Minbar Libya

بقلم إيمان شمس الدين

الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد ومارستها الشعوب في التاريخ، وكانت لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان وبالتالي على بنيته الفكرية والتي شكلت رؤيته للحياة وسلوكه فيها.

فكانت الرسالات السماوية التي جاءت على فترات زمنية متوالية تعيد النصاب للمسار التاريخي وفق السنن، وتسعى لتقيم نصاب العدالة الاجتماعية، وتعيد بنية الأفكار وفق المسار السليم.

ولا يزال التحدي مستمراً في الصراع بين الاستبداد ومحاولة سلب العقول والوعي الإنساني، وبين محاولات التحرر و تحقيق العدالة.

ويكمن خطر الاستبداد جوهرياً في محاولة من يمارس تقمص دور الرب، وجعل الناس عبيداً من خلال خفض مستوى وعيهم، وتغيير سلم أولوياتهم، وتشويه رؤيتهم الكونية ليصب ذلك كله في صالح المستبد، الذي يهمه جداً التجهيل ليبقى هو متربعا ًعلى  العرش ورقاب الناس.

مظاهر الاستبداد:

قد لا يمثل الاستبداد سلطة حكم فقط، فهو ممارسة يمكن أن يقوم بها أي إنسان، بل هو مجموعة مظاهر وسلوكيات ما إن تتم ممارستها حتى يتصف ممارسها بالمستبد، فقد يكون أب أو أم أو ابن أو مدير عمل أو رئيس حزب الخ.

أهم هذه المظاهر هي:

سلب الحرية: وهي الخطوة الأولى والأهم في مسيرة تجهيل المجتمع، كون الحرية قيمة آلية ضرورية ولازمة تمهد لتحقيق العدالة ومن ثم تحقيق الكرامة الإنسانية التي هي جوهرة القيم. ويتم ذلك عبر آليات عديدة منها:

ـ اللجوء لسن قوانين ملزمة وعائمة دون ضوابط تحد من حرية التعبير وحرية الرأي، وتقلص من أفق الاختلاف في الرأي لفرض وجهة نظر أحادية على المجتمع. هذا على مستوى الدولة.

ـ أما على مستوى الأسرة والمجتمع فيكون بإنزال عقوبات من الوالدين على الفرد الذي يخالف تعليمات الوالدين أو مناقشتها خاصة في حال كانت تعليمات شديدة، أو محاولة التمرد بالسؤال والنقاش على النظام الأبوي التربوي، أو محاولة تعديله حتى لو كانت المحاولات سليمة، وفرض رؤية واحدة من قبل الأب أو الوالدين على كل أفراد الأسرة، وسلب حقهم في حرية التعبير والاختيار لتصبح هناك عملية نسخ لعقل ومنهج الوالدين على الأولاد، ويتم معاقبة الفرد بعدة طرق منها الضرب أو الحرمان، وهنا لا نعني تهاون الوالدين في التربية بل نعني الاعتماد على منهج مستبد تلقيني في التربية قد ينتج أفرادا لديهم قابلية الاستبداد تمكن الأنظمة المستبدة منهم لمزيد من التدجين والتطويع.

ـ اجتماعياً إذا خالف رأي المجتمع وحاول مواجهة الانحرافات، أو واجه سلطة العادات والتقاليد المنافية للعقل والشرع، ويتم إسقاطه اجتماعياً وعزله، وقمع حرياته باستخدام القوانين التي سنتها الدولة لقمع الحريات ضده، وبذلك تصبح القوانين القامعة للحريات أداة ووسيلة قمع بيد الدولة وبيد المجتمع بحيث ينشغل مكونات المجتمع ببعضهم البعض عن الانشغال في مراقبة الدولة والمطالبة بالعدالة والتنمية والديموقراطية.

ـ وضع عقوبات مغلظة تصل إلى التعذيب السري، والسجن الطويل الأمد، وسلب كل المقومات الإنسانية لكل من يحاول الخروج عن رؤية السلطة. مما يشيع ثقافة الخوف من جهة والرضوخ من جهة أخرى ويعمل مع التقادم على تطويع العقول و تدجينها، وخفض سقف المطالب من مطلب العدالة إلى مطلب العيش بأمان وتوفير القوت اليومي والذي هو أقل حق من حقوق المواطنين على الحكام أو حتى حق للإنسان.

كما تمارس كثير من الأنظمة منهجا تعسفيا كسحب جنسية الشخص وسلبه مواطنيته وكل حقوقه المترتبة عليه، أو العمل على نفي الشخص خارج البلاد وسحب كل مقوماته الحياتية من أموال وهوية وخلافه، لمجرد مطالبته بحقه أو تعبيره برأي مناهض للنظام.

ـ سلب الحق في الاختيار وتقرير المصير، ومواجهة ثقافة السؤال بالقمع والمنع والتسليم لكل ما يتم تلقينه من جهة إلى جهة، وهذا يحدث في الدول المستبدة أو في نظام الأسر التربوي أو حتى في نظام كثير من الأحزاب والعلاقات الاجتماعية في المجتمع.

ـ الهبوط بمستوى التعليم والسيطرة الحكومية على الإعلام بشكل مباشر أو غير مباشر لصناعة وعي وفق مقاييسها الخاصة

ـ ممارسة كل أنواع العصبيات التي تشغل المجتمع بعد تسطيح التعليم، ليصبح مجتمع انفعالي وليس عقلاني تثيره العصبيات وتشغله عن الأولويات النهضوية فيبقى يدور في فلك النظام المستبد.

ـ عدم الاهتمام بالعلوم الإنسانية والفلسفية والمنطقية التي تنظم التفكير وتنهض بالعقل

ـ عدم الترخيص لمؤسسات مجتمع مدني تنهض بوعي الناس، وإذا تم ترخيصها فيكون ضمن شروط تفرغها من وظيفتها الحقيقية بحيث تمنع تعاطيها بالسياسة، وتراقب برامجها، بل تفرض دعما لها حكوميا تجعلها تحت سلطة الحكومة ماديا وقانونيا بالتالي تقوض من هدف وجود هذه المؤسسات في نهضة المجتمع .

ـ منهج الشيطنة الإعلامية والقضائية للمعارضة لتشويه المفهوم في ذهنية الشعب، وخلق فوبيا في لاوعيه من أصل الحراك المعارض بعد ربطه كمفهوم في الذهنية العامة بالدلالات الشيطانية التي قامت بصنعها الأنظمة المستبدة.

ـ طرح مشاريع تنمية توهم الشعب بسعي النظام للتطوير، من خلال إنجاز مسارح أو بعض الطرق أو مجمعات ترفيهية، أو مشاريع تجارية هي في واقع الأمر وسيلة ملتفة على مدخول الفرد لينفقه في هذه المشاريع التي يتم إنجازها بسرعة قياسية، مع إيهام الشعب بأنها مشاريع نهضوية وهي في واقعها مشاريع تنفيعية للنافذين في الدولة ، بينما لا وجود لتنمية حقيقية بل مجرد فقاعات ينشغل بها الشعب .

ـ تكريس الحالة الانفعالية في التفكير، وطمس معالم التفكير العقلي المتزن، وهذا من خلال مناهج التعليم وإبراز العصبيات بكافة أشكالها والتي تحفز جانب الانفعال العاطفي في الدماغ وتحَجّم من الجانب التفكير المنطقي في الدماغ. فيسهل بذلك قيادة تلك الأدمغة، واستخدامهم كحطب في المعارك التي تصطنعها الأنظمة المستبدة، خاصة ضد المعارضين.

هذه بعض مظاهر الاستبداد التي تمثل سلوكيات عامة من السلطة إلى الأسرة إلى المجتمع، و ممارسة هذه المظاهر كسلوك مع التقادم ينتج عقولا منغلقة على ذاتها وتم تدجينها وتركيبها بشكل يتناسب و هوى السلطة، ويصبح بذلك أداة بيد السلطة تحركها بالاتجاه الذي تريد.

ومن خصائص البلدان النامية كما يصفه أ. هاجن في دائرة المعارف العالميةالمجلد الخامس، مادة علم اجتماع التنمية، تحكم المرتبية الجامدة فيها، وانتشار بنى التسلطية – الرضوخية. فالتسلط والاستبداد ظاهرة سياسية تتحالف في بنيتها قوى خارجية كانت استعمارية وقوى داخلية هي أنظمة وظيفية لقوى الاستعمار القديم وتتميز بالقهر المفروض على مجمل سكان البلدان النامية. فهي بنى اجتماعية قامعة ومٌوَلّدة للشلل .

هذا فضلاً عن انتقاص قيمة الإنسان وعدم إتاحة الفرصة له لتحقيق ذاته والتعبير عنها وفق إمكانياتها وقابليتها،

وفرض مستوى وعي منخفض وقابل وراضي بهذه القيمة المنتقصة، وهذا الانتهاك الصارخ لذاته والقمع الذي يقوض كل مقوماته في الحركة المستمرة نحو كمالاته اللائقة.

الانهزام النفسي يكون نتيجة طبيعية مع التقادم، وخلق إنسان مهزوم نفسيا هو هدف بذاته سعت جهات كثيرة لتحقيقه في عالمنا الثالث كما أطلقوا عليه، وتداعيات هذا الانهزام النفسي هو التخلف بكافة أشكاله.

***

إيمان شمس الدين ـ باحثة لبنانية

____________