Minbar Libya

بقلم علي أبوزيد

تعتبر حادثة هدم مسجد وزاوية أبي غرارة في طرابلس استمراراً في محاولة فرض فهم معين للإسلام سواء كان الهادمون أفراداً يريدون فرض الأمر الواقع أو تشكيلاً مسلحاً يستخدم قوته لفرض هذا الفهم وإلغاء أي فهم أو رأي آخر،

وقد أرجعت هذه الحادثة قضية الخطاب الديني إلى دائرة النقاش، حيث أن تأثير الخطاب الديني غير خافٍ خاصة وأننا اليوم نعيش حالة استقطاب حادّ وصراع داخلي تمّ توظيف كل شيء فيها للمغالبة في هذا الصراع، ولم يكن الخطاب الديني استثناء من هذا التوظيف.

وحتى يكون القارئ على بينة فإننا نقصد بالخطاب الديني هنا (كل تناول لقضايا الحياة والشأن العام من منطلق ديني وخلفية إسلامية، سواء كان هذا التناول صادراً من مؤسسات أو من أفراد –يدّعون ذلكلهم حضورهم وتأثيرهم، وسواء كان هذا التناول بقصد بيان الحكم الشرعي (الفتوى) أو بقصد الإصلاح والإرشاد (الوعظ)، الذي قد يتطور إلى حالة من التعبئة والتحشيد وربما حتى (التحريض).

إن قضية الخطاب الديني بهذا المفهوم في مجتمع كمجتمعنايُولي للشريعة وأحكامها مكانة كبيرة ومؤثرة في وعيه الجمعي – إن هذه القضية يجب أن تكون محل رصد ومتابعة ودراسة، خاصة وأننا نعيش حالة من التأزم والصراع تستلزم تأطير هذا الخطاب بإطار متين مبنيٍ على الدعوة إلى التسامح ونبذ الخلاف وإقامة العدل ونصرة الحق ومراعاة مقاصد الشريعة وحفظ مصالح العباد.

إن المشاكل التي يعانيها الخطاب الديني لا يمكن إجمالها –فضلاً عن تفصيلهافي مقال واحد، ولكن من المهم أن نشير إلى أمور أساسية تتعلق بهذه القضية، منها أن المؤسسة الدينية في نظام القذافي أسوة بأغلب المؤسسات تم القضاء عليها؛ فألغيت دار الإفتاء ودمّر التعليم الديني بعد أن كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بمؤسسات عريقة كالأزهر، وأصبح النظام يؤرجح التعليم الديني بين الإلغاء والتقليص.

هذا الأمر فتح المجال لتسرب تيارات متشددة تتّسم بالغلو والتزمت، وقد أتاح غياب الخطاب الديني الواعي في تلك الفترة المجال لتمدد هذه التيارات داخل المجتمع بصمت.

بعد ثورة فبراير أنشئت دار الإفتاء الليبية التي اعتبرت كأحد مكتسبات الثورة إذ أن ليبيا كان تقريبا الدولة المسلمة الوحيدة التي لا توجد فيها دار أو هيئة للإفتاء.

ما أن أنشئت دار الإفتاء واعتمد المجلس الانتقالي قانونها حتى بدأت بوادر الخلل في خطابها تظهر، فقد تمّ إقصاء المذهب الإباضي ولم يُشر إليه في قانون الدار، ثم بدأت معالم خطاب الدار تتضح أكثر مع تعاقب الأحداث السياسية حيث انتهجت غالباً خطابا ثوريا تصعيديا جعل منها طرفا في عملية سياسية غير ناضجة وأدى ذلك إلى تصنيفها ضمن تيار الإسلام السياسي، وفقدت الدار بذلك دورها المجتمعي كمرجع يحتكم إليه الليبيون جميعاً، وأصبح خطابها لا يصل إلا إلى مَن يوافقها رؤيتها السياسية والتي يخالفها فيها كثير من الإسلاميين.

وبهذا المسلك الإقصائي للدار أقصت نفسها عن دور مهم كان ينبغي أن تقوم به داخل المجتمع، وفي إعادة بناء المؤسسة الدينية وفقدت مكانة الإفتاء هيبتها بسبب المناكفة السياسية التي صبغت كثيرا من مواقفها.

ولأن أغلب التيارات السياسية وعلى رأسها المدنية لا تتوانى في توظيف الخطاب الديني فقد دعمت وروجت لخطاب تيارات دينية أخرى أبرزها تيار السلفية المدخلية المعادي للإسلام السياسي والمدعي الحرب على الإرهاب، وكان حضور هذا التيار قوياً في المنطقة الشرقية حيث وفّر الغطاء الديني لانقلاب الكرامة، وسيطر بالمقابل على مؤسستي الأوقاف والفتوى، كما كان له جناحه العسكري الذي مارس أقصى درجات الإقصاء التي بلغت حدّ سجن أو إخفاء كل من يخالفه وأحياناً تصفيته جسديا كما تذكر عدة تقارير.

كما يوجد هذا التيار في غرب ليبيا بشكل واسع وبسطوة أقل لاختلاف الظروف السياسية والعسكرية، ومع ذلك فله كتائبه الأمنية والعسكرية والتي إن كانت تتمتع بتبعيتها لوزارتي الداخلية أو الدفاع إلا أنها لا تتوانى في فرض فهمها للدين بالقوة وإن كان ذلك مصادما للقانون، ومعلومة الحوادث المتعلقة ببعض المساجد التي دمرت أو أُوقف بعض أئمتها وخطبائها لمخالفتهم المنهج الذي تتبناه هذه الكتائب، وهذا يوجب إعادة النظر في الاعتماد عليها كأداة لتنفيذ القانون.

ما نريد قوله بعد هذا العرض الطويل –وربما المملّهو أن الخطاب الديني أداة لإصلاح المجتمع وإعادة صياغة وعيه الجمعي، لذلك فإن القائمين على هذا الخطاب يجب أن يدركوا الواقع وما يقتضيه من درء للمفاسد وجلب للمصالح ومراعاة لمقاصد الشريعة وفقه للأولويات، أما أن يكون الخطاب الديني أداة تحاول فرض فهم معين للشريعة وإلزام الناس به وتسعى لإلغاء الآخر والحجر عليه، فهذا المسلك هو بداية التطرف والغلو الذي قد يتضخم ويتطور ليصبح شكلاً من أشكال الإرهاب، وهو أيضاً تنفير للناس من الدين مما يفقد هذا الخطاب جدواه ودوره.

***

علي أبوزيد ـ كاتب ليبي

__________