Minbar Libya

بقلم عبد المجيد العويتي

ما أن تبدأ الحملات الانتخابية في أي بلد استعداداً للترشح لمنصب تشريعي أو تنفيذي حتى يبدأ المرشحون التواصل مع مراكز سبر الأراء لمعرفة مزاج الرأي العام والمتطلبات التي تهم الشرائح ، وبالتالي معرفة الشريحة الأهم في البلد ، فتتزين بوسترات الدعاية للمرشح بما لذ وطاب من أحلام وأماني ومتطلبات لتلك الشريحة حتى تعطيهم أصواتها ويصل مبتغاه الانتخابي ،

ولعل أهم الشرائح المجتمعية التي يسيل لها لعاب المرشحين في العالم أجمع هي الشباب باعتباره الأكثر عدداً والأكثر متطلبات والأقل حظاً في جنيها .

ولكن هل ينطبق هذا على الحالة الليبية ؟؟!

ليبيا من البلدان التي يشكل فيها الشباب الأكثرية بنسبة تتعدى الــ67 % من مجمل عدد السكان ويشكلون وقود الأزمة ولا ينوي أحد استعمالهم كأنبوبة إطفاء ( على ما يبدو !! ) ، و لقد تزينت ملصقات الدعاية للمرشحين في ليبيا في أكثر من مناسبة انتخابية بجمل لا تمت للشباب بصلة ولا لمتطلباتهم وأحلامهم التي خرجوا ينادون بها في ثورتهم ، فكتب مرشح أنه يريد الحفاظ على وحدة ليبيا وأخر كتب بأنه يترشح ليحافظ على هوية ليبيا وكتب كثيرون أنهم يريدون استقرار ليبيا وأجمع العديدون منهم على ليبيا الوطن بعبارات فضفاضة لا تقيدهم بمسائلات قانونية وشعبية بما ألزموا أنفسهم بها عند جلوسهم على كرسي المسؤولية .

وحتى إن آمنا بهذه العبارات وصدقنا هذه الغايات ، فليبيا الوطن وليبيا الهوية وليبيا الجغرافيا لن يكون لها وجود إن اختفى الإنسان الليبي الذي يمثل الشباب نسبته الأعلى ، فإذا أردت أن تحافظ على استقرار ليبيا فعليك أن تحافظ على استقرار الشباب عبر مدهم بواقع يهمهم وبطموحات تخصهم ، عبر مشاريع صغرى ومتوسطة وكبرى وعبر منازل تؤويهم وشركاء حياتهم ، وعبر حقوق تصونهم ، الشباب يحتاجون إلى مشاريع تحقق لهم ما تطمح له يا سيادة المسؤول وهو استقرار البلد ولا يحتاجون إلى رص أسمائهم في بعثات وهمية تحت مسمى هيئة المحاربين وكأنك تكافئهم على مشاركتهم في حرب بالوكالة ، ولا يحتاجون إلى الوقوف في طوابير قوائم الانضمام إلى الجيش أو الشرطة وكأن بقية المؤسسات حكر على الكهول والعجائز يورثونها أو يبيعونها ( عتبة ) لمن يشتري .

الشباب في هذا البلد وقود أزمة ، فهم من يمتطي السيارة العسكرية ليزيدوا رقعة النفوذ الجغرافي لطالب سلطة فيلقي خطبة على جثث يبتدأها بالترحم على الشهداء وينهيها بالدعاء للوطن ، تباً له من وطن !! .

الشباب الليبي مميز في كثير من المناحي ، فما أن فتح المجال لبعضهم حتى بدأ نجمه في الصعود فمقاعد الدارسين في العالم مليئة بقصص شباب ليبي نجح وتميز بل وانفرد بتحقيق شيء جديد في تحصيله العلمي ، وحتى على مستوى المسؤوليات نجح كثير من الشباب الليبي عندما توفرت له الفرصة من اعتلاء مهام ومسؤوليات أنتج بها رصيداً طيباً لسمعة ليبيا ، وحتى على المستوى الداخلي ووسط هذه الأزمات نرى الشباب الليبي يتميز ويقلب الكارثة حلاً ويرى في الفشل فرصة للنهوض ، فخالف كثيرون في الداخل الليبي المعطيات التي تقول باستحالة الحياة في ليبيا حيث لا عمل وإن توفر فلا مرتبات وإن توفرت فلا مستقبل آمن ، ومع هذا هنالك من تفوق ونجح وحقق مبتغاه بعيداً عن مظلة الدولة ورعاية المنظرين .

شببا ليبيا غير مزعجون بالمرة لمن تولى سلطة أو من يحلم بتولي سلطة ، غاية ازعاجهم خروجهم ضاغطين على منبهات سياراتهم في أرتال طويلة يصيحون بعبارات يسمعها القاصي والداني ، لا يريد بها حقاً ويتظاهر لأجله ، هو فقط يعبر عن فرحه بفوز فريقه على فريق أخر وبعدها بقليل سيعود لبيته لينام ، فحتى الآمال في هذا البلد أصبحت بسيطة لا تتعدى جمع أغطية قنينة الماء ليجمعها ويبيعها بالكيلو ، وحتى هذا الأمل ( طلع إشاعة ) .

ومن جمع المغاطي بدأ الشباب الليبي في تركها ( مخضرة ) وقرر الحرقة و ركوب الموج رفقة المستضعفين في الأرض نحو أوروبا فبعد أن استنفذوا كل أمل محلي بدأوا يحلمون بأمل عابر للحدود ، فإن وصل تحقق جزئه أو كله وهو عبارة عن عمل يجمع به مبلغاً محترماً يحقق حياة كريمة بدل الذي دمرتها معارك المجانين ، وإن لم يصل فإنه سيردد جملته المعهودة بسلبيته الدائمة المشبعة بعقيدة خالصة ويقول ( الله غالب ) .

فيا كل حالم بسلطة ، لن تحكم أرضاً دون شعب ، وشعب ليبيا شباب ، فكل أمل ببناء دولة لن يتحقق دون معرفة متطلبات شعبها ، ومتطلبات شبابها أكثر من بسيطة تبدأ بحق العيش كمطلب أولي بعيداً عن سيناريوهات الحرب وتنتهي بحق الحياة الكريمة كسقف أعلى لأحلامه  ، فهل لنا من محقق لهذه الغايات يكتبها وعداً وينفذها حقاً .

***

عبد المجيد العويتي ـ كاتب ليبي

____________