما تقدم فالانتقال من النظام الإمبراطوري الملكي إلى النظام جمهوري هو من الأمور الطبيعية القدرية التي حدثت في القرن العشرين لكن محاولة فصل الدين عن الدولة واستبدال الشرائع أمر شرعي وحدث مهم لكنه لا يفسر سقوط الدولة العثمانية.. لماذا؟

لقد قرأنا في كتاب أم القرى”  الكثير من المخالفات الشرعية للدولة العثمانية، وانتشار الجهل والخرافة، كما أن سعيد النورسي في كتبه شرح الكثير من تلك المخالفات، بل إن الإمام محمد عبده كان يرى أن سقوط الخلافة ربما يكون رحمة تبين للمسلمين أنهم ليسوا على شيء. بقي أمر واحد هو التشريعات والقوانين، فهذا الأمر هو الذي ساد بعد كتب سيد قطب من جعل مخالفة التشريع مما يرادف الدولة الإسلامية، لذا كان في ظلاله يبين معنى الحاكمية والتشريعات التي يجب أن تتطابق ليس مع الشرع فقط بل مع السنن الكونية وطبع الوجود حتى يستقيم الأمر، ولا تغتال الأمة الحوادث والمفاجآت.

 هذه المخالفات لا يمكن أن تفسر سقوط الخلافة، فالضعف الذي لحق بالخلافة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا لا يمكن أن يفسر بأن التشريعات المخالفة للشرع الحنيف قد جعلتهم يخسرون الحروب مثلًا، لا يوجد رابط بين الاثنين، أي أننا نعم نريد الشريعة لكن لا يمكن اعتبار الشريعة آله تفسيرية، فالقرآن عندما وصف سقوط الأمم تحدث عن الظلم والاستبداد والفاحشة والتظالم وهي أمور محرمة تعجل بسقوط الأمم لكن الأمور القدرية التي تتبع ذلك يمكن أن تأخذ مسارين، مسار غيبي يرتبط بإرادة الله وهذا ما نؤمن به ونمره كما جاء، ومسار آخر هو الذي أراد القرآن  أن نتتبعه بالسير والبحث في الأرض والتاريخ وعبّر عن ذلك بالحديث عن السمع تارة في سياق السرد التاريخي والحديث عن النظر تارة أخرى في سياق البحث الميداني.

فلم يكتف القرآن بكلماته الخالدة كمفسر لكل شيء (وهذا ما يقال عن القضايا العلمية)، لكن القرآن قد بين مجموعة سنن هي التي ينبغي أن نعول عليها في فهم التاريخ ويظل جمعها في سياق واحد هو جهد بشري

نعود للخلافة العثمانية وسقوطها، فإن عدم قدرة مؤسساتها على فهم مجريات الأحداث ومتابعة التطور الكبير الذي حدث منذ القرن الخامس عشر جعل مؤسسات الدولة تتخلف عن غيرها، وجعلها تتحرك بمؤسسات مترهلة لم تستطع مقاومة التغيرات الكبرى التي شهدها العالم، ففي الفترة التي شهد العالم فيها ثورة صناعية كان العالم الإسلامي يعاني من ركود اقتصادي لا يحسن استغلال الموارد الطبيعية بل يستهلكها دون عائد إنتاجي (استخلاصي  Extractive). فبعد فتح القسطنطنية عام 1453 والتوسع الذي تبع ذلك  في الوطن العربي والبلقان خاصة بعد وفاة السلطان سليم الأول عام 1556 كان الأمر يصعب شيئًا فشيئا على الإمبراطورية، فصعب أمر تحصيل الضرائب ولم يسمح في المقابل للقطاع الخاص بالعمل بالطريقة التي يمكنها أن تساهم في ازدهار الاقتصاد، ولم تبن المؤسسات على المشاركة الواسعة من المجتمع المدني والقطاع الخاص.

بل كان الحرص على استمرار الحكم وتحصيل الضرائب من أجل الحروب، ومع الإصلاحات التي بدأت عام 1840 لم تقابل بالحماسة التي يقتضيها التطور الذي يشهده العالم، فالحاشية التي اعتادت علي العطايا والتي كانت تستفيد من قربها من السلطات الحاكمة كانت تقاوم هذه الإصلاحات مما منع مؤسسات الدولة من التطوير، فالتطوير يحتاج لمشاركة أطياف واسعة ويحتاج إلى فتح مجال للتجارة الخارجية والصناعة.

كل ذلك يحدث عبر تشكيل مؤسسات تخرج الحاكم من الحكم المطلق والاستبداد وهذا استمر في الوقت الذي كانت التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يشكل المؤسسات الاقتصادية والسياسية والجتماعية والجامعات وسكك الحديد والخدمات المدنية والمستشفيات والمجتمعات العلمية والتطور القضائي في دول أوروبا، كل ذلك حدث في غفلة أو  تلكؤ لأسباب سياسية أحاطت بالخلافة. (90) 

الضعف المؤسسي يجمع بين الحرص على متابعة التطور العالمي والقيم المجتمعية الشرعية  الدينية، فالمؤسسات هي تلك الهيئات الراسخة التي تتجاوز الأفراد في سلوكها

كل هذا لم يكن فقط في عدم اللحاق بالغرب ولا بالتخلي عن تعاليم الإسلام بل بعدم قدرة المصلحين على تأسيس مؤسسات الدولة  أو عدم السماح  لهم بالمشاركة، يقول المستشار طارق البشري:

وفي نهاية الدولة العثمانية كانت الإصلاحات فيما يعرف بالتنظيمات الخيرية ومحاولات الدولة المركزية بناء مؤسسات الدولة كما فعل محمد علي في مصر إلا أن التيارات الفكرية الإصلاحية كانت في معزل عن هذه الإصلاحات وكانت قضية انهيار الدولة هي الشغل الشاغل لرجالات الدولة ، لقد ضمت روسيا تحت زعامة كاترين الثانية أراض وشعوبًا من الدولة العثمانية والفارسية منذ قرون تقريبًا, كما شهدت مصر مجيء نابليون ومحاولته استعمارها, وظهر إحساس بالخطر الداهم كان وراء إطلاق حركة إصلاح مؤسسي بقيادة رجال الدولة وهم كما نعرف يمتطون آلة الدولة التي تعمل باستمرار دون انتظار بروز أفكار ومفكرين…”. 

 هذا الضعف المؤسسي يجمع بين الحرص على متابعة التطور العالمي والقيم المجتمعية الشرعية الدينية فالمؤسسات هي تلك الهيئات الراسخة التي تتجاوز الأفراد في سلوكها، ومن ثم يجب أن ترتبط بقيم مؤسسية وثقافة منظمة لا تخضع لأهواء الناس ولا لسيطرة الحكام والأهم من ذلك أنها تخضع في تطويرها لرؤى مؤسساتية وأهداف خاصة بهذه المؤسسات،

هذا التحليل يجمع بين الأمرين وكان من الممكن تكوين هذه المؤسسات التي أخذت من أوروبا الوقت الطويل جدًا وهو سر في ثبات هذه الدول ومن ثم قدرتها على التنمية ومواكبة التطور

التفسير المرتبط بالثقافة أو الجهل أو بالعوامل الجغرافية لسقوط الأممقد يساعد في فهم الأوضاع التي يعيشها العالم (تقدم بعض الدول وتخلف الأخرى) لكن تفسير هذا التقدم الذي يبدأ من إنجلترا في القرن الثامن عشر ويمتد لأمريكا اللاتينية  وفقر إفريقيا والشرق الأوسط والفارق بين شرق أوروبا وغرب أوروبا، والنمو السريع الذي حدث في أوربا يمكن تفسيره أكثر عبر نظرية المؤسسات. هذا الأمر يجعلنا نفكر في مسألة التخلف عبر هذا النموذج التحليلي الذي يرتكز على أن تخلف المنطقة  يمكن فهمه بطريقة تتلعق ببناء الدولة أكثر من كونها بناء النظام السياسي (علماني أو إسلامي).

فلو وجدت مؤسسات حقيقية نراها كأشجار القيقب في الغرب عمرها يحسب بالمئات،  فمنارات كالزيتونة والأزهر عرفها العالم منذ آلاف السنين لكن ما إن يأتي القرن العاشر للميلاد حتى تقلب صفحة التاريخ لتكون جامعة كجامعة  بولوينا   1088 وجامعة باريس 1160، بل يبدو الأمر متعلق حتى بسكك الحديد وشبكات المجاري هي الأعرق كمؤسسات قائمة. وهكذا تبدو نشأة هذه المؤسسات ارتبطت بتعميق نشأة الدولة وتعميق مؤسساتها عبر جهاز ضرائبي قوي شمل علاقات بينية قوية بين الدولة والمجتمع تمامًا كما شرح تشارلز تيلي بتفصيل (91)  ، كل هذا الأمر قبل الدندنة بشأن النظام السياسي والحرية والديمقراطية

ما معنى أن يقول الإخوان إن هناك دولة عميقة؟  معناه أن هناك مؤسسات ارتبطت بنظام سياسي محدد وليس لها القدرة على العمل في إطار المصلحة الوطنية، ولو كانت الحركات الإسلامية تعي هذا المعني لما اكتشفت بعد قرن من الزمن أنها لا تملك من الأمر شيئًا حتى لوحكمت ووصلت للسلطة

غياب موسسات الدولة هذا يمكن أن يفسر قضايا كثيرة: انتشار العنف في المنطقة (92)، انتشار الصراع الأيديولوجي قبل بناء مؤسسات الدولة (93)، انخفاض مؤشرات التنمية في أغلب التقارير  للمنظمات الدولية، لقد كتب فرانسيس فوكوياما كتابًا مهمًا عن النظام السياسي وعرض عدة نماذج للتفريق بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي وذكر بسمارك وكيف قدم الدولة على النظام وتخلف الصين عن الركب وعدم تحديث مؤسساتها تجربة قريبة من التجربة العثمانية الإسلامية، وكذلك يمكن تتبع الكثير من المؤسسات في الولايات المتحدة كالخدمات المدنية التي ظلت رهينة لكثير من العائلات والحزب الجمهوري قبل أن تتحول لمؤسسات مستقلة.

وهكذا يمكننا فهم الداء الذي استمر في غياب مؤسسات تعبر عن شيئين، عن تخلف قيمي  ومادي نتج عن استبداد الحاكم وعدم رغبته في مشاركة المجتمع وليس أدل على ذلك من استمرار التخلف حتى بعد محاولات أتاتورك وغيره التخلص من ثقافة الأمة واللحاق بالغرب فقد تحول الأمر إلى دول شمولية  وحكم الجنرالات، واستمر الحال حتى بعد الربيع العربي.

فالاحتفاء بالديمقراطية على حساب فهم مؤسسات لدولة (النظام السياسي، الإدارة الحكومية، الشرعية) كان سببًا في تخلف وسقوط الكثير من الدول، ولا يزال الفارق التنموي الذي نراه بين دول كإيطاليا واليونان والتي مارست الديمقراطية في القرن العشرين قبل حتى بريطانيا وكوريا الشمالية من جانب ودول آخرى كبريطانيا والدنمارك  كوريا الجنوبية يبين أن هذا الخلل المؤسسي الذي ينشأ من توسع رقعة الدولة دون أن يصحبها مشاركة سياسية واقتصادية من المجتمع لهو تفسير منطقي لما حدث للدولة العثمانية.

ويبين هذا أن الحركات الإصلاحية التي قامت لم تدرك هذا الخلل وطفقت إما أن تنظر لمخلص خارجي تمثل في الاستعمار البريطاني والفرنسي (الحركة القوميةأو الحركات الإسلامية التي هرعت للتاريخ ومفهوم الخلافة في الوقت الذي كانت مؤسسات الدولة تتحرك بعيدًا وتبني مؤسساتها بما يثبت شرعية أسر وجنرالات في الحكم، وهذا ما ظهر جليًا بعد الربيع العربي، فقد استمر الاحتفاء بالديمقراطية كما رأينا في تطور الخطاب الإسلامي دون أن يكون هناك نموذجًا واضحًا يميز بين مكونات الدولة (المؤسسات الحكومية) والعوامل الخارجية (المجتمع الدولي) والحراك المجتمعي (رأس المال الاجتماعي) والعلاقات الاقتصادية البينية التي يمكن من خلالها فهم ما يحدث في وطننا العربي بدل الحديث المتكرر عن ديمقراطية الحركات الإسلامية في واقع يحتاج لنموذج مخالف فيه نسق آخر قد لا يختلف عن قيم الديمقراطية كالتعددية والسلمية والحوار  لكن الممارسة الفعلية تحتاج لنماذج أكثر دقة ومعرفة

وليس أدل على ذلك أيضًا ما حدث في مصر بعد احتفاء الإخوان المتزايد بالديمقراطية، ما معنى أن يقول الإخوان إن هناك دولة عميقة؟  معناه أن هناك مؤسسات ارتبطت بنظام سياسي محدد وليس لها القدرة على العمل في إطار المصلحة الوطنية، ولو كانت الحركات الإسلامية تعي هذا المعني لما اكتشفت بعد قرن من الزمن أنها لا تملك من الأمر شيئًا حتى لوحكمت ووصلت للسلطة لأنها ببساطة كانت تسعى لنظام سياسي لا يتحقق (طبيعةً) إلا بمؤسسات تعبر عن كيان مجتمعي وسياسي واقتصادي يمثل القيم العليا للوطن.

هذه الركيزة الأولى التي أردنا أن نبين إمكانية النظر إليها من زاوية أخرى في الخطاب الإسلامي.

***

نزار ميلاد كريكش ـ كاتب ومفكر ليبي

______________