Minbar Libya

بقلم سليم الحكيمي

  في سنة 1988 سجل الاعلام اول ضحية للهجرة السرية غرقا في البحرالابيض  المتوسط. ثم تتالت الاخبار الدولية تنذر بتوالي المآسي في الضفة الجنوبية لاوربا التي تضمّ دولا صناعية كبرى اُعتقد كثيرا انها قلعة منيعة ضد الدخول غير القانوني بعد فرضها التاشيرة على الوافدين اليها من بلدان مغاربية وافريقية وعربية.

إذ تشير التقديرات في اجتماع بروكسيل الأخير في 8/ مايو /2015 ان حوالي 50.000 لاجئ دخلوا اوربا منهم  30.000 دخلوا عبر الشواطئ الايطالية ،ليرتفع معدل نمو الهجرة السرية الى مستوى 250  % .  

ولكنّ القارة المنيعة استحالت  معبرا للهجرة السرية ولم تتوصل دول الضفة الجنوبية مجتمعة لوقف نزف الهجرة الى اراضيها .

ففي اجتماع 44 دولة  في  القمة الثانية لرؤساء برلمانات الاتحاد من أجل المتوسط  بالمغرب الاقصى، تحت شعار”الهجرة، اللجوء وحقوق الانسان في المنطقة الأورومتوسطية”، تبين  ان هنالك  ثلاث ممرات في البحر الأبيض المتوسط، الممر الغربي (بين المغرب وإسبانيا)، والممران الأوسط والشرقي، وثبت أن الممر الغربي هو الوحيد المحمي من محاولات الهجرة السرية بحسب دراسة أنجزتها الوكالة الاوربية “فرونتيكس” سنة 2005.

ومع كل اهتزاز سياسي واقتصادي  في المنطقة العربية  يركب عدد من المهاجرين الافارقة البحر .

فمنذ سنة 2000 الى غاية 2011، وعشية الربيع العربي  تشير الاحصاءات الى وفاة  20.000 شخص قضوا نحبهم في عرض المتوسط غرقا، اغلبهم من جنسيات عربية  افريقية. .  

وتشهد الدول الأوروبية الجنوبية مشاكل كبيرة بسبب تدفق المهاجرين واللاجئين غير الشرعيين، وخصوصا إيطاليا التي يصلها يوميا بالمتوسط عبر البحر 500 مهاجر، بينما شهد الاتحاد الأوروبي عام 2014 تدفق 170 ألفا.

وفي هذا الوقت يصل عدد القتلى خلال محاولات الوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط إلى الآلاف، حيث قتل هذا العام وحده أكثر من ألف و500 مهاجر ولاجئ وتعتبر ليبيا نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين إلى أوروبا.

عادت موجة الهجرة بقوة بعد الربيع العربي بسبب هشاشة الدولة في ليبيا إثر تواصل الاحتكام الى السلاح والانقلاب العسكري في مصر ،والديمقراطية الفضفاضة وصعوبة الانتقال الديمقراطي وتعثره  في منطقة المغرب العربي بعد عودة الدولة العميقة الى معاقلها القديمة و صارت بعض شعوب المنطقة  تعيش وضعا كسابق عهدها  قبل    2011 ، عندما كانت الديكتاتوريات تحكم شمال افريقيا بقبضة من حديد. بعد الربيع العربي نشطت الهجرة السرية الى اوربا بسبب تراخي الدولة وتغلب كفة  المجتمع على الدولة  وهي كفة ترجح مع كل ثورة.

 السّوريون جنسية جديدة  في عرض المتوسط  بين ليبيا وايطاليا

البحر المتوسط صار الطريق الاخطر في العالم كما وصفته المفوضية الاوربية لشؤون اللاجئين، حيث غرق به اكثر من 3400 مهاجر سنة  2014 بمعدل غرق شخص  كل 4 ساعات حسب المرصد الاورو متوسطي لحقوق الانسان والهجرة.

والمعطى الجديد في الهجرة السرية هو دخول الجنسية السورية على الخط بعدما كانت مقتصرة على شعوب المنطقة المغاربية والافريقية، إذ تشير المعطيات الى وفاة 2157 مهاجر سوريا غرقا طيلة الاربعة سنوات الماضية منذ ندلاع الثورة . في حين  اوقفت السلطات التركية  عددا من السوريين الذين ملوا المخيمات باحثين عن امل في حياة جديدة خوفا من الحرب والثلوج والغبار .

باتت خطوط التهريب اكثر نشاطا وحيوية، فحوالي  8500 مهاجر وصلوا ايطاليا، أي بمتوسط 116 مهاجرا كل يوم ربعهم من السوريين والفلسطينيين.

وتشير المعطيات الى وجود  250 الف لاجئ سوري في مصر واستطاعت السلطات المصرية ان توفّر لهم نوعا من الحماية في عهد الرئيس المصري محمد مرسي ، ولكن تغيرت الامور بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، وعملية الكرامة  في ليبيا ق بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ففي  مصر  تمت شيطنة وجود اللاجئين السوريين  وتم الدفع بهم نحو الشواطئ المصرية او ليبيا

حادث 2/8/2014 و حادث الغرق في  20/8/2014 وهو  حادث “مركب زوارة 24” الذي   ذهب ضحيته200 شخص  حسب  تصريح  “خالد حلاق” مسؤول الجالية السورية في جزيرة  صقلية بايطاليا الذي اعتبر بان هنالك ايضا  حوالي  4272 مفقودا من اللاجئيين السوريين في عرض المتوسط .

بالاضافة الى حادثة  3 سبتمبر 2014 حين  غرق 500 سوري وفلسطيني انطلقوا  من ميناء “دمياط” على  متن قارب كتب عليه  ” الحاج رزق ” باتجاه اوربا، تحدث عنه  الناجون انه حادث مدبّر غرقه ، ركبه شباب من خان يونس مكثوا في البحر ثلاثة ايام ورووا القصة لمنظمات  الهجرة.

وكانت شهادة شكري العسّولي، من سكّان غزة، وهو احد الناجين الذي فقد زوجته وابنيه  في  غرق السفينة المتجهة الى ايطالياحيث روى في  شهادته انه تم اغراقها قصدا من قارب على متنه مصريون  بعد ضربها من الخلف في عرض المتوسط، و مكث الغرقى يصارعون الموت على سطح الماء 4 ايام بين ملوحة المياه والاسماك حتى وصل بعضهم الى حالات هستيرية  وصار بعضهم  ينادي: خذني على السيارة وهاتى كرسي اريد ان اجلس …

ومات 450 ماعدا 11 ناجيا انقذتهم سفينة يابانية .

تستفحل الظاهرة حسب المنظمات الدولية حتى  وصلت المأساة ذروتها  في حادث الغرق الاخير  في جنوب ايطاليا، والذي توفي فيها 800 شخص  امتطوا قارب الموت الجماعي، فقضى في الحادث  40 طفلا و 200 امراة. بينما كان العدد الحقيقي على متن القارب  950 شخصا بشهادة احد الناجين من الموت وهو بنغالي  الجنسية.  

و بعد حادثة قارب 500 سوري اغلقت المنافذ على العابرين في الموانئ  المصرية دون فتح تحقيق في الغرض علما وانه في أي دولة في العالم ممكن تتبع خيط العملية  ومعرفة سبل تسهيل هجرتهم ومرورهم من الميناء البحري .

يتبع

***

سليم الحكيمي ـ كاتب صحفي تونسي

_______________