Minbar Libya

بقلم إيمان شمس الدين

الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد ومارستها الشعوب في التاريخ، وكانت لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان وبالتالي على بنيته الفكرية والتي شكلت رؤيته للحياة وسلوكه فيها.

***

صناعة التخلف انقلاب الصورة:

برز مصطلح التخلف بعد نهاية الحرب الكونية الثانية مع حصول عدد كبير من البلدان المستعمرة على الاستقلال،  ويعرف التخلف بأنه ظاهرة كلية ذات جوانب متعددة تتفاعل فيما بينها بشكل جدلي، تتبادل التحديد والتعزيز، مما يعطي الظاهرة قوة وتماسكا كبيرين، ويمدها بصلابة ذات خطر كبير في مقاومة عمليات التغيير” [1].

ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن التخلف الاقتصادي والتنموي والسياسي بل مقصدنا التخلف الاجتماعي وانعكاساته النفسية الفردية والاجتماعية، وكيف يتحول الأفراد والمجتمعات إلى حوائط صد مانعة عمليات التغيير الكبرى، ومواجهة كل محاولات التجديد والتغيير.

يساهم التخلف بشكل كبير بانقلاب كثير من المفاهيم انقلابا دلاليا تارة، وانقلابا سلوكيا تارة أخرى، مما يعيد رسم علاقة المفاهيم بدلالاتها وفق صيغة الاستبداد الموجودة ومراداته الدلالية، وأضرب مثالا هنا من واقعنا المعاصر، منذ أحداث 11 أيلول سبتمبر 2001. وهناك تراكم لحرب المصطلحات بشكل مكثف إعلاميا وعسكريا  تهدف لإعادة رسم كثير من المفاهيم في منظومتنا الإسلامية، وتغيير دلالاتها وربطها بدلالات سلبية في ذهن الجمهور لتشويهها مع التقادم.

ومن هذه المصطلحات : تم ربط المقاومة بالإرهاب، تم ربط الإسلام بالراديكالية، تم ربط الإسلام بالتخلف، وتم ربط الحرية بالحداثة وغيرها من المصطلحات التي بات اليوم  منقوشة في ذهن الأجيال في منطقتنا، حيث بات التمييز بين فعل المقاومة وفعل الإرهاب صعبا، وبات الحديث عن الإسلام مرتبط بالحديث عن الراديكالية والتشدد والانغلاق والتخلف، وحينما نتحدث عن الحرية والحداثة تنصرف أذهاننا إلى النموذج الغربي .

فبعد صناعة التخلف من خلال الاستبداد عبر التراكم الزمني، ساعد هذا النمط المتخلف في انقلاب صورة كثير من المفاهيم وإعادة صياغتها في ذهنية الجماهير العامة دون أدنى مقاومة.

يسبب هذا الالتباس عند الإنسان المقهور بالاستبداد اختلال التوازن الوجودي لانعدام تحقيق الذات ويؤدي إلى حالة مفرطة من التوتر والقلق، وتبرز حاجته لمواجهة هذا الوضع المأزقي، لكن ونتيجة تقليص القدرات الفكرية البعيدة المدى، والتركيز على القدرات والحالات الانفعالية العاطفية، والتي كرستها سلطة الاستبداد كمنهج تفكير يصب في صالحها كونها تستطيع تحريك هذا المنهج في التفكير لدى الجماهير وقتما تريد، فإن الجماهير المقهورة التي بلغت ذروتها في القهر تسعى للخروج من هذه الدوامة لكن على الطريقة الانفعالية كحلول دفاعية،

هذه الحلول لا تحاول تغيير الواقع الداخلي أو الخارجي، بل لا تقوى عليه، بل تهدف هذه الحلول إلى التأقلم والتلاؤم مع الوضعية الراهنة بل والتصالح والانسجام معها بما يكفل تحقيق ذاتها ظاهريا واستقرارها الوجودي أيضا ظاهريا، هذه الحلول الدفاعية قصيرة المدى ملغومة داخليا كونها لا تلبي الحاجات الحيوية على المدى الطويل، بل هي حلول تخديرية تسعى لتسكين الشعور بالقهر والرفض مدة زمنية، ثم يعود التوتر للارتفاع ويختل مجددا التوازن، وهذا يدفع الإنسان بعد زمن من القهر والشد والجذب للذهاب إلى الحلول التغييرية البعيدة المدى، التي تقلب المعادلة المفروضة على الإنسان المقهور.

وهذه المحاولات تشمل مواجهة الداخل والخارج، بما يحقق له وجوده وذاته بما يتلاءم مع الحاجات الحيوية والأهداف الوجودية وتحقيق الذات”.[2]

المجتمع المقهور ومواجهة التجديد:

عندما يتأقلم المجتمع المقهور مع الواقع الاستبدادي الخارجي، يتحول بذاته هو كمجتمع إلى عقبة كؤود في وجه حركات التجديد والإصلاح، خاصة في بعدها الفكري والديني بل أحيانا السياسي.

كون من سمات هذه المجتمعات التقليد والتقليدية، والخوف من أي محاولة مواجهة مع العادات والتقاليد، كونه يحتمي بها كجزء من هويته التي يجد فيها ذاته المستلبة، و يحقق من خلالها وجوده المقهور، ويجد فيها ماضيه قبل استلابه، وشخصيته قبل احتواؤها وقهرها.

فيعتبر أي محاولة تجديدية إصلاحية للأفكار والعادات والتقاليد هي محاولة تهدد وجوده وكينونته بل صيرورته التاريخية.

فيواجه محاولات التغيير هذه بممارسات شبيهة إلى حد كبير لتلك الممارسات التي يمارسها عليه المستبد لمواجهة أي محاولات تغيير من قبل الجمهور.

فيقوم بإسقاط أصحاب فكرة التجديد والإصلاح اجتماعيا، وعزلهم بالتالي عن وعي المجتمع، ويعمد لممارسة وصاية فكرية على تلك العادات والتقاليد والأفكار الدينية كمدافع عنها ليمارس نتيجة عقدة النقص التي يعيشها، يمارس هو دور المستبد بحجة الدفاع عن التراث.

ويبقي مفتاح الصندوق الذي يعيش فيه المجتمع بيده لمنع أي محاولات تغييرية يمكنها دفع مسيرة العقل نحو التفكير الواعي المنطقي وبعيدا عن التبعية العمياء والتقليد المضلل.

ونجد هذه المواجهة تزداد وتيرتها من قبل المجتمع المقهور كلما ازداد الاستقرار النسبي، خوفا من تعكير هذا الاستقرار حتى لو كان استقرارا موهوما صنعته مخيلته المقهورة والمقموعة، كنوع من الخروج من مأزق الذات والتأقلم الذي أسلفنا عنه سابقا كحل ترقيعي لمواجهة حالة القهر الاجتماعي.

ورفض أي حراك تجديدي وإصلاحي نابع من الخوف على الاستقرار النسبي من جهة، وعلى تفكك الجماعة التي ينتمي إليها من جهة أخرى، والتي تشكل له الحصن والانتماء والشعور الموهوم بالأمان، بل الشعور الموهوم بالطمأنينة الإيمانية التي نتجت عن ممارساته واعتقاداته بهذا التراث وهذه العادات والتقاليد.

فعادة كلما اقترب الإنسان من المتسلط تنكر لمجتمعه أو جماعته، وكلما اقترب من جماعته تنكر وابتعد عن المتسلط.

وغالبا في المجتمعات المقهورة بسلطة المستبد، تحدث هناك انكفاءات للمجتمع داخلية، سواء انكفاء أسري أو عائلي أو قبلي، أو فئوي، تشكل كل جماعة منكفئة على ذاتها حصانة داخلية لمجموعها ينتج عنها شعور وهمي بالانتماء والهوية وتحدث حالة من الاستقرار النسبي للذات. لكنها تحول المجتمع إلى كانتونات متعددة الانتماءات والهوية، يمكن للمستبد استغلالها في الدفاع عن سلطته وكرسي السلطة.

هذه الانكفاءات تعوض الفرد عن غياب العدالة في الدولة وعن تسلط المستبد ومحيطه من خلال عدة طرق أهمها:

ـ تعمد لعمل شبكة علاقات إما مع المتنفذين في السلطة، أو مع المستبد نفسه، وبذلك تضمن تحقيق حاجياتها الخاصة مقابل مجموعة تنازلات أو مقابل أمور يطلبها منهم المستبد.

ـ تدفع ببعض أفرادها للنفاذ في جسد السلطة ليصبح لديهم نفوذ يمكنهم من تحقيق ما يريدون عن طريق هؤلاء الأفراد من خلال علاقاتهم النافذة التي شكلها من خلال مواقعهم في السلطة.

ـ المصاهرة و خلق شبكة أنساب مع المستبد ومحيطه ، ومن ثم استغلال المصاهرة في تحقيق نفوذ معين أو مطالب معينة تمكنهم من تحقيق نفوذ فاعل في السلطة، ومحقق لمطالب المجموعة.

هذه بعض الطرق التي يمكن من خلالها للجماعات المنكفئة على ذاتها تحقيق وجودها بشكل موهوم في ظل الدول المستبدة، وهو نظام محاصصات قبلي لا يمت للدولة وبنيتها بصلة، لا من حيث مفهوم المواطنة الصالحة ولا من حيث مفهوم الدولة الحديثة.

وبذلك تواجه حركات التجديد والإصلاح في جسد المجتمع عقبات كؤود سواء من الأفراد أو الجماعات أو السلطة، كون حركات الوعي التغييرية النهضوية تشكل هواجس ومخاوف كبيرة للسلطة المستبدة، فتواجهها إما بشكل مباشر، أو من خلال حلفائها في المجتمع الذين تحالفوا معها لتحقيق مكاسب كما ذكرنا آنفا، وتحرك بعض نخب السلطة المجتمع برمته من خلال فتاوى التضليل والتكفير والرفض لتلك الحركات التغييرية بحجة مساسها بتراث حولته هي لمقدس ممنوع المساس، لما يضمن لها من ديمومة وجودية رغم زيف كثير منه.

وطبعا قد ينطبق ذلك على مؤسسات دينية تمارس منهجا استبداديا في فرض رؤيتها الدينية على المجتمع، وتبني لها شبكات علائقية ممتدة تحصن المجتمع من أي محاولات للتغيير والتجديد، وهذا بذاته له بحث آخر متشعب ولا نريد الإسهاب ولكن نفرد له بحثا خاصا لأهميته.

***

[1] د. مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور ص 33.

[2] د. مصطفى حجازي مصدر سابق بتصرف ص 98.

***

إيمان شمس الدين ـ باحثة لبنانية

____________