Minbar Libya

 بقلم عبد الوهاب بدرخان

مرّة جديدة، ثمة نافذة كبيرة تُفتح على حلٍّ ما في ليبيا، وثمة تفاؤل من الطبيعي أن يكون حذراً نظراً إلى السوابق. الفارق المهم يكمن في خبرة المبعوث الدولي الجديد غسان سلامة وحنكته، فضلاً عن الدعم الدولي الكبير الذي نالته خطّته وهو في مستهل مهمّته.

لكن الاعتماد الأكبر، كما يقول ويكرّر، يبقى على إرادة الليبيين واستعدادهم لإنقاذ بلدهم المنجرف في التيه والجمود والضياع.

أما العنصر الآخر، الذي يكتفي بالإشارة إليه بـ «تعدّد المبادرات الذي يعقّد أي مساعٍ لبناء الحلّ »، فهو دور الدول الكبرى المعنيّة بالشأن الليبي ومدى وقوفها وراء خريطة الطريق التي اقترحها، والأهم مقدار انسجامها وفرملة انقساماتها وصراعاتها عبر الأطراف الليبية.

هل أن الشروط الإيجابية متوفّرة؟

نظرياً، نعم. عملياً، الاختبار أفضل معيار.

أكثر ما اهتمّ به الوسط الدولي في مقاربة المسألة الليبية يختصر بكلمة واحدة: الفوضى، التي تفرّعت عنها قضيّتان: تفشي الإرهاب، وتصاعد الهجرة غير الشرعية.

الأولى استوجبت حلّاً مصنّعاً تمثّل في ما سمّي «حكومة الوفاق» والترتيبات التي استجرّها لتأمين شيء من الأمان لهذه الحكومة والمجلس الرئاسي في طرابلس، وجرى تجاوز اعتبارات «الشرعية» ومخاطر الانقسام الجهوي وتعميق الأحقاد الاجتماعية لإيجاد القوات اللازمة والمؤهّلة لطرد تنظيم «داعش» من سرت وإنهاء «إمارته» فيها، معركة دامت عملياً نحو ثمانية شهور، من دون أن يُقضى كلّياً على الإرهاب.

أما الثانية فاستمرّت تتقلّب بين فشل الإجراءات البحرية ونجاحها إلى أن بدأت إيطاليا تقول أخيراً إن أعداد المهاجرين تقلّصت فعلاً، لكنها لم توقّف، تحديداً لأن للهجرة تجّارها المرتبطون بميليشيات تحتاج إلى موارد وتمويلات. وبالتالي فإن القضيتَين متفاعلتان بسبب الفوضى، أي لأن الدولة مفتقدة.

غير أن الإرهاب والهجرة ليسا الهاجسَين الوحيدَين للوسط الدولي، فالمصالح التي يجري التنافس عليها أكبر وأوسع، ويصعب على أي جهة أن تظفر بما تسعى إليه ما لم تكن هناك دولة ليبية ولو في بدايات استقرارها، لذا غدا التنافس أيضاً على أي دولة سيُتاح لها أن تستقيم، وأي أطراف خارجية ستكون لها مساهمة أساسية في تمكينها وتوجيه دفّتها.

هل بمقدور المبعوث الدولي اختزال المعادلات الدولية المتعارضة أو إخمادها، أو ضمان أن تلعب لعبته كما يأمل؟

من شأنه أن يعمل وفقاً لما تقتضيه الأصول، فأكثر ما سمعه من الليبيين أنهم يتوقون إلى إنهاء هذه الدوّامة التي انساقوا أو ساقوا أنفسهم إليها، لكنه اكتشف ميدانياً ما كان يعرفه عن بُعد، أي أن الصراعَين الداخلي والخارجي متلازمان، وأن الحلقة المفقودة هي عدم الوضوح الأميركي في مقاربة الأزمة بمجملها، باستثناء محاربة الإرهاب، ما يبقي اللاعبين الآخرين من دون بوصلة واضحة.

هذه هي الخلفية الواقعية للمهمّة التي باشر «سلامة» تنفيذ أولى مراحلها في تونس لتعديل اتفاق الصخيرات فيما يعدّ للمؤتمر الوطني المفتوح خلال نوفمبر لأكثر من ثمانمئة شخص حتى لا تدّعي أي جهة أنها مهمّشة أو غير ممثّلة.

لعله استوحى هذه الفكرة من «لويا جيرغا» الأفغانية التي لم يكن فيها تمثيل لحركة «طالبان»، لكنه طوّرها لاستنتاجه بأن التجربة الليبية يمكن ألّا تستثني أحداً، أما دواعي استحضارها فتنطوي على تشابهات منها طبيعة التشرذم السياسي، وواقع الاستبداد المزمن الذي حرم معظم فئات المجتمع من أي مشاركة سياسية أو مكاسب تنموية.

وبمقدار ما يبدو هذا المؤتمر أشبه بـ «علبة باندورا» تخبّئ مفاجآت، أو مغامرة غير مضمونة، بمقدار ما سيكون إطاراً لجمع الليبيين في نيويورك أو جنيف ووضعهم أمام واقعهم وضرورة الاعتراف بالمسؤولية حيال مستقبل بلادهم.

بموجب «خريطة الطريق» باتت مفاتيح حل الأزمة محدّدة بوضوح، من إعادة تركيب المجلس الرئاسي والحكومة إلى الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية البرلمانية، ونجاح كلّ مرحلة مرتبط بنجاح ما يسبقها، لكن أهمها الجانب الأمني الذي يدرك الجميع أنه شائك وأقرب إلى حقل ألغام.

فالخريطة تلحظ «حواراً» مع الجماعات المسلحة، من أجل هدف معروف هو بناء جيش موحّد وتذويب الميليشيات لتكون هناك مرجعية واحدة تابعة للدولة وخاضعة للمستوى السياسي في الحكم.

من هي الجهة التي ستحاورها، وفي أي إطار، ووفقاً لأي ترتيبات؟

هذا ما يسأله ليبيون كثر، لعلمهم أن هذا الملف هو مفتاح الحلّ للأزمة.

لا أهمية لهذه الجماعات من دون داعميها ومموّليها الخارجيين، إذاً فالحوار مع هؤلاء يمكن أن يختصر العناء وجهود الإقناع مع أولئك.

المهم أولاً وأخيراً أن تكون هناك إرادة دولية جديّة ومتماسكة هذه المرّة.

________________