Minbar Libya

بقلم نزار ميلاد كريكش

هذه السلسلة من المقالات تتناول طرح أفكار جريئة عن مرتكزات الخطاب الإسلامي من خلال دراسة الواقع بهدف المساهمة في وضع رؤى جديدة خارج الأطر التي ارتكز عليها الخطاب الإسلامي الراهن.

سقوط الخلافة ـ الجزء الأول

ارتكزت مسيرة الحركات الإسلامية على ركائز لا يمكننا أن نتخيل تجديدًا حقيقًا في هذه الحركات من دونها، فنحن نسمع عن صراع أجيال، عن رغبة في تحديث الخطاب، عن  أزمات سياسية، عن أزمة قدرات تنظيمية وإدارية، لكن الأمر في رأيي أكبر من هذا كله، وأنا هنا لا أكرر ما يقال عن انفصال الخطاب بين القيادة والصف بل عن القيادة ذاتها، أتحدث عن القيادة التي لا يمكنها أن تكون قيادة دون هذا الإبحار والتفتيش في بحور المعرفة عن إكسير الحياة الذي يبدي ويعيد تلك الأحلام  فيجعل لذلك التاريخ ولذلك الجدل معنى أو حتى مسار يمكن أن يبنى عليه.

يمكن أن نتخيل حالة من الرفض للماضي والانقطاع عنه، لاعتبارات عدة قد نسميها عجزًا فكريًا أو أزمة تنظيمية أو حتى أزمة عقل، لكن لا أظن أن الأمر لا يعدو كونه رفضًا للتغيير وعدم قدرة على التكيف مع هذا الحجم الهائل من التغيرات التي يشهدها العالم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا والتي هي في نهاية المطاف تعبير عن شيء واحد هو تبدل النموذج المعرفي

افترض التيار الإصلاحي الإسلامي أن سقوط الخلافة بداية لحقبة جديدة، وكان هناك جدلاً كبيرًا بشأن مسألة الخلافة، وكثرت الافتراضات والنظريات، لكن الخلافة ظلت استراتيجية كبرى للإسلام السياسي خاصة في نماذجه الأولى

تفكيك مرتكزات الخطاب أمر صعب، لكن قد نلجأ هنا لتلمس هذه المرتكزات في عناوين: سقوط الخلافة العثمانية، نموذج الفرد والأسرة إلى الخلافة، الدين والسياسية وإمكانية الدولة الإسلامية، التغيير عبر السلطة الحاكمة ومفهوم الديمقراطية ، كل هذه القضايا التي سنناقشها في المقالات ستوصلنا لحقيقة أن الحركات الإسلامية بحاجة لنموذج معرفي جديد حتى يكتب لها الاستمرار في عالم يشهد تحولاَ عظيمًا في كل شيء. ليس بمجرد النقد والدعوة لاتباع النظم القائمة، وليس عن طريق تأكيد مفاهيم الحركات الإسلامية ومحاولة التوفيق بينها وبين المفاهيم السائدة، بل إن الأمر يتعدى كل ذلك بتقديم نموذج في هذه المرحلة التاريخية التي تشهد تبدلًا في كثير من المفاهيم، نموذج يمكن أن يخضع لنظرية المعرفة العلمية فيكتب له النجاح، في هذه السلسة سنبدأ عن المرتكز الأول وهو سقوط الخلافة.

افترض التيار الإصلاحي الإسلامي أن سقوط الخلافة بداية لحقبة جديدة، وكان هناك جدلاً كبيرًا بشأن مسألة الخلافة، وكثرت الافتراضات والنظريات، لكن الخلافة ظلت استراتيجية كبرى للإسلام السياسي خاصة في نماذجه الأولى، والفرضية التاريخية في ذلك تقول إن نهاية الدولة العثمانية شهدت موجه عنيفة شاركت فيها قوى خارجية وداخلية للانقضاض على ما سمي بالرجل المريض.

وكانت حركة تركيا الفتاة تتويجًا لهذا الانقضاض من الداخل، وكان الأمر ظاهرًا في تركيا بالذات بإلغاء كل مكونات الثقافة الإسلامية من استبدال الحروف العربية باللاتينية وتبديل الأذان باللغة التركية والتحيز القومي لمكونات الدولة العثمانية والصراعات التي انتشرت بين الطورانية والعثمانية والعربية والكردية والأرمن والأشوريين.

لكن فهم سقوط الخلافة كمرحلة حاسمة أخذ طريقين: سقوط الخلافة العثمانية في حد ذاتها، وفهم آخر لغياب دولة الخلافة الراشدة، ورغم أن الفهم الأول استمر لفترات طويلة نظرًا لظروف السقوط المرعبة والتي كانت أمرًا مدويًا مربكًا لكثيرين، فإن الفهم الثاني هو السائد ويتمثل في أمرين اثنين: العدل في الملك والوحدة الإسلامية.

لكن السؤال الذي طرحه الأمير أرسلان حدد المشكلة بوضوح: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ هذا التخلف أُرجع لغياب الخلافة الراشدة وللحياد عن الدين الصحيح الشامل الذي يشمل كل القضايا الحياتية بمافيها العلم والتقنية، إلخ، هذا يقتضي أمرين أن سقوط الخلافة العثمانية كان بسبب البعد عن العدالة الاجتماعية والدين الصحيح، ويقتضي أن تاريخ الأمة قد انحرف منذ مقتل سيدنا علي رضي الله عنه كما افترض مالك بن نبي رحمه الله.

البعض يصف التاريخ الإسلامي على أنه موجات من الحروب والاقتتال، لكن سقوط الخلافة شكل مخيلة حقيقية تحلم بعود الخلافة الراشدة ومعها عودة التشريعات التي استبدلت في فترة سقوط الخلافة بالقوانين المدنية الأوروبية كما كتب عن ذلك السنهوري في مجلداته

سقوط الأمم ونهاية الحضارات ترتبط بقدرة مؤسسات الدولة على التوافق مع المتغيرات العلمية والتقنية التي تحيط بها، هذا التوافق يرتبط بطبيعة مؤسسات تلك الحضارة

في الجانب المقابل هناك من يرى أن هذا الكلام الذي يصر على الخلافة والقيم الاجتماعية نوع من الرجعية والتخلف ونشأة مدرسة من الكتاب والمفكرين تدعو للحاق بالغرب بكل ما فيه من علوم ونظريات اجتماعية وتقنية وقيم وتنتاقضات، لأنها طريق مجربة وقد ظهر جليًا تفوقها على الخلافة العثمانية وأن هذا هو مقتضي التطور الاجتماعي، الطرف الثالث من يرى بالجمع بين الحسنيين بين الحضارة الإسلامية بقيمها وإيمانها وعلومها الروحانية والحضارة الغربية بعلومها الكونية وطبع الوجود الذي تريد الانسجام معه تمامًا كما بين سعيد النورسي

لكن فلسفة التاريخ كشفت عن أمر آخر ربما لم يكن واضحًا في ذهن هؤلاء المصلحين، فإن سقوط الأمم يبدو من خلال الكم الهائل من المعرفة المتوفرة له نسق آخر قد يحل الإشكال بين المعرفة والسياسة، بين العوامل الخارجية والعوامل الداخلية، وقد يكون هذا داعيًا مهمًا للتيارات الإسلامية لمراجعة مرتكزاتها حتى تتسق بهذه المعرفة ولا تتأخر عنها. هذا الأمر بالطبع  لا يلغي  أهمية الشريعة ولا أهمية الدولة العثمانية ولا أهمية الدين، لا شيء من ذلك، بل إن الأمر يتعلق بفهم ما حدث للدولة العثمانية، ومن ثم تحديث تلك المعرفة التي صارت كنموذج سائد ينطلق منه الجميع دون مراجعة

سقوط الأمم ونهاية الحضارات ترتبط بقدرة مؤسسات الدولة على التوافق مع المتغيرات العلمية والتقنية التي تحيط بها، هذا التوافق يرتبط بطبيعة مؤسسات تلك الحضارة، وغياب تلك المؤسسات القادرة على التكيف هو ما يجعل الحضارة في حالة من الركود والغفلة عن المستقبل ومن ثم تصبح أكثر عرضة للصدمات، كتب دارون اكيموجلو وجامس روبنسون كتابهم الشهير لماذا تسقط الأمم؟والذي عد ثورة في هذا المجال، وبين فيه التخلف المؤسسي الذي عاشته الخلافة العثمانية

قبل أن نسهب في توضيح ذلك دعنا نسارع بالإجابة عن سؤال: كيف يمكن لهذه النظرة أن تحل هذا الإشكال؟

نعم هذه النظرة تبدو كإجابة صحيحة عن سؤال الأمير شكيب، فالحديث عن أن السبب في التخلف هو البعد عن الدين أو عدم فهم الإسلام أمر مهم لكنه لا يفسر سقوط الخلافة العثمانية، فلعل الإمام محمد عبده والأستاذ رشيد رضا كانا يعرفان أن الخلافة العثمانية لم تكن بالشكل النموذجي الذي يريدانه للخلافة.

وهذا رأي بعض رجال الخلافة كما بين الكواكبي في نهاية كتابه أم القرى، فالخلافة العثمانية كانت نظامًا سياسيًا يعبر عن وحدة الأمة، نعم، لكنها لم تكن النموذج الصالح الذي يسعى له الدعاة، هذا لم يكن محل خلاف، لكن الذي عليه خلاف هو سبب سقوطها، لذا فما يقال عن الخلافة العثمانية يصح أن يقال عن الخلافة الأموية والعباسية والدولة السلجوقية والمملوكية فهذا أمر مضطرد.

يقول ابن خلدون في مقدمته فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين  ومذاهبه والجري على منهاج الحق ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينًا ثم انقلب عصبية وسيفًا وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى بني الرشيد وبعض ولده ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الأمر ملكًا بحتًا وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها…” 88

فغياب معنى الخلافة قديم، لذا يمكن اعتبار الحديث عن معاني الخلافة وليس عن رسمها، فإن رسمها لا يختلف كثيرًا عن الإمبراطوريات التي تحكم الكثير من الوحدات السياسية والدول والتي تحتاج إلى إدارة لامركزية وتفويض واسع وميزانيات أضخم وخطط استراتيجية أكبر، فالحديث المقصود عن معاني الخلافة والدولة العثمانية هي آخر خلافة إسلامية لكنها لم تخرج عن نسق غيرها الذي رأه ابن خلدون خارجًا عن معنى الرشد من بعد بدايات الدولة العباسية (هذا الأمر غير متفق عليه وهو تحديد المرحلة التي حصل فيها الانحدار)، فالبحث عن أسباب سقوطها (الدولة العثمانية ) بكونه خروجًا عن معاني الرشد في الخلافة قول فيه الكثير من العموم

ما حدث في الدولة العثمانية كان انتقالًا من نظام سياسي لآخر، تمامًا كما تحول نظام الحكم من الخلافة  إلى النظام الملكي

الفهم الآخر لذلك أن الخلافة رغم كل ما حدث بها من تدهور وانحدار في كل العصور لم يحدث أن أعلن أحد  القول بانتهاء العمل بالخلافة كنظام سياسي وكذلك تعطيل العمل بالشريعة أو وجود تشريع مخالف للدين الإسلامي؟ ولو تجاوزنا أن تعطيل الشريعة لم يحدث إلا في الخلافة العثمانية رغم أن ذلك غير صحيح والفصل الذي عقده الجويني في كتابه البرهان عن إمكانية ذهاب الإسلام وانتهاء آثاره هو سؤال واقعي طرحه الأصوليون لمعرفة في القرن الرابع الهجري وما كتاب الجويني الغياثى إلا نتاج لذلك الاحتمال ، فإن ما حدث في الدولة العثمانية كان انتقالًا من نظام سياسي لآخر، تمامًا كما تحول نظام الحكم من الخلافة  إلى النظام الملكي، والفرق بينهما في المؤسسات التابعة لها (الصلاة والحسبة والسكة، إلخ).

يقول ابن خلدون ولما تبين أن الخلافة نيابة عن صاحب الشرع فصاحب الشرع متصرف في الأمرين، أما في الدين فبمقتضى الأحكام الشرعية الذي هو مأمور بتبليغها، وحمل الناس عليها، وأما سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري، ثم يبين أن هذا الانتقال أمر قدرى وليس أمرًا شرعيًا، يقول موضحًا الفرق بين الاثنين:

اعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية وليس وقوعه منها اختيارًا إنما هو بضرورة الوجود  وترتيبه كما قلناه من قبل، وأن الشرائع والديانات وكل أمر يحل عليه الجمهور فلا بد فيه من العصبية،  ثم قال ثم وجدنا الشارع قد ذمّ العصبية وندب إلى إطراحها وتركها فقال إنّ الله أذهب عنكم عيبة (الفخر) الجاهلية وفخرها بآبائها …”، ثمّ أجاب عن هذا التعارض بقوله وليس مراده أي الشارع فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه إهماله بالكلية أو اقتلاعه من أصله وتعطيل القوى التي ينشأ عنها بالكلية إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعه“. ص 138

 

***

نزار ميلاد كريكش ـ كاتب ومفكر ليبي

______________