Minbar Libya

بقلم توفيق بوعشرين

يعيش جلّ الحكام في وهم أنهم يعرفون كل شيء عن شعوبهم، وعن أحوال بلادهم، وهم أبعد ما يكونون عن هذه الحقيقة.

السلطة تعزل الحاكم، وتدخله إلى عالم خاص، فيه كل شيء، غير نبض الحياة الحقيقي. وحتى عندما تتسرّب بعض الحقائق السياسية إلى أذن الحاكم، فإن هناك في محيط السلطة من يعملون، ليل نهار، على حجب الحقائق، وتأويل الوقائع، والتلاعب بالأرقام، حتى لا يتصل رأس الدولة بنبض الشارع.

هناك مثل فرنسي إذا كانت الأرقام لا تكذب، فأحياناً تتحول الأكاذيب إلى أرقام“.

جل الملوك والرؤساء والأمراء الذين واجهوا ثورات أو انقلابات أو انتفاضات، قديماً وحديثاً، راحوا ضحية الجهل بالواقع، والجهل بالمياه التي تجري تحت جسور عروشهم، من دون أن ينتبهوا لما تحدثه من تحولات عميقة.

ودائماً ما يكون أول سؤال منهم هو ذلك السؤال العجيب:

ماذا يحدث؟

قالها لويس السادس عشر في فرنسا، عندما أخبروه بتمرد سجناء الباستيل، وخروج الفرنسيين للتظاهر في الشوارع، حاملين بنادق البارود. وحتى عندما أخبره وزيره الأول بما يحدث، حاول التقليل من الأمر، فقال: إنه تمرد، فرد عليه الوزير: لا، يا صاحب الجلالة، إنها ثورة. ..

كانت زوجته أنطوانيت أسوأ منه، وأكثر بعداً عن حقيقة ما يجري في قاع المجتمع، عندما سألت عن مطالب الثوار الفرنسيين، وأخبروها أن الناس يفتقدون للخبز، فقالت لهم: ولماذا لا يأكلون البسكويت؟

ماذا يحدث؟
السؤال نفسه طرحه الروماني تشاوشيسكو والتونسي بن علي والمصري حسني مبارك واليمني علي عبد الله صالح.

أما الليبي معمر القذافي فدخل التاريخ بصراخه في وجه شعبه: من أنتم؟.

حكم العقيد شعبه أربعين سنة، وفِي النهاية لم يتعرّف عليه، عندما خرج يطلب الحرية والكرامة وشيئاً من المنطق، في نظام بلا منطق. ولأنه القذافي، لم ينتظر من أحد أن يجيبه على سؤال: من أنتم؟، بل وجد الجواب في الحين: “إنهم جرذان“.

قبل سقوطه بأشهر عن عرش إيران، استدعى الشاه، محمد رضى بهلوي، مثقفاً جامعياً من خارج البلاط، اسمه إحسان نراغي، وسأله: ماذا يجري يا نراغي في إيران؟ وكيف أن أحداً من المسؤولين حولي لم ينبهني إلى هذا السيل المتدفق من الغضب والإحباط والرفض لي، ولنظامي، في الشارع؟ .. فأجاب نراغي: يا مولاي، لم تكن لدى الذين أحطت نظامك بهم الوسائل، ولا الثقافة، ولا المعرفة، لسماع صرخة الحقيقة في الشارع، وهم من منعوا عنك الحقيقة.

الشاه يعقب: لكننا اخترنا أطر الحكم من بين أفضل المتخصصين في الجامعات الأوروبية والأميركية، كيف لم يتمكن هؤلاء المهندسون والدكاترة والمتخرجون من المعاهد الغربية من إخباري بأمر هذه الأزمة التي نضجت على نار هادئة؟.. نراغي يجيب: هذا راجع، يا مولاي، إلى طبيعة نظامك الهرمي، كل القرارات المهمة تصدر عنك وحدك، وبما أنك انفردت بتحديد الأهداف، فإن النخبة اعتبرت أن دورها ينحصر في تزويدك بالمعلومات التي تتفق مع نهجك السياسي.

هذه النخبة استعملت ذكاءها وعلمها لتتبعك، وبعبارة أخرى لتمنع عنك الرؤية.

جرى، في الأنظمة الديمقراطية، حل إشكالية انعزال السلطة عن المجتمع، عن طريق الفصل بين السلطات، وجعل كل سلطة تراقب الأخرى، وفتح المجال لحرية التعبير والنشر والإعلام، وضمان حقوق المعارضة، وإجراء استطلاعات رأي دورية، والسماح للمجتمع بالتعبير عن اتجاهات الرأي داخله، وإيصال صوته إلى من يحكم، عله يرى الحقيقة من وراء حجب السلطة.

أما في الأنظمة السلطوية، فدائماً ما يسألون عما يجري في الوقت الضائع.

***

توفيق بوعشرين ـ كاتب وصحفي مغربي، رئيس تحرير جريدة أخبار اليومالمغربية.

_____________