Minbar Libya

بقلم د. فتحي الفاضلي

أغلب العلمانيين والليبراليين والحَداثيِّين والتقدُّمِيِّين العرب مخلصون في حربهم على الإسلام، ومُبدعون في التغاضي عن غيره من المعتقدات والأديان، فلا تسمع لهم همسا، ولا تُحسُّ منهم ركزا ضد ممارسات المِلل والنِّحَل والأديان الأُخرى، السماويةِ منها وغيرِ السماوية، بينما تُصاب أقلامُهم وألسنتُهم بإسهال حادٍ إذا تَعلق الأمر بشعائر أو معتقدات أو مظاهر الإسلام والمسلمين.

فما الذي يمارسه المسلمون – ولا يمارسه غيرهم حتى يكونوا عُرضةً لهذه الحرب الظالمة؟ خاصة وأن المسلمين يَتبعون ويمارسون ما يُمليه عليهم دينُهم من عبادات وشعائر ومظاهر ومعتقدات، مثلُهم مثل أتباع جميع الملل والأديان والنِّحل الأخرى.

ففضائيات ومنابر إعلامية لا أوَّل لها ولا آخر، تعج ببرامج الدعوة إلى غير الإسلام، إلى المسيحية واليهودية (من الديانات السماوية)، وغيرها من الأديان كالبوذية والسيخية والهندوسية أو البراهْمِيَّة، وإلى مِلل ونِحل وفِرَق وأديان أخرى، يصعب مجرد التفكير في حصرها.

ما أن تنتقل من قناة إلى غيرها حتى تُهاجمك – قبل الوصول إلى مبتغاك مئات القنوات الدينية غير الإسلامية، نساء وشباب وكهول وعَجَزة وأطفال، كلٌّ يدعو إلى عقيدته وأيديولوجيَّتِه ومبادئه وتعاليمه وشعائره وطقوسه وقِيَمه، بقوة وحماس وإخلاص، وبكل حرية. كلٌّ له مقدساته الخاصة، وكلٌّ منهم يدافع عن مُقدَّساته.

لكلٌّ من أتباع هذه الديانات دُورا للعبادة، كنائس ومعابد وهياكل وأدْيِرة وأضرحة وصوامع ومحافل وغيرها. الكل يدعو إلى دينه وعقيدته وتصوراته، بالكلمة، بالأغنية، بالرقص، بالخطب، بالحفلات، بالموسيقى، بالتمثيل، بالوعظ، بالإرشاد، بالترهيب، بالترغيب، بالتخويف، بالتهويل، بالمحاضرات، بالدروس، بالندوات، باللقاءت، بالمسيرات. الكل يُنظم، وبكل حرية، المؤتمرات والجمعيات الخيرية والتجمعات الدينية.

أفارقة وأسيويُّون وهنود وأوروبيون وأمريكان وعرب، وآخرون من جميع بقاع وأصقاع وأعراق العالم، يدعون العالم إلى إعتناق ديانتهم بكل اللغات من الهوسة إلى العربية إلى الأمازيغية إلى الإنجليزية والعِبرية والفرنسية والإسبانية والهندية والألمانية والروسية والأُوردية وبغير ذلك من لغات العالم، بل وبلغة الإشارة أيضا.

جميع رجال الأديان والمعتقدات تقريبا، يحملون أوصافا ومراتب وألقابا وصفات فمنهم: القساوسة، والكَهنة، والرهبان، والأساقفة، والباباوات، والبطاركة، وسدنة المعابد، والنساك، والأحبار، والحاخامات، وغير ذلك من أسماء وألقاب وصفات. كما أنَّ أغلب رجال الأديان ذوو لِحىً طويلة كَثَّة، وبعضهم بضفائر، وبعضهم بعمائم تخفي شعرا طويلا، وبعضهم حَلِيقو الرأس والوجه، كجزء من معتقداتهم.

كل منهم يرتدي زياً يميزه عن غيره، أثواب وبرانيس وجلابيب وأرواب وشالات وقِطع من كتان، بمختلف الزينة والنقوش والألوان والتصاميم، بعضها قصير وبعضها طويل وبعضها واسع وبعضها ضَيِّق، بعضها يغطي الجسم بكامله، وبعضها يغطي أغلب الجسم، وبعضها يغطي جزءا ضئيلا من الجسم، مع أغطية للرأس من جميع الأشكال والأحجام والألوان، قبَّعات وقَلنسُوَّات وما يشبه التيجان، وأغطية رأس أخرى يصعب تصنيفها ووصفها، بعضها دائري وغيرها مربع وأخرى طويلة ورابعة مسطحة وخامسة مرتفعة ضخمة عالية، وأخرى خليط بين هذا وذاك.

البعض يسقي أتباعه – عند التجمعات والمؤتمرات والمناسبات الدينية ماءً، يفترض أنه ماء مقدس، وغيرهم يسقيهم نبيذا، والبعض يقدم أطعمة ما، خبزا أوحنطة أو أرزا أو خليطا من كل ذلك، وآخرون يقدمون الحِنَّة والورود والأصباغ والزهور.

جميع أتباع الأديان يَرتدُون أو يضعون أو يحملون شيئا ما رمزيا، يدل على ديانتهم، البعض يضع كيباه (اليهود)، والبعض الآخر يضع صليبا (المسيحيون)، وغيرهم يضعون على صدورهم أو رؤؤسهم أشرطة، أو تمائم، أو قلائد أو قطعة من قماش أو منديل أو حجارة أو رمز آخر ما.

أقلام من داخل العالم الإسلامي، ممن يفترض أنهم من أبناء جلدتنا، تُصاب بإسهال حاد يتمثل في كمٍّ هائل من مصطلحات يمطرون بها الإسلام والمسلمين. تفوح منها رائحة العداوة والسخرية والتضليل والتدليس

الكل يؤكد أن دينه هو منقذ البشرية، الكل يعدِّد المعجزات التي جاءت بها ديانته أو رسوله أو مؤسس ديانتهم، الكل يطلب العون والمغفرة والنصر من إلهه. تجمعات – جميع الأديان تقريبا مكتظة بمشاهد الخنوع والخضوع والاستسلام والتأمل والخشوع.

مشاهد درامية تحتل أغلب التجمعات الدينية، إغماء، ووقوع على الأرض، وبكاء ونحيب ودموع وأناشيد وصراخ وترانيم وتراتيل وابتهالات وصلوات وطقوس ودعوات وغناء وتشجنات من كل نوع.

أصواتهم عالية وحفلاتهم صاخبة، وأعدادهم هائلة، فضائياتهم وإذاعاتهم المسموعة، ووسائل إعلامهم الورقية والإلكترونية لا تُعد ولا تُحصى. ولا اعتراض على كل ما سبق، فــ (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة 256، و(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون6.

لكن المحير، والمحير جدا جدا، أننا – مَرَّةً أخرى لا نسمع من الليبراليين والعلمانيين والحداثيين والتقدميين العرب، ممن يسمون بالنخب بالذات، كلمة أو همزة أو حرفا أو لمزة أو همسة نقد، تُجاه معتقدات وشعائر وطقوس ومظاهر الديانات الأخرى، السماوية وغير السماوية. وكأنهم صُم عُمي بُكم، لا يسمعون ولا يرون ولا يتكلمون، جفت أقلامهم وخرست ألسنتهم.

بينما إذا مارس علماء أو فقهاء أو دعاة الإسلام، أو مارس المسلمون بالعموم، ما يمارسون من دعوة ووعظ وشعائر ومظاهر وتجمعات وكل ما له علاقة بالإسلام، فيَسيل حِبر أقلامهم وتنطلق ألسنتهم ويَقلبون الدنيا ولا يُقعدوها بل ويَشنُّون على الإسلام والمسلمين حربا لا هوادة فيها: سبا وشتما ونقدا وسخرية وتهديدا واستهزاءً وتحذيرا.

ألسنة وأقلام من داخل العالم الإسلامي، ممن يفترض أنهم من أبناء جلدتنا، تُصاب – كما سبق بإسهال حاد يتمثل في كمٍّ هائل من مصطلحات يمطرون بها الإسلام والمسلمين. مصطلحات وكلمات ومفردات تفوح منها رائحة العداوة والسخرية والتضليل والتدليس والاستهزاء والبغضاء لكل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين فكرا وعقيدة وشعائر ومظاهر وتوجُّهات.

يتصدر هذه المصطلحات مجموعةٌ من صفات ونعوت يجترونها ليلا ونهارا عبر أدبياتهم ومنشوراتهم وأشعارهم ومقالاتهم ولقاءتهم، نذكر من هذه المصطلحات: الظلاميون، الدجالون، العرافون، الخرافيون، الأوصياء، الإقصائيون، الأصوليون، الغيبيون، التكفيريون، المُتزمِّتون، المتخلفون، المؤدلجون، المنافقون، المُكفِّرون، المفتنون، المحرضون، المتطرفون، السدنة، الكهنة، الزنادقة، البخوريون، المتسترون وراء الدين، المستغلون للأديان، نواب السماء، الواسطة بين السماء والأرض، وما شابه ذلك.

كما يصفون المرأة التي ترتدي الزي الإسلامي بالخيمة أو الغُراب، والمكبلة، والمستعبدة، والمحرومة. ناهيك عن وصف اللحى باللحى المُقمَّلة، والمظاهر الإسلامية بالمظاهر المتخلِّفة، والنَتِنة، والمُنتنة.

كما يصفون بلاط الخلافة في أدبياتهم بأنه ماخور يعج بالجواري والخمر والغلمان والعبيد، ويزينه سيف ونطْع وسياف. بل ويستخدمون مصطلحات ومفردات وكلمات ضد الإسلام، لا علاقة لها بتاريخ أو ثقافة أو تراث الإسلام، مثل محاكم التفتيش، وصكوك الغفران، والدين أفيون الشعوب، وغيرها. ويصفون الفكر الإسلامي بالهرطقة، والزندقة، والفكر الشمولي، وغير ذلك من مصطلحات العداوة والبغضاء.

فهل ذلك بسبب انسلاخهم مِن هُويتنا، أوبسبب الهزيمة النفسية الذاتية، أو الإحساس بالدُّونية، أو التبعية الفكرية، أو التقرب زلفى لأنظمة الشرق والعرب والغرب، أوالتقرب لأعداء الإسلام بصفة عامة.

أم هي ظاهرة استرزاق رخيصة، أو مظاهر تسلق ووصولية أرخص، أو ربما بسبب العجز عن توفير بديل عن الإسلام، فلم يعد لهم من سلاح يحاربون به الإسلام إلا شيطنته.

ومهما كان السبب فهُم عبارة عن ألسنةٍ وأقلامٍ وعقولٍ غَدرت بهُويتنا، وسمومٍ تُبث من داخلنا، وخناجر غرسها فينا من يفترض أنهم من أبناء جِلدتنا، فأُمَّتُنا مطعونة من الداخل، فعلينا أن ننظف البيت من الداخل، قبل أن نلوم غيرنا.

والله من وراء القصد.

***

د. فتحي الفاضلي ـ كاتب سياسي واستاذ جامعي

__________

مدونات الجزيرة