Minbar Libya

بقلم مهدي ثابت

تصرُّ  الامم المتحدة  ان تكون سنة 2018 هي سنة الحل في ليبيا. واقترحت لذلك خارطة طريق تتسم بكثير من الواقعية لانه لم يعد مسموحا لها بالتعثر في ادارة الملف.  

فقد اصبح جميع الفرقاء في ليبيا  مدركا لهذا الامر والكل يهيء نفسه للخروج باكبر المكاسب في نهاية المسار.  و هذا الاستعداد الداخلي تجلى سياسيا وعسكريا.

اما القوى الدولية وان كانت سببا رئيسا في تأزيم الاوضاع في البلاد الا انها لن تكون عاملا معرقلا هذه المرة اذا استثنينا اللاعبين الاقليميين وهما مصر والامارات العربية المتحدة اللتان ستكونان عرضة للضغوط الشديدة لرفع الايدي عن التدخل الفج في الشان الداخلي الليبي.

هذا التفاؤل لا يعني ان الطريق سيكون ورديا وسلسا، وإنما قد يكون عرضة لانتكاسة كبرى. فهذا البلد مفكك وامكانية تفجير المسار واردة لان جميع القوى في البلاد مسلحة وحجم الخلاف كبير ومتراكم.

مقدّمة

تعيش ليبيا هذه الأيام على وقع أحداث سياسية وعسكرية على غاية من الخطورة والأهمية على اعتبار وان سنة 2018 ستكون سنة الحل السياسي الشامل الذي سينتقل بالبلاد من الوضع الإنتقالي، الذي طال كثيرا، إلى الوضع الدائم والمستقر.

هذا الحراك المتسارع تتجاذبه أطراف في الداخل إلى جانب البعثة الأممية للدعم التي أدركت بعد وقت طويل أن الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية أواخر سنة 2015 أصبح معوقا في بعض بنوده للعملية السياسية وأن التعديل أصبح ضرورة فرضتها حالة الانسداد السياسي القائمة في البلاد.  

فهل فعلا ستكون سنة 2018 سنة الانفراج السياسي كما تطمح لذلك الأمم المتحدة بعد الخبرة الكبيرة التي راكمتها في الملف؟

وهل سيتمكن الليبيون من تجاوز المعوقات القائمة وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية والجهوية ؟

وهل سترفع القوى الدولية والإقليمية يدها عن الملف وهي من ساهمت بدور فعال في تأجيل الحل عبر الإستعمال الفج لأدواتها في الداخل؟

وماذا تحمل خارطة الطريق الجديدة التي رسمتها بعثة الأمم المتحدة؟ وما فرص نجاحها؟

أسباب تعثر الامم المتحدة  في ليبيا

أخيرا وبعد مرور قرابة السنتين على إمضاء الاتفاق السياسي اقتنعت الأمم المتحدة بضرورة إدخال تعديلات على بعض بنود الاتفاق بما يسرع في حلحلة الأوضاع لأن الجميع أدرك أن الأزمة طالت وان الاشتغال يجب أن يكون على الإتفاق ذاته لأنه لا حل خارج هذا الإطار.

وهذا التعديل سيكون أولى مراحل خارطة الطريق المقترحة من السيد غسان سلامة والتي تتضمن ثلاث مراحل وفق جدول زمني يمتد لخمسين أسبوعا. إن الأمم المتحدة تدخل هذه المرحلة الجديدة من المفاوضات  واضعة في اعتبارها الأسباب التي أعاقت تنزيل الاتفاق على أرض الواقع وهي متعددة منها ما هو  متعلق بالاتفاق ذاته ومنها ما هو متعلق بأطراف الصراع في الداخل ومنها ما يعود للتدخلات الخارجية في الملف على حساب المصلحة الليبية العليا.

وأما عن الأسباب المتعلقة بالاتفاق، فهي تركيبة المجلس الرئاسي المتكون من رئيس وتسعة أعضاء. هذا المجلس إلى اليوم لم يتخذ أي قرار بالإجماع بالنظر لطبيعة الخلافات القائمة بين أعضائه وهو ما عرقل أداءه وجعله يتسم بالضعف الشديد في اتخاذ القرارات.

وكذلك المادة الثامنة المتعلقة بتسمية رؤساء الوظائف السيادية في الدولة. والتعديل المقترح سينصب على تركيبة المجلس الرئاسي. وسيقع التركيز على المادة الثامنة وهي أخطر نقطة على الإطلاق وقد يحصل توافق حول طبيعة التعديل فيها.

وأما عن الأسباب المتعلقة بأطراف الصراع في الداخل فإن الجميع يدرك أن لب الخلاف القائم في ليبيا والذي كان سببا إلى حد الآن في فشل اتفاق الصخيرات هو المادة الثامنة من الإتفاق السياسي التي تنص على شغور الوظائف السيادية في الدولة من ساعة إمضاء الاتفاق. ومن هذه الوظائف منصب القائد العام للجيش الليبي وهو ما يجعل من الجنرال حفتر حاليا وفق نص الاتفاق هو قائد ميليشيا وليس قائدا للجيش لأنه لم تقع تسميته من المجلس الرئاسي.

هذه المادة يطالب البرلمان المنعقد في طبرق بتعديلها ليكون أمر تسمية القائد العام للجيش من اختصاص البرلمان وليس المجلس الرئاسي ليمكن البرلمان حفتر من هذه الخطة التي يعلم أعضاء المجلس الرئاسي والفاعلين الدوليين في ليبيا أن الموازنات الداخلية لا تسمح لحفتر بالمطلق أن يكون في هذا الموقع . وإذا اتفق الليبيون، بما فيهم حفتر، على صيغة توافقية تجعل من الجنرال رقما في المشهد في غير هذا المنصب وفي غير وزارة الدفاع فإن الحل الشامل يصبح قريبا جدا.

إن ما يسعى إليه الجنرال حفتر الآن هو محاولته إقناع العالم بأنه رقم صعب في البلاد رغم أنه على الأرض قد ضعف كثيرا وخاصة في مناطق نفوذه في الشرق . ويسعى الآن لتحويل معركته إلى المنطقة الغربية في محاولة لكسب مناطق نفوذ في الشريط الساحلي غرب العاصمة طرابلس.

وهي منطقة استراتيجية باعتبارها منطقة حدودوية مع تونس ومنطقه تهريب للبشر إلى أوروبا إلى جانب أن بها محطة “مليتة ” لتصدير الغاز إلى إيطاليا. ومن يسيطر على هذه المنطقة سيكون محل رضى ودعم من إيطاليا اللاعب القوي في ليبيا.

إن أحداث صبراتة الآن (سبتمبر 2017) خلفها الجنرال حفتر.  فهو يريد السيطرة على هذه المدينة، التي هي في القلب من الساحل الغربي للبلاد، ثم السيطرة على محطة مليتة للغاز ومنها إلى رأس الجدير. هذا الأمر يستوجب قوة عسكرية ضخمة وتحشيد قوات كبيرة وهو ما لا يقدر عليه الجنرال.

لقد حرّك حفتر الأحداث في بدايتها في صبراتة وسط دعاية إعلامية كبيرة لكن الجهة المنتصرة وهي غرفة مكافحة تنظيم داعش التي سيطرت على المدينة أعلنت ولاءها لحكومة الوفاق ولقيادة الأركان في طرابلس، وهي طعنة عنيفة لحفتر الذي حاول تَجيير هذا التحول العسكري لصالحه.

إن ما يسعى إليه حفتر هو تأخير الحل السياسي أو جعل الجميع يرضخ لطموحاته في قيادة الجيش الليبي. وقد دخل مؤخرا في تحالف مع أنصار القذافي في محاولة لتغيير التوازنات العسكرية في الغرب دون جدوى لأن القوى الكبرى ليس من مصلحتها توسّع رقعة الصراع في البلاد وهي تراهن على الحل السياسي الذي قطعت فيه مشوارا طويلا.

إن الايطاليين مقتنعين أن حفتر عسكري مغامر وأنه غير قادر على تحقيق أهدافه، ولذلك هم يحاولون إقناعه بضرورة التخلي عن الحل العسكري والانخراط في العملية السياسية وخوض غمار الإنتخابات إذا أراد حكم البلاد.

ومن الأسباب أيضا التي عرقلت تطبيق الاتفاق السياسي هي حالة التشرذم والخلاف التي يعرفها معسكر فبراير القوة السياسية والعسكرية الأولى في البلاد، وهو ما زاد في تعقيد الأوضاع. فأن يكون طرف من هذا المعسكر مع الاتفاق والطرف الآخر ضده جعل حكومة الوفاق على علاَّتها طرف ضعيف غير مسنود من جهة قوية تجعلها قادرة على الوقوف أمام المعوقات في الداخل وأمام التدخلات الخارجية  التي حولت مجمل الملف الليبي إلى ساحة صراع دولي على النفوذ.

هذه التدخلات هي إقليمية ودولية ، فعلى المستوى الإقليمي أصبح معلوما لدى الجميع الدور المصري والإماراتي في دعم الجنرال حفتر الذي غايته السيطرة على البلاد وحكمها  عسكريا على النمط المصري.

وعلى المستوى الدولي، فإن الخلاف الفرنسي الإيطالي أعاق جهود الأمم المتحدة في تنزيل الإتفاق إذ المعلوم أن إيطاليا هي المساند الأكبر لحكومة الوفاق وضد المسار العسكري الذي سلكه الجنرال حفتر. في حين نجد أن فرنسا هي الداعم الأوروبي الأكبر للجنرال وهو ما جعلة يتمادى في الخيار العسكري ويرفض الإنخراط في العملية السياسية تحت سقف اتفاق الصخيرات.

يتبع في الجزء التالي

***

مهدي ثابت ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية

___________