Minbar Libya

بقلم محمد صالح تنتوش

القابلية للاستعمار مفهوم طرحه مالك بن نبي  في كتاب شروط النهضة إذ يقول أن المحتل الذي يحتل أرضا ويسيطر على ترابها مع مرور الزمن يبقى غازيا ومحتل لفرد غير قابل للاستعمار.

هنا يتدخل “المعامل الاستعماري” وهو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي أيضا، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذج من الحياة والفكر والحركة، وبعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية يصبح هذا الفرد قابلا بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها، ولا يخرج عنها ويرسم شخصيته طبقا لحدودها، بل ويدافع حتى لا تزول تلك الحدود التي أقنعه بها المستعمر، وحينها نكون هنا أمام فرد يعاني من “القابلية للاستعمار”.

في الغالب فإن القابلية للاستعمار هي رضوخ داخلي عميق للاستعمار كما يراه مالك بن نبي، هذا الرضوخ ناتج عن إقناع الاستعمار للأفراد المستًعمرين (الأهالي) بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم بدونه، ودونيتهم في كل شيء.

كما يرى مالك بن نبي أن القابلية للاستعمار قد تكون ناتجة عن الواقعة الاستعمارية أي خضوع شعب ما للاستعمار، كما قد تكون ناتجة عن صفات عقلية ونفسية ترسخت في أمة معينة نتيجة ظروف وصيرورة تاريخية معينة، تجعلها تفشل في القيام بفعل المقاومة، وبالتالي الشعور بالدونية اتجاه الآخر المتفوق حضاريا، ويعتقد بن نبي أن كثير من افراد المجتمع الإسلامي يعانون من القابلية للاستعمار حتى ولو كانت بلدانهم غير خاضعة للاستعمار(منقول عن ويكيبيديا بتصرف بسيط).

تلك كانت أفكار مالك بن نبي منتصف القرن الماضي، ويبدوا أن فكرته لا زالت صامدة لم تتغير بتغير الأحداث، بل ويبدوا أن فكرته كانت عبارة عن ملاحظة لسنة كونية تبقى ما بقيت الأسباب المؤدية إليها.

لعل السؤال هنا لماذا نبدأ بطرح نظرية القابلية للإستعمار في مقالنا هذا؟

والحقيقة أن ما يجري من حوار في تونس هو ما دفعني للحديث عن هذا الأمر ، فالمتتبع لتفاصيل الحوار يدرك أن الجالسين هناك من الليبيين ليس لديهم ما يجمعهم سوى أمران لا غير وهما الطاولة التي يجلسون عليها والبحث عن مصالحهم الشخصية أو في أحسن الأحوال ، مصالح المجموعات التي يمثلونها.

يشتكي الليبييون عموما من تدخل الدول الخارجية بشؤونهم، هذا الهم العام يصبح تهما متبادلة ما بين مؤيدي الأطراف المتنازعة بسبب دعم بعض الدول لكل طرف من الأطراف بالشهود والوثائق والدلالات ، والعجيب أنه وفي المراحل الأولى من  تدخل الأمم المتحدة لعقد حوار ما بين الأطراف وحتى فترة قريبة قبل تولي السيد “غسّان سلامة ” رئاسة البعثة الأممية، كان ممثلو هذه الأطراف يتذمرون من التدخل الدولي في شؤونهم نظرا لأن مجريات وتفاصيل الاتفاق لم تعجب بعض الفصائل في أطراف الحوار ، والواقع أن هذه الأطراف كثيرا ما توجهت للجلوس بمبادرات من بعض الدول مثل المبادرة الفرنسية والمصرية والاماراتية والجزائرية وغيرها من المبادرات، فضلا عن توجه ممثلي هذه الأطراف لدول أخرى للحصول على دعم مادي ومعنوي.

وجود مشاريع دولية مختلفة في ليبيا أمر يعرفه الجميع تقريبا بما في ذلك أطراف النزاع، صحيح أن هذه المشاريع ومدى الاهتمام بها ليس بذات الاهتمام بقضية سوريا لكن على المستوى الإقليمي (الخليجي، المتوسطي، دول الجوار ) فإن الأمر مختلف الى حد ما إذ تشكل ليبيا أهمية كبيرة بالنسبة لهذه الدول، لكن ورغم ذلك تجد أطراف النزاع لا تتوانى عن القيام بالرحلات الماراثونية للاجتماع بممثلي هذه البلدان.

كخلاصة فإن اجتماعات تونس وحتى في حالة الوصول الى اتفاق ما فإنها لن تمثل مصالح الشعب الليبي ولن تعبر عن طموحاته بقدر تمثيلها للمصالح الشخصية لأطراف الحوار و أطراف داعميهم بطبيعة الحال، ولا يمكن لباقي المجتمع الليبي أن يلوم هؤلاء، فالغالبية يشتمون هؤلاء الأشخاص صباح مساء لكنهم لا يتجاوزون مرحلة التعبير اللفظي الى محاولة ايجاد مشروع وطني يكون بديلا عن المشاريع الدولية التي تستخدم أدوات مختلفة للوصول الى مصالحها، ومن هنا فإنه وحتى الخروج بهذا المشروع الوطني البديل عن المشروعات الدولية فإننا نمثل تماما ما كان يتحدث عنه مالك بن نبي من قابلية للإستعمار.

***

محمد صالح تنتوش ـ كاتب ليبي

_____________