Minbar Libya

بقلم إسماعيل القريتلي

تمظهرات الصراع الاجتماعي في مساحة اليابسة المسماة ليبيا تتسع دون أن نجهد في تحليل الصراع بعيدا عن تنميطه جهويا أو عرقيا أو ثقافيا، ويزيد التحليل تسطيحا عندما نتحدث عن فبراير وسبتمبر والثورة المضادة مستعينين بلغة ديماغوجية يتفكك فيها المنطق، وتتناقض مقدماتها مع نتائجها، وتهدف فقط إلى نيل تأييد العامة والتأثير الغريزي على العقل الجمعي.

يتقاتل السكان على غير قضية؛ فالدولة والمجتمع مفهومان باهتان في وعينا غير المنهجي، وكل ما نرنوا إليه من صراعنا تحقيق هيمنة غير متزنة على مساحة من اليابسة منحنا إياها قرار أممي صاغته القوى المهيمنة بناء على نظام الوصاية الوارد في الفصل الثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة الصادر سنة 1945، وفشلت حوارات من باتوا لاحقا ليبيين بقوة القرار الأممي في تحقيق تفاهم اجتماعي يفضي إلى تأسيس نظام سياسي واقتصادي تلتزم به حكومات معبرة عن إرادة السكان.

حتى دستور 1951 لم يكن محل توافق اجتماعي، بل اضطر إليه سكان غرب ما يسمى دولة ليبيا الآن رغم اعتراضهم على الملكية والفيدرالية، وسرعان ما سقطت الفيدرالية في 1963 فغضب لذلك سكان برقة، ثم لحقت بها الملكية في 1969، ولم تدم الجمهورية فخلفتها جماهيرية سقطت بدورها إثر تدخل غربي سريع سنة 2011.

انسلخ سكان ليبيا الحالية من نظام الانتداب الذي عكس نتائج الحرب العالمية الثانية لكنهم لم ينجحوا في تأسيس دولة قُطرية وفق المفهوم الأوروبي، واستمر التناقض بين السكان الذين لم يتوقعوا أن تجمعهم حدود مشتركة بالمعنى الحديث للدولة؛

فمن جهة انقسمت تجمعات سكان الحدود بين ليبيا وجاراتها التي نشأت بذات الطريقة التي صنعت وفقها ليبيا، ولم يندمج السكان داخل حدود دولة ليبيا السياسية – التي منحت عضوية الأمم المتحدة – في نظم اجتماعية وقانونية واقتصادية وسياسية تطورت عبر تثاقف متعدد المستويات تشاركت فيه مؤسسات رسمية وأهلية، اجتماعية واقتصادية، تتولد عن جدلها البيني اتجاهات متقابلة لمفهوم الدولة والمجتمع، يثمر استمرار تثاقفها في بيان واقعية العيش المشترك، وبالتالي خلق أنماط هذا العيش وعلاقاته، أو أن تخلص المحاورات إلى صعوبة التعايش بين السكان.

كل ذلك لم يحدث، ما حدث هو عكس ذلك تأسس حكم بسلطة دينية بدعم خارجي، ثم حكم فرد ارتبط بأحد خنادق الحرب الباردة، استغرق الحُكمان معا الفترة من 1951 إلى 2011، وبعد انفراط الأخير ظهرت كل التناقضات بين الليبيين التي أنتجت الصراعات ثم الحروب المتصلة منذ سقوط حكم القذافي، ومن المحتمل أن تستمر دون أن تستقر ليبيا إلا إن نجح السكان أو نخبتهم في الاعتراف بعدم تكون دولة اسمها ليبيا، ومن ثم يتفاوضون لأجل صناعة تفاهم .موضوعي يرسم ملامح واضحة لمعنى أن يعيشوا معا

ينبثق عن تفاهمهم نظما قانونية واقتصادية واجتماعية يصدر عنها مفهوما محددا للدولة والمجتمع يشمل وظيفتهما والعلاقة بينهما من جهة وبين السلطة من جهة ثانية، أو أن يفشلوا في تحقيق ذلك التفاهم بتأسس استبداد جديد يقوده فرد، حزب، جهة، يعتمد في وجوده على دعم خارجي.

وعندها يصبح عبثا الحديث عن الخيارات والاحتمالات، خاصة في ظل تغيرات عالمية تفرضها تحولات في النظم الدولية الاقتصادية ولّدت هوات جديدة تتسع بين الشمال والجنوب، مثل الهوة الرقمية وأحد مخرجاتها الذكاء الاصطناعي، وهوة الطاقة النظيفة التي ستجعل سعر البترول أقل من زجاجة الماء، والبون الشاسع للمفاهيم والتطبيقات المؤسسية والإدارية، فضلا عن الهوة المعرفية بشكل عام.

في تقديري سكان ليبيا يعيشون عبثا متعدد الأوجه، تتعدد فيه المسميات مثل المصالحة، العدالة، الدستور، الانتخابات، الاتفاق السياسي، لأن كل ما سبق ينطلق من مسلمة وجود دولة اسمها ليبيا، وهذا ما أخاله وهما مركبا نُصِرُّ على وجوده فتتسع المسافة بيننا وبين نقطة البدء في مشوار البحث عن مخرج من الأوضاع العدمية التي تورطنا فيها.

***

اسماعيل القريتلي ـ إعلامي وكاتب ليبي. عمل بموقع إسلام أون لاين ثم انتقل الى الجزيرة نت بقسم البحوث والدراسات

____________